كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا أتى رمضان، أخذ يبشر أصحابه بقدومه، ويبين لهم فضائله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه، يقول: "قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الحجيم وتغل فيه مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم" رواه الإمام أحمد والنسائي والبيهقي، وحسنه الألباني. قال الإمام ابن رجب - رحمه الله: (وكيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟ وكيف لا يبشر المنذبن بغلق أبواب النيران؟ وكيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان؟).
إنه مذ رأى أهل الفطنة من المؤمنين هلال خير الشهور سعوا في أن يروا الله من أنفسهم خيراً، فاجتهدوا في الطاعة قدر الاستطاعة، وتزودوا من الأعمال الصالحة ساعة بعد ساعة، حتى كان يومهم أفضل من أمسهم، وصار غدهم أفضل من يومهم، فسموا بإيمانهم، وعلوا بأرواحهم، لأنهم يعلمون أنهم إن زهدوا عن فعل الخيرات وعمل الصالحات انحدر إيمانهم، ولا يزال ينحدر إلى أن يصحوا من غفلتهم ويقبلوا على طاعة ربهم، أو يتوفاهم الله وهم مقيمون على غفلتهم، فيموتوا على سوء خاتمة، والله تعالى يقول: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} (المدثر: 37) فما من أحد ثابت في مكانه، بل هو أحد أمرين: إما صعود وتقدم، أو نزول وتأخر.
وإن الواجب على من وفقهم الله في هذا الشهر الكريم لفعل الطاعات، والتزود من الحسنات، ألا يتكلوا على أعمالهم، بل الواجب أن يرجو منها رحمة الله، فهو سبحانه يقول: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} (المؤمنون: 60) وقد روى الترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {والذين يؤتون ما توا وقلوبهم وجلة} قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال صلى الله عليه وسلم: (لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات).
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: (لقد أدركنا أقواماً كانوا من حسناتهم أن ترد أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها) فكيف هو حال من لا يخاف الله ولا يرجو رحمته؟!
فما كان يهل عليهم هلال الشهر جو من الخشية والإيمان، والتقوى والإحسان، والإقبال على الخير والأعمال الحسنة، وانتشرت الفضائل والحسنات، أما المنكرات فخمدت نارها، وكسدت سوقها، وبارت سلعته، وخيم الخوف من الله تعالى على أهلها، فامتنعوا عنها وتوقفوا عن اقترافها، أو على الأقل من المجاهرة بها وإعلانها.
غير أن هناك أنفساً شريرة لا تعرف لهذا الشهر حرمة، فقد تأصل فيها حب الشر، واستمرأت الفساد، وأسلمت القيادة لإبليس والشيطان، فأصبح همها الفساد والإفساد، والسعي الحثيث لتعكير الجو الإيماني، بتوكيل من شياطينهم التي تؤزهم إلى الشر أزا، وتبعدهم عن كل خير وفضيلة، حتى صاروا وكلاء لإبليس في شهر رمضان، بل صار بعضهم أسبق من الشيطان في نشر الفساد، والدعوة إلى الفجور، نعوذ بالله من حالهم، فإن همهم الوحيد هو إشغال أهل الإيمان، ومحاولة إسقاطهم في الفتنة، حتى صاروا يبحثون عن أي وسيلة تصرف المؤمنين عن عبادتهم لربهم، فصرنا نرى نتاج أفكارهم وخططهم في وسائل الإعلام المختلفة، والتي هي طريقهم الأسهل للولوج إلى بيوت المسلمين، ومشاركتهم موائدهم.
لذا فهم يعملون على مدار العام، ويعدوا العدة كي يبثوا بين المسلمين ما صاغته أفكارهم، وما عملته أيديهم، تلك الأيدي التي تبسط لفعل الشر، وتقبض عن فعل الخير، مصداقاً لقول الله تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون} (التوبة: 67).
وإن هؤلاء الذين أضاعوا أيام هذا الشهر ولياليه فيما لا نيفعهم في دينهم ودنياهم سيندمون حين لا ينفع الندم، فهم أهل الخسران الحقيقي، والله عز وجل يقول: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين} (الزمر: 15) فإن الخسارة الحقيقية هي خسارة النفس وذلك بحرمانها من الحسنات والثواب، فتستحق بذلك شديد العذاب، وأليم العقاب، نعوذ بالله من هذه الخسارة التي تهون عندها خسائر الدنيا كلها، فإن الخسارة في الآخرة خسارة مستمرة، لا ربح بعدها ولا نجاة.
ختاماً: أسأل الله ألا يجعلنا من أهل الندامة، ولا ممن يقول بعد انتهاء زمن المهلة: {لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} الزمر: 58، فإنها أمنية باطلة، وإن المنى رأس أموال المفاليس.
نسأل الله أن يعيد علينا شهر رمضان أعواماً عديدة، وأزمنة مديدة، وبلادنا المباركة في أمن وإيمان، وسلامة وإسلام، وجميع بلاد المسلمين.. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.