الثلاثاء 16شوال 1427هـ - 7نوفمبر 2006م - العدد 14015

سينمائيات

أيامي الجميلة مع القناة الثانية..

رجا ساير المطيري

    هذا هو جهاز التلفزيون الأسود يجلس أمامي، متوسطاً المكتبة الخشبية بيضاء اللون، كأنه ملك أسطوري يجلس على عرشه في قلب مملكته، وأنا في حضرته، أجلس، في وسط الغرفة، أتابع بخشوع وخضوع كل ما يعرضه عليّ عبر قناتيه السعوديتين الوحيدتين في ذلك الوقت من نهاية ثمانينات القرن الماضي. حينها كنت في المرحلة الابتدائية ولم أكن أعرف من عالم القنوات ومن دنيا الفضاء سوى القناتين الأولى والثانية لسبب بسيط هو أنه لم يكن ثمة غيرهما، لذلك وجدتني أتابع وأتشرب كل ما تعرضان من برامج حتى لو كانت برامج علمية متخصصة تتحدث عن آلية نمو الخلايا في جذع شجرة استوائية منقرضة. وقد تمكنتُ بفضل هذه الأجواء الهادئة من خلق علاقة صداقة حميمة مع جهاز التلفزيون ومع القناة الثانية تحديداً التي إليها يرجع الفضل الأول في إشعال شرارة الاهتمام بالأفلام وبعالم السينما الساحر..

وبالطبع لم تكن الأفلام المعروضة في القناة تصنف ضمن التحف الخالدة، ولم يكن اهتمام القناة بالأفلام اهتماماً منهجياً يبغي تنوير المشاهدين والتأثير عليهم من خلال السينما، كلا، فلم يكن شيئاً من ذلك، بل كان الأمر في أبسط صوره مجرد تغطية لوقت البث الطويل من قبل القناة، ومن ناحيتي فلم أهتم كثيراً لأن غاية ما كنت أطلبه هو أن أشاهد وأشاهد وأشاهد ولا يعنيني شيئاً آخر غير هذا.. لذلك نشأ تواطؤ سرّي بيني وبين القناة.. أن تستمر هي بعرض الأفلام وأن أستمر أنا بالمشاهدة.. كان عقداً بسيطاً وواضحاً التزم كلينا ببنوده فأثمر ذلك عن سهرات رائعة قضيناها سوياً، وحيدين في الغرفة، هي تتحدث وأنا أستمع بصمت لما تقول وأشاهد بتلذذ كل ما تعرضه من أفلام، فكأني وإياها حبيبان التقيا في غفلة من الزمان فبقيا الليل كله يتناجيان ويتسامران..

كنت أقدّس يوماً اسمه (الأربعاء) وذلك لأن حبيبتي، القناة الثانية، ترتدي فيه أبهى حللها فتظهر بشكل مغاير عن بقية أيام الأسبوع إذ تعرض فيلماً في آخر الليل وقبله تأتي بمسلسل كوميدي أجنبي وببرنامج رائع اسمه (الشاشة) يعرض لقطات من أفلام كنت أعتقد أني لن أراها في حياتي أبداً كالأفلام الصامتة للساحر (شابلن) وغيره. ومثل الذي يحدث في يوم (الأربعاء) يتكرر أيضاً بنفس الكيفية في يوم الخميس مع اختلاف بسيط هو أنها تبث فيه برنامجاً اسمه (ليلة خميس) يتابع المنوعات الأجنبية من أفلام وحفلات غنائية لكبار الفنانين الغربيين. كنت أخرج من المدرسة ظهر الأربعاء وأنا أتلهف لما سأراه الليلة. هل هو فيلم رعب أم فيلم أكشن؟ هل سيكون فيلماً يابانياً مليئاً بحركات الكونغ فو؟ وما الذي سيأتي به برنامج (الشاشة)؟ كنت أتناول غدائي مع الأهل وأنا أقلب هذه الأسئلة في ذهني. ثم أخرج في العصر مع أصدقاء الطفولة وأنا مشغول بذات الأمر. حتى إذا جاء الليل، سكنت الأرض، وهرع جميع من في المنزل إلى مخادعهم، لتبدأ سهرتي اللذيذة مع القناة الثانية فانطلق في رحلة الكشف عن السر العظيم.. عن الشيء الذي ستقوله لي قناتي الحبيبة؟..

فكانت القناة تتحدث مرة بلغة هندية رصينة فتعرض فيلماً هندياً حزيناً عن أم تتعرض لظلم أبنائها فتجد العون من عجوز متهالك عثر عليها صدفة في إحدى زوايا شارع مهجور. أو تتخذ من لغة شرق آسيا قالباً لحديثها فتعرض فيلماً من اليابان عن طفل يضيع في غابة ليعيش مع الوحوش الضارية فيصبح مثلها ويمتلك قدرات خارقة يستغلها لمحاربة كل ظالم شرير. أما إذا كانت (القناة) راضية ورغبت في إكرامي فإنها لن تجد أفضل من أن تحكي لي قصة فيلم رعب أمريكيٍ كلاسيٍ رخيصٍ أبطاله مجموعة من الكلاب المسعورة تنطلق في شوارع المدينة لتعيث فيها فساداً فتقتل وتسفك دماء البشر بكل بشاعة ممكنة. وهي تزيد من كرمها فتعرض عليّ فيلم رعب آخر تجري أحداثه في داخل قطار قديم يحمل تابوتاً فيه جثة حديثة تستفيق من موتها بفعل روح شريرة لتقتل كل ركاب القطار. ومع هذا الفيلم تحديداً عشت رعباً لا مثيل له، نمتُ بسببه في مكاني حيث لم أجرؤ على الذهاب إلى غرفة النوم.. لأن الطريق إليها يمر عبر مسار مظلم طويل يشبه مسار القطار.. فخشيتُ أن يظهر لي وحش مثل الذي رأيته في الفيلم..

في ذلك الوقت كنت أصدق كل ما يجري أمامي على الشاشة، فكنت أجزم بأن من يموت في الفيلم يموت فعلاً في الحقيقة، وأتساءل: كيف يفرط الممثل بحياته بهذا الشكل؟ كم يدفع له؟ ترى هل هو يضحي من أجل أبنائه الصغار ليضمن لهم عيشاً كريماً؟ يا له من شخص رائع وعظيم!. وقبل ذلك كنت أرى بأن الممثلين لا يمثلون بل هم هكذا حقيقة وما الصورة التي أراها أمامي إلا نتيجة وجود الكاميرا معهم على سبيل الصدفة لا أكثر. أما أشد الاعتقادات رسوخاً في داخلي فهو اعتقادي بأن الممثل لا يشترك في حياته كلها إلا في فيلم واحد فقط، فهو أمام طريقين لا ثالث لهما، إما أن يموت في الفيلم وتنتهي حياته، أو أن يعيش ليستمتع بالمال الذي استلمه نظير تمثيله فلا يعود إلى تكرار التجربة مرة أخرى. ومنبع اعتقاد كهذا يعود إلى أن القناة الثانية، خلال تلك الفترة، لم تعرض مطلقاً فيلمين لممثل واحد.. كنت أؤمن بذلك وأكثر في بداية علاقتي الحميمة مع القناة الثانية. أما أيامي الجميلة التي قضيتها مع (رامبو) ومع (ليلة الشياطين) فتلك حكاية أخرى.. لعل من الأنسب أن أذكرها في مناسبة لاحقة..