تمر سوق الأسهم المحلية منذ فترة تصل إلى ثلاثة أشهر تقريباً بعملية تذبذبات كبيرة ومتسارعة في أسعار الأسهم. ويمكن القول إنها في أسعار أسهم المضاربات أكثر منها أسعار أسهم شركات الاستثمار. ونود هنا أن نثير بعض التساؤلات لعل منها مدى الجدوى الاقتصادية من الاستثمار في سوق الأسهم، أو من هم الرابحون الحقيقيون حالياً من هذه التذبذبات؟ ومن قراءتنا المتواضعة لمجريات السوق فيبدو أن الرابحين الحقيقيين هما شريحتان فقط.
الشريحة الأولى
هم المضاربون الكبار الذين لديهم القدرة على التحكم بسعر السهم فيرفعونه لمستويات عالية وخلال فترة وجيزة، وعندها يتخلصون من أسهمهم عند المستويات المرتفعة، ليأتي بعدها عمليات ضغط على السهم في دورة جديدة للتجميع بأسعار منخفضة. أما المساكين الصغار الذين اشتروا السهم بأسعار مرتفعة فهم بين خيارات أحلاها مر.. فإما أن يمسكوا السهم وتتحمل أعصابهم وصحتهم تكاليف الانتظار لحين الوصول إلى مرحلة استعادة رأس المال أو قليل من الربح. أو أنهم يبيعون السهم ليسجلوا خسائر محققة في محفظتهم. ومن الاطلاع على سلوكيات المتداولين الصغار فيبدو أن غالبيتم من هذا النوع الأخير الذين يمتنعون عن البيع بأسعار خاسرة. ويبدو أن هذه الفئة ممن تشعر بالارتياح بعيداً عن ضغوطات التمويلات البنكية والتسهيلات. أما من لديه تسهيلات بنكية فكان الله في عونه.
الشريحة الثانية
أما الشريحة الثانية من المستفيدين فهي بالتأكيد بنوكنا العزيزة التي اصبحت كالمناشير (طالع آكل نازل آكل) فالأهم لديها هو كثافة التداولات لتحصل عمولاتها. ولا يهم بالطبع هنا من الخاسر أو الرابح. ولذلك فمصلحة البنوك دائماً ما تكون في صف المضارب الكبير الذي يدور الأموال بكثافة ليجني للبنك العمولات.
أما المستثمرون طويلو الأجل أصحاب الدراسات والتحاليل فلا يبدو أنهم استفادوا كثيراً من ارتفاعات السوق. فمثلاً فإن سعر سابك لازال يتراوح حول مستوى 140ريالاً منذ فترة طويلة وكذلك الحال مع سهم سافكو والتصنيع وكثير من أسهم الاسمنت والبنوك.
الجدوى الاقتصادية
يجب أن يتساءل الفرد منا من حقيقة وجود جدوى اقتصادية من الاستثمار أو على الأقل الاستمرار بالاستثمار في سوق الأسهم. فهل هناك حقيقة أرباح محققة تقابل الضغط النفسي وحرقة الأعصاب التي نعانيها؟ وماذا عن الساعات الطويلة التي يقضيها كثير جداً من المتداولين أمام شاشات التداول في البنوك وعدد من الساعات لمتابعة المنتديات والبرامج الاقتصادية في القنوات الفضائية التي تفرغ كثير منها ساعات على تحاليل سلوكيات سوق الأسهم السعودية.
اعتقد ان احدى الاجابات السريعة التي يمكن التوصل لها أن الأرباح، في حال ما وجدت، في سوق الأسهم حالياً لم تعد كما بالسابق. فطفرة أعوام 2003و 2004و 2005الميلادية يبدو انها لن تعود أو انها صعبة التكرار. فالسوق أصبح حساساً جداً للارتدادات. وأصبح عامل الاشاعة سلبياً للارتداد عكس ما كان عليه في الأعوام المذكورة حيث كانت الإشاعة عاملا لارتفاع السعر. وقد أصبحت الاشاعة أداة مهمة لدى كبار المضاربين لإخافة السوق والتجميع وخاصة في منتديات الانترنت. حتى اصبحت بعض الاشاعات السلبية سمجة لحد كبير. ومنها إشاعة أن السوق سيتدهور مع تداولات سهم إعمار. ولا نعرف ما هو المبرر الاقتصادي المنطقي من تراجع أسعار الأسهم مع تداولات "إعمار" فمما نعرف أن أي شخص يبيع ما خصص له من اسهم إعمار فإنه سيتجه لشراء أسهم أخرى بالسوق. أي ان السيولة سوف تتداور بالسوق ولن تخرج منه وبالتالي لن يكون هناك نقص بالسيولة من تداولات إعمار.
المروجون الذين نقرأ لهم بالمنتديات والذين يروجون منذ فترة ان سوق الأسهم سيشهد تراجعاً كبيراً بالأسعار إنما هم يروجون ذلك حتى يتفاعل معهم بعض صغار المتداولين ليبيعوا اسهمهم للكبار الذين سيبدأون في دورة ربح جديدة.
ان كثيرا مما يحصل في سوق الأسهم الحالية ما هو إلا تمثيليات وسيناريوهات مكررة من طلوع ونزول في طاحونة تسحق وتمتص الصغار لتزداد ثروات الكبار وتنتفخ محافظهم. ولا يبدو للصغار فرص كبيرة لتحقيق أرباح معتبرة بالسوق. وبالتالي فاعتقد انه حالياً فإن الجدوى الاقتصادية بالسوق لا تبدو كبيرة وقد يكون مناسباً أن يحاول كل متداول تنويع محفظته الاستثمارية لما لا يزيد عن النصف فقط، على سبيل المثال، في سوق الأسهم ويبحث عن فرص استثمارية مساندة. ولعل من المناسب لبعض الجهات الحكومية المسؤولة عن الاقتصاد ان تعين المواطنين في فتح قنوات استثمارية بديلة عن الأسهم.