الفنون.. ليست جنوناً فقط
ذهبت إلى باريس - لأول مرة في حياتي - قبل عشرة أعوام تقريبا. وأذكر حينها أنني كنت (مصرا) على رؤية كافة المعالم الباريسية خلال أربعة أيام فقط - وهذا في حكم الاستحالة تقريبا.. وكان من أبرزها زيارة متحف اللوفر الشهير رغم عدم اهتمامي بعالم الفن ذاته. وأذكر أنني وقفت منتظرا في طابور طويل مرهق - لايكاد يتحرك من بطئه الشديد - تحت شمس يوليو الحارقة.. وكنت كلما هممت بمغادرة الطابور - وإلغاء الزيارة من أساسها - أقول لنفسي "اصبر شوية، معقول توصل لباريس وماتدخل اللوفر ولا ترى المونوليزا".. وهكذا أخذت أصبر نفسي حتى دخلت المتحف أخيرا (وشعرت فجأة أنني انتهيت من واجب ثقافي ثقيل).. ولأنني أدرك ضخامة اللوفر - ولأنني أصبت بالإرهاق قبل دخوله أصلا - أيقنت بعدم قدرتي على تغطيته كاملا فاتجهت مباشرة الى حيث توجد لوحة المونوليزا (أغلى وأشهر لوحة في التاريخ).. وأمام هذه اللوحة - التي رسمها الفنان المعروف مايكل أنجلو ولا تقدر اليوم بثمن - رأيت واحدة من أغرب الحوادث النفسية في حياتي.........
فضمن السياح الذين وقفوا بخشوع أمام اللوحة بدأت إحدى النساء بالشهيق بصوت مرتفع - سرعان ما تحول الى صراخ وشد شعر وقفز على الأصابع - حتى انتهت بالسقوط وفقدان الوعي.. والغريب أكثر أن العاملين في المتحف تعاملوا مع الموقف ببرود شديد وكأنهم شاهدوا حوادث مماثلة في السابق.. وسرعان ما تأكد ظني حين سأل سائح أمريكي أحد المسعفين عما أصابها فقال: "لا شيئ، صرعة فن، تحدث لثالث مرة هذا الأسبوع"!!
.. هذه الحادثة الغريبة تذكرتها اليوم أثناء قراءتي ملخصا لكتاب يدعى "متلازمة ستندهول" يتحدث عن رصد حالات نفسية غريبة تحدث بين عشاق الفن والإبداعات العظيمة.. فكما يوجد "مجانين" كورة و"مهابيل" طرب؛ يوجد أيضا عشاق فنون عظيمة ومهابيل لوحات مشهورة. وحين يتواجد أحد هؤلاء أمام لوحة مشهورة (كالموناليزا) أو منحوتة عظيمة (كتمثال ديفيد في فلورنسا) يخرج عن طوره ويصاب بحالة ذهان أو خبال مؤقت - يشبه ما يحدث لعشاق السينما أو الكورة حين يرون فجأة نجماً أو لاعباً مشهوراً!!
وحسب الكتاب السابق تقول الطبيبة الإيطالية جرازيلا ماجهيرني أن هذه الحالات تتراوح مابين التعرق والمغص والبكاء الصامت إلى الصراخ والاستفراغ وانخفاض الضغط المفاجئ - الذي يعقبه إغماءة مؤقتة.. وما يعطي المؤلفة مصداقية كبيرة أنها درست مئات الحالات التي أصابت السياح في فلورنسا عاصمة الفن الأوروبي (.. حيث بدأت النهضة الأوروبية، وعاش بها أعظم عشرة فنانين، ويزورها سنويا مليون سائح من عشاق الفنون الجميلة). وقد اختارت لهذه الحالة اسم "متلازمة ستندهول" تيمنا بالفنان الفرنسي "ستندهول" الذي هاجر الى فلورنسا من فرط إعجابه الشديد بتمثال ديفيد الرخامي - لدرجة الوقوف أمامه بالساعات حتى يسقط مغشيا عليه!
والطريف هنا أن جرازيلا لم تسجل في كتابها حالات مشابهة بين السياح اليابانيين (الذين يشكلون المجموعة السياحية الأكبر في أوربا). ويعود السبب - حسب تفسيرها - إلى أن اليابانيين من "الشعوب الشرقية" التي لا تشعر بالعمق التاريخي والبعد الجمالي والحس الفني للأعمال الأوربية العظيمة...!!
ورغم رائحة العنصرية - التي تفوح من الملاحظة الأخيرة - إلا أنها في رأيي تتضمن قدرا كبيرا من الصحة.. فشخصي المتواضع مثلا لم ير أي فرق (أو يدرك أي عمق) بين لوحة الموناليزا الأصلية واللوحات المزيفة التي تباع خارج المتحف.. أما تمثال ديفيد الرخامي فحين شاهدته لأول مرة في فلورنسا كان أول شيئ فكرت فيه أنه بحاجة لما يستر عورته...!!
Fahmadi@alriyadh.com