جريدة الرياض اليومية

الجمعه 12 شوال 1427هـ - 3نوفمبر 2006م - العدد 14011
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
جهل الأهل بالمرض وطبيعته و أعراضه يجعل المريض يترك المنزل ويهيم على وجهه في الشوارع
العوامل الاجتماعية و العائلية تؤثر على مآل الفصاميين بتحسنهم أو انتكاسة حالتهم العقلية

عرض الصورة

د.ابراهيم بن حسن الخضير

مرض الفُصام والذي كثيراً ما تحدثنا عنه، وكثيراً ما تصلنا أسئلة حول علاج هذا المرض. والحقيقة أن مرض الفُصام والذي يُعّد من أكثر الأمراض العقلية تأثيراً على حالة المريض، ويسبّب الكثير من المشاكل للأهل والأقارب والأشخاص المحيطين بالمريض نظراً لصعوبة هذا المرض والذي ربما يُعتبر أكثر الأمراض العقلية صعوبة في العلاج وفي التعايش مع شخص يعُاني من هذا المرض العضال.

الفصام تحدثنا كثيراً عن علاجه الدوائي، وهو مهم جداً لمرضى الفُصام حيث أن العلاج الدوائي هو العلاج الأساسي لمرض الفصام، وقد أدى اكتشاف أول دواء لعلاج الفصام في عام 1954م ثورة في عالم الطب النفسي، فقد خرج الآلاف من المصحات النفسية نتيجة تحسّن حالتهم العقلية باستخدام هذا الدواء. وقد كان قبل ذلك مرضى الفصام لا يتلقون أي علاج، بل يتم إدخالهم في مصحاتٍ خاصة كانت تعرف في بعض البلدان الأوروبية ب "بيت المجانين" " The Mad House" ولكن بعد إكتشاف هذا العلاج، تسارعت وتيرة البحوث عن أدويةٍ أخرى وتم اكتشاف أدويةٍ مُتعددة لعلاج مرض الفصام، ونجح هذا في التخفيف من عدد المرضى الذين كانوا يُحتجزون بالآلاف في المصحات النفسية، التي كان في حالةٍ يُرثى لها، حيث يُعامل المريض العقلي، خاصةً مرضى الفصام معاملة لا إنسانية .. وكُتب التاريخ في الطب النفسي تروي حوادث بشعة في كيفية معاملة مرضى الفصام في المصحات النفسية. بل لا نذهب بعيداً ففي عام 1991م أذاع تلفزيون ال BBC القناة الثانية برنامجاً عن المرضى العقليين في دولة أوروبية مُتحضرة هي اليونان، حيث عرض البرنامج كيف أن الحكومة اليونانية اختارت جزيرةٍ نائية ووضعت بها المرضى العقليين، خاصةً مرضى الفصام، حيث تُركوا بلا رعاية طبية أو نفسية أو اجتماعية .. وظهرت صورٌ مقززة لمرضى يسيرون عراةً في شوارع الجزيرة التي تم نفيهم اليها.

إذا كان العلاج الدوائي أمراً ضرورياً لعلاج الفُصام، فإن هناك علاجات نفسية وإجتماعية مهمة جداً لرعاية مرضى الفُصام.

قام العالمان لف وفاقن (Vaughn & Leff) بدراسة عن التأثير الإجتماعي والأسري على المرضى المُصابين بمرض الفُصام، وكيف يؤثر العامل الاجتماعي تأثيراً مهماً على مآل المرض (تحسن المريض أو أنتكاسة حالته العقلية). قام الباحث والباحثة بدراسة عدة عوامل اجتماعية وأسرية ومدى تأثيرها السلبي والإيجابي على مريض الفصام.

أولاً : نوعية الأسرة

الأسرة سريعة الانفعال ( التي يتميز أفرادها بسرعة الانفعال والغضب السريع والتّدخل في جميع أمور حياة المريض). وجدت الدراسة أن هذا النوع من الأسر يؤثر سلبياً على مريض الفُصام، حيث أنه يجعله ينتكس بصورةٍ أسرع مُقارنة بالأسر الهادئة وقليلة الانفعال.

ثانياً: عدد الساعات التي يُمضيها المريض مع الأسرة

كلما زاد عدد الساعات التي يُمضيها المريض مع أهله كلما زادت النسبة في زيادة انتكاسة مريض الفصام. وتقول الدراسة بأن ألعائلة سريعة الانفعال إذا زاد عدد ساعات احتكاك المريض بعائلته كلما زادت نسبة انتكاسة المرض . وتقول الدراسة بأن كلما زاد عدد الساعات عن 35ساعة يقضيها المريض مع الأهل فإن نسبة انتكاسته تزيد بحسب زيادة الوقت الذي يمضيه مع أسرته. وهذا ينطبق على كلا الأسر، ولكن يزداد مع الأسر سريعة الانفعال.

ثالثاً:تناول العلاج

تزيد النسبة في الانتكاسة بالنسبة لمرضى الفصام عندما لا يواظبون على تناول العلاج الخاص بهم. ونسبة الانتكاسة أعلى عندما تكون الأسرة من الأسر سريعة الانفعال .

في نهاية دراستهما قال الباحث والباحثة بأن نسبة الانتكاسة للشخص المصاب بمرض الفصام، ويقضي أكثر من 35ساعة في الأسبوع مع أسرة سريعة الانفعال ولا يتعاطى العلاج فإن نسبة الانتكاسة تزيد على 92% .

من هذه الدراسة ودراساتٍ سابقة قام بها بروفسور جورج براون، وهو أستاذ علم الاجتماع الطبي والمُتخصص بعلاقة الأمراض النفسية بالعوامل الاجتماعية يظهر مدى أهمية الجانب الاجتماعي في علاج والتأثير الإيجابي للتدخّل الاجتماعي في رعاية وعلاج مرض الفصُام.

كثير من أهالي مرضى الفصام لا يعرفون كيف يتعاملون مع أبنائهم المرضى بهذا المرض العصيب. تجد الأسرة لا تكف عن التعليق على تصرفات وسلوكيات المريض بالفُصام وكأنما هو شخصٌ طبيعي لا يُعاني من مرضٍ عقلي مُعوّق.

مريض الفصام يجب أن يُعامل معاملةً خاصة وسط أسرته وأقاربه وأصدقائه . يجب ألا يُعلقوا كثيراً على تصرفاتهم ولا ينتقدون ما يقوم به من سلوكيات نتيجة المرض، ويحاولون أن يخلقوا جواً مُريحاً للمريض حتى لا تتفاقم حالته.

إن العلاج الدوائي ليس كافياً، وتلعب الرعاية الاجتماعية بالصورة الصحيحة دوراً رئيساً في استمرار تحسن المريض.

أغلب مرضى الفصام يحتاجون لدخول أقسام نفسية أو مستشفيات صحة نفسية للعلاج حتى تستقر حالته، ولكن بعد ذلك يأتي دور الأهل في استمرار هذا التحسن. يجب ألا يضغط الأهل على المريض كي يبقى معهم فترةً طويلة يراقبونه وينتقدون تصرفاته ويغضبون من بعض السلوكيات التي يقوم بها المريض تحت تأثير هذا المرض. فكما أشارت الدراسة ألأولى لبروفسور لف وفاقن فإن المريض إذا كان يعيش مع أسرة كثيرة الانتقاد وسريعة الانفعال فهذا يضيف أكثر من 20% من أسباب انتكاسة المريض حتى وإن كان يتعاطى العلاج الخاص بالفصام.

يجب أن يُعامل مريض الفصام وسط أسرته بهدوء وعندما يكون هناك توجيه لسلوكٍ غير مقبول فيجب أن يكون بطريقةٍ لينة وأسلوب رقيق حتى يكسبوا المريض، وينفتح قلبه لأهله ويُخبرهم بما يُخامره من أعراض ذهانية، ويكون صادقاً معهم في تعاطي الأدوية المضادة للفصام، خاصةً وإن أدوية الفُصام الآن أصبحت متطوّرة وتقل أعراضها الجانبية المُزعجة التي كانت تُصاحب استخدام الأدوية القديمة، وتجعل المريض يتوقف عن تناول العلاج. إن مرض الفصام مشكلة اجتماعية كبيرة في جميع الدول وهناك جمعيات خاصة لمرضى الفُصام تساعد الأهل على كيفية التعامل مع مريض بهذا المرض العضِال. إن عدم تفهّم وتعاون الأسرة مع الفريق العلاجي في المستشفى يقود إلى تدهور المريض، ويجعله لا يُحب أن يُقيم مع أهله، وكثير من مرضى الفُصام يُفضّلون أن يعيشوا في الشوارع إذا كانت أسرهم لا تتفهّم مرضهم ولا تكف عن إنتقادهم . قبل أشهر قليلة زارني مريض بالفصام برفقة والده، وكان المريض يبدو بحالةٍ مُزرية، وعندما سألت والده وجدت أنهم في المنزل يُريدونه يتصرف كشخص طبيعي وينتقدون أن سلوكيات غير مقبولة ويلجأون أحياناً إلى تكتيفه بالحبل وحبسه في غرفة مغلقة سيئة الأثاث، ولا يعتنون به ولا يعاملونه بلطف مما أضطر المريض إلى أن يهرب إلى الشارع وأصبح ينام في الشوارع وتكلم والده أمامي بغضب عن هذا السلوك الذي يقوم به ابنه، وطلب مني إقناعة بالبقاء في المنزل وعدم ترك المنزل والنوم في الشوارع والهرب إلى أماكن لا يعرفونها.. عندما سألت المريض وجدت أن الأهل لا يعرفون طبيعة المرض ويتوقعون منه أن يكون مثل إخوته الأصحاء وهذا شيء مستحيل طبعاً، وطلبت أن نُدخله المستشفى حيث كان لا يتناول العلاج لمدة أشهر وهاماً في شوارع الرياض بدون أن يكون معه نقود أو ملابس . هز المريض رأسه ولكنه وعد بالحضور وفي اليوم التالي قبل أن يدخل المستشفى عاد إلى الشوارع حيث يجد راحته، وربما قابل اشخاصاً من نوعه ويعيش معهم هائماً في الشوارع يقتاتون على النفايات وينامون حين يتعبون من التجوال في أي مكانٍ دون غطاء أو أي طعام. كان المريض نحيفاً بصورةٍ مُخيفة وربما ينتهي به الأمر إلى أن يلقى حتفه بسبب مرضٍ عضوي كالتهاب رئوي أو نقص في التغذية أو أن يتعرض لحادث كما حصل لعددٍ من المرضى بالفصام أعرفهم يرحمهم الله.

إن الرعاية الاجتماعية لمرضى الفصام في بلادنا هي من مهام الأهل، ولكن جهل الأهل بهذا المرض وطبيعته وأعراضه يجعلهم يُنّفرون المريض فيترك المنزل ويهيم على وجهه في الشوارع حتى يتمكن أهله من إرجاعه أو أن يُلاقي وجه ربه !..

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية