بحث



الجمعه 12 شوال 1427هـ - 3نوفمبر 2006م - العدد 14011

عودة الى تاريخ وحضارة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


إطلالة على الحالة العلمية والأدبية في جازان

جبران بن سليمان بن جابر سحاري
    إن من يطالع كثيراً في (تاريخ جازان) المسمى قديماً "المخلاف السليماني" وخصوصاً (تاريخ الأدب) يجد نهضة أدبية كبري في عقود متتالية، غفل عنها الكثير من الناس، وقصر الكتاب في تناولها بالبحث والدراسة، فلم تعط حقها مع وجود الكثير من المهتمين والباحثين في الأدب العربي، وأنا سأتناولها بشيء من الايجاز حسب المقام وبالله التوفيق.

أولاً: عليك أن تعلم أن التراث هناك لم يحظ بعناية تليق به إلى درجة وجود مخطوطات كثيرة لم تحقق ولم تطبع إلى يومك هذا مع سهولتها واختصارها وحاجة الناس إليها وتوفرها في أيدي أبناء المنطقة ومن أوائل ما طبع، وخرج إلى النور في جازان كتاب (هدية الزمن في اخبار ملوك لحج وعدن) للشيخ أحمد بن فضل بن علي العبدلي، كما في فهرسة مراجع الأستاذ علي بن حسين الصميلي.

وبعد ذلك تأخرت الطباعة إلى حدود سنة 1388ه وكتاب العبدلي طبع في القاهرة في (المطبعة السلفية) سنة 1351ه، فلم يمض على طباعته ثمانون سنة، وكنا نتوقع أن من الكتب ما حظي بالطباعة والعناية قبل مئة سنة وأكثر، ولكن مع الأسف ظل الكثير من التراث حبيس الأدراج إلي سنوات متأخرة حتى تم افتتاح (نادي جازان الأدبي) فقام بجهود مشكورة في جانب الطباعة وخدمة التراث العلمي في المنطقة، وأقبل الكثير من الباحثين أخيراً على البحث على المخطوطات وتحقيقها في حدود سنة 1395ه.

فرأينا بعد ذلك (نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود) للشيخ عبدالرحمن بن أحمد البهكلي. و(خلاصة العسجد في دولة الشريف محمد بن أحمد) له أيضاً و(الديباج الخسرواني في اخبار أعيان المخلاف السليماني) للحسن بن أحمد المعروف ب (عاكش) و(معجم المدن والقبائل اليمنية) للشيخ إبراهيم بن أحمد المقحفي وغيرها.

وهكذا توالت الطبعات في الآونة الأخيرة، ورأينا بحمد الله الإقبال على نشر تراث المنطقة.

أما النهضة الأدبية فإنها بدأت قبل سنة 1155ه، وظهر الأدباء والشعراء والكتاب، وكان من أشهرهم أديب الجنوب وعلامة (ضمد) الحسن بن علي البهكلي(ت: 1155ه) صاحب (المقامة الضمدية) التي حققها أخيراً عبدالله أبو داهش تحت سلسلة "من تراث علماء جنوبي الجزيرة العربية المخلاف السليماني" فقد استعان بالاستاذ حجاب بن يحيى الحازمي (مدير النادي الأدبي) في العثور على نسخ لمخطوطة وقام بتحقيقها وطباعتها سنة 1402ه وموضوع هذه المقامة: أن أديب الجنوب أجرى أحداثها حول كرمة مر بها في نزهة من نزهة الريفية، وعالج فيها بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية، حيث صور حياة الناس وما كانوا عليه في مجتمعهم من مظاهر الحياة المختلفة وأشار إلى أمراء المخلاف السليماني في تلك المرحلة التاريخية بقوله: "أم اردت سكون الأطراف، تبعاً لبعض الأشراف" وكرر ذكرهم مراراً كما في قوله: "رفقة شرائف" وقوله: "في بعض حدائق الأشراف".. الخ.

وأشار أيضاً إلى بعض عناصر البيئة الطبيعية في تهامة مثل قوله: "سيل يملأ الشعاب والبطاح" و"البشام" "الأثل والآراك، وزرع الذرة وغرائس التنباك"... الخ.

ونلحظ في المقامة الحوار الذي صاغة بأسلوبه فأضفى على المقامة المتع الأدبية، وتجسيد المعنويات في صور المحسوسات كالكرمة والسيل وغيرهما، ونجد في المقامة كثرة المحسنات البديعية والتضمين والاقتباس ونحو ذلك.

ونجد جزالة الألفاظ، وحسن الأسلوب، وترابط الجمل والعبارات والقدرة على التعبير والتصوير، وترى أسلوب القرآن جلياً عنده كقوله "أعجاز الشجر" وقوله: "فاعتصموا منه بجبل عال" والاقتباس: (فكأنما أحيا الناس جميعاً). وأول المقامة كأنه يحكي قصة واقعية حيث قال: "خرجنا نحن وبعض الأخوان إلى أرض ضحية من أعمال هجرة ضمد فوجدنا في بعض مسائله كرمة مورقة، وبلهب شمس القيظ محرفة، فاشتاق لسان الحال بهذه المقامة، وهي على جمود قريحة قائلها علامة وأي علامة؟".. الخ.

قلت: وفي عبارته الأخيرة التواضع الجم، وإلا فهو أديب الجنوب - كما تقدم - وليس بذي قريحة جامدة. ثم يواصل قائلاً: "ومن عجائب الاتفاق، ونوادر الغرائب الحلوة المذاق، أن ضمتنا بعض النزه مع بعض الرفاق بأرض ندية، من رياض الهجرة الضمدة إذ مررنا بكرمة في بعض تلك الجنان، ناحلة الجسم ذاوية الأغصان" ثم ذكر القصة بتمامها، و(ضمد) بفتح الميم مدينة في المخلاف السليماني يكثر فيها (البهاكلة) وهي عائلة مشهورة، وضمد الآن على طريق جازان للقادم من نجد، وفيها الكثير من العلماء والقضاة و(الكرمة) هي شجرة العنب.

فهذه المقامة دليل واضح على بداية النهضة الأدبية في ذلك الوقت وهي نموذج يسير.

ومن مؤلفات البهكلي غير هذه المقامة (التاريح المنظوم) نظم تاريخ زمانه، وكان شاعراً بارعاً فمن أجمل شعره قوله:

خليلي كم أخفي هوى لا أطيقه

وأكتم حر البين بين ضلوعي

وحبكما فيما تجن جوانحي

من الوجد أو مما تفيض دموعي

ومن القصائد في ذلك العصر القصيدة الزهدية المشهورة في قيام الليل للشيخ العلامة أحمد بن عبدالقادر الحفظي رحمه الله المتوفي سنة (1133ه) كما قال الزركلي في (الأعلام) واسم هذه القصيدة العصماء: (النفحة القدسية والتحفة الأنسية) وقد حققها أخيراً وعني بها الزميل علي بن محمد العمران وبذل جهداً مشكوراً في ضبطها وتصحيحها، ومطلعها قوله:

فتح نظمي ومقالي

حمد بر العالمينا

وصلاة الله تالي

تبلغ الهادي الأمينا

وعلى صحب وآل

وجميع التابعينا

ما بدا نور الوصال

في وجوه الساجدينا

فاز من قام الليالي

بصلاة الخاشعينا

وقد كرر هذا البيت عدة مرات، لأن معناه مقصود، وهو التأكيد على أهمية قيام الليل، ثم قال بعد ذلك:

أيها الناس استجيبوا

إن دعيتم للحياة

واستقيموا وانيبوا

قبل تعجيل الممات

وهذه القصيدة المفيدة جداً، وممتعة وسهلة سلسة. ومن مؤلفات الشيخ الحفظي غيرها وهي ما تزال مخطوطة مع الأسف: (الأزهار الفائحة في أسرار الفاتحة) و(ضياء الشمعة في شرح خصوصيات الجمعة) و(حل العوقة عن أهالي دوقة) و(عقد الجواهر: (500) بيت) و(المبسوطات (600) بيت) وغيرها.

ومن أدباء جازان وعلمائها الشيخ حافظ بن أحمد بن علي الحكمي الذي ولد بقرية السلام التابعة لمدينة المضايا جنوبي جازان ورعى الغنم ثم قرأ القرآن وبدأ طلب العلم في السادسة عشرة من عمره فظهر فضله وصنف كتباً كثيرة أكثرها نظم متين لأمهات العلوم فمنها: الجوهرة الفريدة في تحقيق العقيدة واللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون وسلم الوصول إلى علم الأصول والمنظومة الميمية في الوصايا والآداب العلمية والمنظومة القاتية وغيرها من المنظومات.

توفي عام 1377ه ولأحمد مدخلي كتاب عنه بعنوان (الشيخ حافظ الحكمي).

ومن الشعراء المجيدين الشاعر الكبير محمد بن علي السنوسي من شعراء تهامة (على البحر الأحمر في جنوب المملكة) ولد بمكة وسكن (جازان) وتوفي بها سنة 1363ه، وكان مولده سنة 1315ه، وكان من المشتغلين بالأدب والقضاء، قالت مجلة المنهل: "هو الذي نفخ في صور الأدب الحديث في جازان عاصمة الجنوب" وفي كتاب "شعراء الجنوب" نماذج من نظمه أكثرها مديح وإطراء للقائمين بالاصلاح في تلك البلاد.

وهذا الشاعر هو غير (محمد السنوسي) الآخر الآتي ذكره كذلك من الشعراء الشاعر محمد بن علي السنوسي الذي ولد في (جازان) سة 1342ه، وتوفي بها سنة 1407ه وهو شاعر مطبوع، بدأ نظم الشعر وعمره ستة عشر عاماً ويمتاز بجودة شعره وحسن الصياغة ورقة الأحاسيس لقب ب "شاعر الجنوب" وصدرت له مجموعة من الدواوين منها: (القلائد) و(الأغاريد) و(الينابيع) و(نفحات من الجنوب) وقد قام (نادي جازان الأدبي) بطباعة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر سنة 1403ه فهما شاعران متشابهان في الاسم، ولذلك ذكرتهما في مكان واحد للتفريق بينهما.

وهذا الشاعر من أجمل شعره وأشهره قصيدة (أذان الفجر) وقد ذكرتها في كتابي (نيل الأرب من أجمل قصائد العرب) يقول في مطلعها:

ارتفاع الأذان فوق المآذن

في انبلاج الصباح والليل ساكن

دعوة تحمل الحياة إلى الكو

ن وسكانه قرى ومدائن

وانطلاق إلى الفلاح الخي

ر إلى الحق والهدى والمحاسن

كلما ردد المؤذن لفظاً

شعشع النور وانجلى كل غاين

تتندى به النفوس وترتا

ح ارتياح الربى بقطر الهواتن

إلى آخر القصيدة وهي جد جميلة، حيث سمع الشاعر في أذان الفجر دعوة تهيب بالناس والحياة أن يستقبلوا يومهم الجديد بعبادة الباري تبارك وتعالى الذي جعل الليل لباسا وجعل النهار معاشاً، يسمع أذان الفجر فيبصر مع كل نغمة من نغمات المؤذن موجة من أمواج نور الصباح الجديد، ويحس فيه جمال النسمات العطرة (تتندى بها النفوس وترتاح) فتبادر إلى ترديد لفظ الأذان مع المؤذن، وهي ترفع مع الشاعر الدعاء إلى الله بأن يظل هذا النداء خالداً خلود الوجود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

والحديث عن الأدب في جازان تطول ذيوله، ويحتاج إلى رسالة علمية تتحدث عنه، وإنما هذه نبذة يسيرة، وإلماحة سريعة عنه تتناول بعض نماذجه وتعرج وعليها، ولعل الله أن ييسر في ذلك تصنيفاً يليق بأدباء المنطقة وبالله التوفيق.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى تاريخ وحضارة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية