إن ما يخشاه كثير من المراقبين هو أن تؤدي تجارب كوريا الشمالية الصاروخية إلى إثارة سباق تسلح محموم في شرق آسيا، وإلقاء ظلال سوداء على الجهود الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية.ومن المرجح أن اليابان متأثرة بالملف الكوري والتسلح الصيني،سوف تتجه نحو تنمية قدراتها الدفاعية وتعزيز بنيانها العسكري، مما سيحفز الصين على مزيد من التسلح والذي بدوره سيشكل حافزا لتايوان للمضي قدما في تعزيز ترسانتها العسكرية، بل إن التأثير المتتالي لسباق التسلح سيمتد لدول جنوب شرق آسيا عامة.
ففي كوريا الجنوبية، وطبقا للخطة متوسطة المدى التي أعلنتها وزارة الدفاع الوطني في تموز يوليو من هذا العام، فان القوات المسلحة للبلاد سوف تمضي نحو مزيد من التعزيز التكنولوجي والتنظيمي في السنوات الخمس القادمة. وتشير الخطة إلى أن أهداف القوات المسلحة الكورية حتى العام 2011تتمثل في تحسين وسائل الاستطلاع والإنذار المبكر وبناء نظام القيادة والاتصالات الذي يمكن من اندماج الطاقات والقدرات القتالية وتقوية قدرات القصف بعيد المدى، وتوسيع القدرات التكتيكية لحماية خطوط النقل الرئيسية، وزيادة التدريب لتنفيذ الاستراتيجيات الدفاعية في الأجواء العالية والمتوسطة الارتفاع.
وتنص الخطة على تخفيض عدد القوات المسلحة من 691ألف إلى 634ألف جندي مع نهاية العام 2011.وهو جزء من الخطة العسكرية طويلة المدى لتخفيض عدد القوات المسلحة إلى خمسمائة ألف بحلول العام 2020كذلك، تقضي الخطة بتأسيس قيادة للاستراتيجيات الأرضية في الجيش، وقيادة للقوات المتحركة في البحرية، وقيادة للقوات الجوية في المناطق الشمالية، من اجل تنفيذ نشاطات الاستطلاع في جميع أنحاء شبه الجزيرة الكورية، وإجراء عمليات القصف الدقيقة.
وسوف يتم توسيع وحدة الغواصات إلى قيادة الغواصات مع مشروع تقديم غواصة وزن 3500طن.. بالإضافة إلى ذلك، سوف يتم شراء ثماني طائرات حراسة بحرية لنشرها في الوحدات الجوية في سلاح البحرية.. وسوف يضيف سلاح الجو الكوري خمس وحدات جوية جديدة لقيادة المناطق الشمالية وسربا جديدا لقيادة المناطق الجنوبية. وعلاوة على ذلك هناك مشروع لشراء طائرات النقل كبيرة الحجم وطائرات تزويد الوقود اعتبارا من العام 2011، كما يخطط سلاح الجو لشراء الصواريخ الموجهة بأشعة الليزر.
كذلك، تركز خطة الجيش الكوري الجنوبي على تحسين قدرات الاستطلاع والتجسس عبر بناء نظام للإنذار المبكر والأقمار الصناعية متعددة الاستخدامات والطائرات من دون طيار للمجالات الجوية متوسطة الارتفاع.
هذا في كوريا، أما في اليابان فقد توصلت طوكيو في الثالث من مايو الماضي إلى اتفاق مع واشنطن حول إعادة نشر القوات الأميركية الموجودة في جزيرة اوكيناوا اليابانية. وخلال المفاوضات بين الجانبين التي استمرت ثلاثة أيام في واشنطن توصل الجانبان إلى اتفاق يتضمن نقل قوات البحرية الأميركية الموجودة في قاعدة اوكيناوا الجوية إلى معسكر شواب حتى العام 2014.وكذلك سيجري نقل ثمانية آلاف جندي أميركي من قاعدة اوكيناوا إلى جزيرة غوام الأميركية في المحيط الهندي.وسوف تتحمل اليابان 10.3مليارات دولار مقابل إعادة نشر القوات العسكرية الأميركية.
ومن اجل تعزيز التحالف الدفاعي بين واشنطن وطوكيو، تقرر نقل مركز قيادة الفرقة الأميركية الأولى من الولايات المتحدة إلى قاعدة زاما في كاناكاوا باليابان. كذلك، سوف تشكل في قاعدة زاما اليابانية "قوات الاستعداد المركزية" المكلفة مكافحة النشاطات الإرهابية،وستبقى هناك حتى العام 2012.وفي الوقت نفسه، سيجري نقل قيادة قوات الدفاع الصاروخية اليابانية إلى قاعدة يوكوتا حتى العام
2010.أما الجزء المتعلق بشبه الجزيرة الكورية في الاتفاقية فيتمثل في إعادة ترتيب الخطوط الرئيسية للتعاون الدفاعي الأميركي الياباني الذي اقترحه مدير وكالة الدفاع اليابانية فوكوشيرو موكاجا. فالخطوط الرئيسية المتبناة في العام 1997تتضمن آلية التعاون العسكري في الحالات الطارئة في اليابان والمناطق المجاورة.
ومصطلح الحالات الطارئة في المناطق المجاورة يشير بكل وضوح إلى شبه الجزيرة الكورية. وإعادة تعديل هذه الآلية يمثل تعديلا لخطط الدفاع في شبه الجزيرة الكورية في الحالات الطارئة بدون مشاورة الدول المعنية بذلك.
بيد أن وزير الشؤون الخارجية والتجارة الكوري الجنوبي بان كي مون قلل من أهمية ذلك بالقول ان الولايات المتحدة و"ليس الولايات المتحدة واليابان" هي التي ستقوم باتخاذ الإجراءات المضادة في الحالات الطارئة في شبه الجزيرة الكورية.وردا على المخاوف المرتبطة باحتمال تمزق التحالف الثلاثي بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان وتقلص التأثير الدبلوماسي الكوري في شمال شرق آسيا، قال مون ان الاتفاقية الأخيرة بين اليابان والولايات المتحدة لن تؤثر على دور المساندة الذي يمكن أن تقوم به القوات الأميركية المتواجدة في اليابان في الحالات الطارئة في شبه الجزيرة الكورية.
وما يمكن قوله بصفة عامة هو أن معظم دول جنوب شرق آسيا تعمل حاليا بانهماك شديد في تحديث قواتها المسلحة. وحتى الآن نجحت أغلب تلك الدول في تحقيق هذه الغاية دون التنازل عن سيادتها فيما يتصل بالمسائل الأمنية. فاندونيسيا تسعى إلى تشكيل سرب دفاع جوي مؤلف من 12طائرة نفاثة، فضلاً عن ثماني طائرات روسية مقاتلة لتكميل الطرازين Su-27SK و Su-30MKM من الطائرات الروسية التي اشترتها بالفعل.
بدورها، قررت سنغافورة شراء 12طائرة مقاتلة من طرازF-15SG الجديد من الولايات المتحدة. وفي أواخر العام الماضي التقى رئيس وزراء تايلاند ثاكسين شيناواترا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتن حيث وافق مبدئياً على شراء 12طائرة من طراز Su-30MKM.
كذلك، وافقت ماليزيا على شراء 18طائرة من طراز Su-30MKM 18خلال العامين القادمين، بينما اشترت فيتنام 36طائرة من طراز SU-27SK، دخلت منها 12طائرة الخدمة الفعلية.ومما يبدو في الوقت الحالي أن الطائرة الروسية الهجومية المقاتلة هي الخيار الذي اعتمدته كافة دول الإقليم باستثناء سنغافورة.
ومن الواضح أن حصة روسيا المتنامية في السوق المحلية للأسلحة أصبحت موضع إزعاج بالنسبة للولايات المتحدة التي تُعَد المورد الأكبر للأسلحة فيها حتى الآن، والتي ما زالت صاحبة أكبر قوة عسكرية في آسيا. ومن هنا فقد بادرت الولايات المتحدة في تشرين الثاني نوفمبر من العام الماضي إلى رفع حظر بيع الأسلحة العسكرية الذي كانت قد فرضته على إندونيسيا لمدة ستة أعوام بداية من العام 1999.وعلى الفور سارعت إندونيسيا إلى الإعراب عن اعتزامها شراء طائرات نقل من طراز C-130، علاوة على قوارب استطلاع سريعة في إطار "إجراءات مضادة للإرهاب والقرصنة". بيد أن إندونيسيا تسعى أيضا إلى صف نفسها مع الصين، وذلك عن طريق تعزيز أواصر التعاون الدفاعي والأمني بين الدولتين، وهي قد حصلت من بكين على تكنولوجيا الصواريخ قصيرة المدى.
والأرجح أن تتورط إندونيسيا في التنافس الدائر بين الولايات المتحدة والصين لفرض النفوذ على مضيق مالقا الذي يتميز بأهمية حيوية كبرى. ولأن الصين لابد وأن تستورد كميات كبيرة من النفط عن طريق هذا المضيق، فقد اكتسب أهمية مركزية في استراتيجيتها الأمنية.
وبدورها تسعى الهند إلى الانضمام إلى هذا السباق العسكري،حيث بادرت بكل نشاط وهمة إلى قيادة مناورات عسكرية إقليمية مشتركة، مثل المناورة البحرية المشتركة التي استضافتها الهند في بحر أندامان، في المنطقة الشرقية من المحيط الهندي، في وقت سابق من هذا العام. وقد شاركت في هذه المناورة تسع دول آسيوية من منطقة الباسيفيكي، بما فيها إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وتايلاند. كما تسعى كل من الهند والصين إلى فرض قدر أكبر من النفوذ على دولة ميانمار التي تتميز بأهمية استراتيجية متزايدة.