يبدو أنه لم يعد كافياً تحقير العقل السياسي العربي وتصغيره، حيث أخرج تماماً من دور التأثير والفعل حتى فيما يخص واقعه السياسي، إذ لم يعد له دور سوى الفرجة، والاستيعاب. فالوجه السياسي العربي أصبح وجهاً كاريكاتيري الملامح، فهو وجه جاحظ العينين، مرتخي الفكين، متهرئ الأشداق، متجعد الجلد والشعر، يظهر عليه البله، والثبور، والبثور.. هذه هي صورة الوجه السياسي المرتسم في ذاكرة الإنسان العربي، ويبدو أنه لم يعد كافياً تتفيه وتهميش العقل السياسي فقط، بل مسخ هذا العقل وتحقيره على كل الأصعدة: تحقير العقلية الثقافية، والعقلية الفكرية، والعقلية الأخلاقية.. حتى ليخيل إليك أن هناك مشروعاً سريع الأداء والتنفيذ من خلال وسائل الإعلام وبرامجها الكفيلة حتى بتحقيق ذلك وإنجازه.
جلست ليلة كاملة أمام التلفزيون، ورحت أنتقل من محطة إلى محطة، ومن قناة فضائية إلى أخرى، وأنا أبحث عن شيء جيد يشدني ولو لبضع دقائق، فلم أجد إلا السأم، والملل والضياع، والنكد. أخبار مكررة، ووجوه مكررة، ومقابلات ممسوخة رديئة، وحوارات كلها صراخ، ومسلسلات، وتمثيليات رديئة فجة، تركز على إثارة الغرائز، وإبراز اللحم، وتغفل العقل، وتقتل التفكير والإبداع.. وأغان كلها صراخ، وعويل، ولطم وجوه، وقفز في الهواء، وكأننا في مارستان للأمراض العصبية. وقلت في نفسي لاحول ولا قوة إلا بالله..!! لماذا هذه المواجع، وهذه الفواجع..؟ ألا تكفينا عذابات أمريكا وإسرائيل..؟ ألا تكفينا مشاهد الذبح والقتل، والدمار، وإراقة الدماء التي ستحول نصف أطفالنا إلى مجانين..؟ فلماذا هذه الحروب على عقول أطفالنا..؟ لماذا ندمر الذائقة..؟ بل لماذا ننشر كل هذا الفساد الذوقي، والفساد الثقافي..؟ لماذا نسمح بأن يتفشى هذا الوباء، تفشي الطاعون والكوليرا..؟
وقلت في نفسي إذا لم يكن لدينا فكر نعتز به، وسياسة نعتز بها، وصناعة نعتز بها، وثقافة نعتز بها، فماذا يبقى لدينا..؟ وهل لوجودنا معنى في هذا الكيان الإنساني الواسع..؟ فكل الأمم تحترم ثقافتها وتحافظ على فنها وذوقها العام.. بل إن لديها استراتيجيات ثقافية واعلامية وفنية مبنية على أسس ومبادئ وركائز تقوم عليها وتعمل على تنفيذها بدقة وإخلاص.. أي أنه لاتوجد أمة تمارس الفوضي والعبث والتفلت كما نحن. بل حتى المتتبع لسلوك الحيوانات يجد أن لبعضها طقوساً تشبه الطقوس الثقافية، والأخلاقية لدى البشر..!! هل تعلمون أن هناك رقصة جماعية للبجع البري في بعض أيام السنة يؤديها عند طلوع الشمس..؟ وطائر الفلامنكو له عروض ورقصات فنية متقنة ورائعة تشبه رقصات الباليه. وقمري النخيل له تراتيله الخاصة قبل طلوع الفجر. والبلابل تتبادل الحوار الغنائي وفق رسائل ونوتات صوتية فنية محكمة ومذهلة.. أي أنه لافوصى، ولاعبث حتى في ثقافة الحيوانات، أما نحن فنقتل الإبداع، ونحطم قوانين الأشياء الجميلة.. فالغناء - لدينا كما ذكرت - انفلات، ونهيق، وزعيق، وشطح، وصراخ، وعويل، ومناظر خليعة تشمئز منها حتى الكلاب.. وتمثيلنا ومسلسلاتنا هي مسلسلات تروج التفاهة، والرقاعة، والمسخرة، وقلة الحياء، والهبوط، وقتل الشيم والمكارم... ومقابلاتنا وحواراتنا تعلم الدس، والتزمت، والنفاق..
ونحن نقف أمام هذا العبث كله، والتشويه كله، بكل ما أوتينا من صمود الصمت، وصمود الاستسلام، وصمود التخاذل وعدم المبالاة، وكأن الأمر لايعنينا، وكأن هؤلاء الذين يجلسون أمام الشاشات لساعات طويلة، ويتعلمون هذا الشتات، وهذا التبعثر، وينهلون من هذه السموم، ويستلهمون حكمتهم، ومعرفتهم، وأخلاقهم من هؤلاء السوقة، ومرتزقة التفسخ، ليسوا بأبنائنا، ولابناتنا، بل ليسوا هم الذين سوف يتولون بناء الوطن، وإعماره مستقبلاً..!! وتخيلوا جيلاً سيخرج من مدارس هذه القنوات- التي سميتها ذات مرة بقنوات "الدشير" - تخيلوا كيف سيكون شكل هذا الجيل وكيف ستكون ملامحه..
أيها السادة إن وسائل الإعلام هي من أخطر وسائل التربية والتعليم.. بل هي أقوى تأثيراً من المدرسة، وأقوى من الجامعة أحياناً، وقد يتعلم منها الناشئ في ليلة واحدة ما لايتعلمه في عام كامل بالمدرسة.. وكل الأمم تدرك ذلك وتعمل على الاحتياط له. فعند جميع الشعوب ضوابط ذوقية، وضوابط أخلاقية، وحدود قانونية، تدخل فيها عملية النسبة والتناسب بين الأشياء، إلا في الإعلام العربي، فكل شيء مفتوح، وكل شيء مباح، وكل شيء يمارس على المكشوف، وكل يفعل ما يشاء مع من يشاء، وحيث يشاء - إلا في بعض المحرمات السياسية-، أما ما عدا هذا فحدث ولا حرج. بل لم يعد هناك حرج فيما كان فيه حرج..
وكنت أظن أن ما حدث كان هوجة مؤقتة، أو طفرة نتيجة انفجار، أو عطب مؤقت في أنبوب الإعلام العربي، وأن هذه الروائح المنكرة سوف يتم - شفطها- سريعاً ولكنني كنت واهماً، فالمسألة ليست خللاً مؤقتاً، بل خلل مبرمج، ومدروس.. وأظن أن هذا الفيضان سوف يستمر في إغراق ملايين من عقول الناشئة النابتة في حقول الوطن العربي التي تطفح بالسموم وكل ألوان التلوث..
العقل العربي لايراد له أن ينبت بشكل طبيعي ولا أن ينمو بشكل طبيعي، وكأنما المطلوب منه أن يظل عقلاً مصاباً بالإعاقة وكل ألوان البلاهة والبلادة وعاهات التخلف، عقلاً صغيراً قاصراً وتافها عاجزاً عن الإبداع والخلق، والابتكار، والتفكير الايجابي الخلاق.. يراد له أن يظل عقلاً بهلوانياً "قردياً" تمارس عليه كل أنواع الدروشة والشعوذة والسحر على مسرح الحياة أو في سيركها الكبير.