خلال مشاهدتنا لفيلم وثائقي مدته 22دقيقة تقريبا، عن أجهزة الحاسب التي تحاول أن تحاكي البشر في عملية التفكير. أوضح الفيلم عددا من الشواهد المهمة التي توصل لها علم الذكاء الاصطناعي.
بداية لابد من التوضيح بأن هناك ميزة تتميز بها أجهزة الحاسب علينا نحن البشر وهي قدرتها على القيام بملايين العمليات الحسابية المعقدة بسرعة ودقة، بينما الانسان يتوقف عند حد معين من هذه العمليات الحسابية. في المقابل أجهزة الحاسب الالي لازالت بعيدة جدا عن قدرة الانسان المنطقية في التفكير، بالرغم من محاولة علماء الحاسوب تمثيل وتبسيط المعلومات لها.
فبرنامج مثل ألايزا (ELIZA) والتي برمجت سنة 1966وكانت تستخدم حينها لمعالجة المرضى النفسيين وذلك بإعادة صياغة أجوبتهم وطرحها على شكل أسئلة مرة أخرى لدفعهم على الحديث وبث مافي نفوسهم. بالرغم من النجاح المصاحب لألايزا والتي تعدى استخدامها مجالات حاسوبية أخرى، لم تتمكن برمجتها من الاجابة على أسئلة خارج السياق الذي برمجت فيه، مما يجعلها تخرج عن النص في كثير من الأحيان وذلك حينما يقوم أحد المستخدمين بطرح سؤال غير موجود في محرك الاستنتاج الخاص بها. لذلك حاول العلماء دراسة كيف يتعلم الاطفال كوسيلة لفهم كيفية عمل العقل البشري، حيث شبهوا الحاسب بالانسان أول ما يخرج على الحياة. فالانسان غير قادر على الكلام ولا التفكير وبعد سنوات يبدأ بالنمو وتبدأ خلايا دماغه تنمو وتتشبع بالبيئة والعلوم التي حولها.
كما حاول العلماء وضع سياق وخلق بيئات محدودة لتعمل الحواسيب في محيطها وذلك لاستنتاج واستنباط المعلومات. وأول عقبة واجهتهم وإلى الآن يحاولون إيجاد حل لها هو فهم اللغة. فاللغة المكتوبة والمنطوقة مبهمة حتى للبشر أحيانا. فالحاسب لايعرف إذا كان الضمير عائدا للشخص أو لجسم، كما أن الحاسبات لا يوجد لديها خبرات سابقة تبني عليها استنتاجاتها مالم يقم شخص بتغذية هذه المعلومات لها. فما نعتبره بديهيا كوجود الجاذبية الأرضية من حولنا هو بالنسبة للحاسب غير مسجل في ذاكرته.
وقد عرض الفيلم طريقة عمل روبوت طلب منه بناء برج من المكعبات فقام برمي المكعبات فوق بعضها البعض من الأعلى "ظنا" منه بأن المكعبات ستصطف من نفسها. فعدم وجود معلومة أن المكعبات ستسقط من أعلى بفعل الجاذبية الارضية والتي يعرفها حتى الأطفال كبديهية حتى ولو لم يعرفوا تفسيرها العلمي، يجعل من الحاسبات بحاجة لمجهود أكبر من الانسان لتعليمها.
هنا ظهرت تخصصات فرعية في علم الذكاء الاصطناعي، مثل علم تعلم الآلة (Machine Learning) وعلم معالجة اللغة الطبيعية (Natrual Language Processing) وعلم المنطق الاستنتاجي وعلم الانظمة الخبيرة وغيرها. ومع كل ذلك لازال علماء الحاسب يرون أن هناك فجوة كبيرة بحاجة لسدها بالابحاث المستفيضة للوصول للتمثيل الفعلي لمنطق الانسان.
من أصعب الاشياء فعلا هو حصر تفكير الانسان ومنطقه في عدد محدود من القواعد قد تصل لعشرات الالاف داخل عقل الحاسب ومن ثم نطلب منه ان يقوم بالاستنتاج والتفكير عوضا عنا دون أن يتفاعل مع البيئة المحيطة ويضيف قواعد ومعلومات جديدة لمحصلة قواعده. انه العقل البشري الذي خلقه الله عز وجل {صنع الله الذي أتقن كل شيء}، والذي يحاول علماء الحاسب محاكاته إن استطاعوا.
hend@alriyadh-np.com