بحث



الجمعه 12 شوال 1427هـ - 3نوفمبر 2006م - العدد 14011

عودة الى آثار

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ندوة الدراسات العربية في عامها السابع والثلاثين

أ.د. سعد بن عبدالعزيز الراشد
    عندما قدر لي الحصول على فرصة الابتعاث لإكمال دراستي العليا في المملكة المتحدة (بريطانيا) كان من حظي أن تكون الدراسة في جامعة ليدز البريطانية مع بداية عام 1971-1972م) وكان قسم الدراسات السامية من أشهر الأقسام في بريطانيا، وسبقني في الدراسة في هذا القسم أساتذة أعلام منهم الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري والأستاذ الدكتور أحمد بن محمد الضبيب والأستاذ الدكتور محمد بن سعيد الشعفي. ومن ثم ازداد عدد الدارسين السعوديين في هذا القسم. ومن محاسن الصدف أن ابدأ بدراسة اللغة الإنجليزية في مدينة كمبردج المشهورة بآثارها المعمارية وجامعتها العريقة. ثم تمكنت من الدراسة في جامعة لندن بمدرسة الدراسات الآسيوية والإفريقية (SOAS). وفي تلك السنوات المبكرة من دراستي العليا كانت الفرصة متاحة للالتقاء العلمي بالأساتذة المشهورين في الدراسات الآثارية واللغوية، وخاصة أولئك العلماء الذين وجهوا دراساتهم للجزيرة العربية. وفي تلك الفترة كانت البدايات الأولى لتنظيم ندوة الدراسات العربية التي كانت تعقد بالتناوب بين جامعات لندن وكمبردج وأكسفورد ووجدت متعة علمية حقيقية للمداومة على الحضور والمشاركة والالتقاء بأولئك المشهورين من العلماء الذين يأتون من الجامعات والمعاهد البريطانية والألمانية والبلجيكية والفرنسية والإيطالية والأمريكية. وضع المنظمون لهذه الندوة توقيتاً ثابتاً في صيف كل عام (يوليو، أغسطس) والبحوث التي تقدم في هذه الندوة محددة في آثار الجزيرة العربية الثابتة والمنقولة من كتابات ونقوش ومسكوكات ولهجات ووثائق. وتخضع هذه البحوث بعد إلقائها للمراجعة ومن ثم تصدر في نشرة سنوية شاملة بالأبحاث والتعليقات والأخبار ونحوها. غالبية المشاركين في هذا المؤتمر السنوي هم من العلماء الدارسين والباحثين الغربيين وذلك بسبب أسبقيتهم في النشاط البحثي في آثار جزيرة العرب وتاريخها وحضارتها وارتباطهم بمعاهد وجامعات ومؤسسات متخصصة لها رؤية ومسؤولية واضحة. ومع ذلك فلا تخلو الندوة من الحضور العربي من المملكة العربية السعودية واليمن، وعندما أقول الحضور فلا أعني أن التمثيل بالدول ولكن بالتخصصي العلمي في هذا المجال. ومن المشهورين من العرب بالمداومة على المشاركة في هذه الندوة أذكر البروفسور الدكتور محمود الغول (رحمه الله) والأستاذ الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه (رحمه الله) والأستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصار (أستاذ الآثار المعروف في المملكة العربية السعودية والأستاذ الدكتور يوسف محمد عبدالله (أستاذ الآثار في اليمن) والأستاذ الدكتور معاوية إبراهيم (الأردن). ولازالت البقية الباقية من العلماء الأعلام يداومون على حضور هذه الندوة بالرغم من تقاعدهم الوظيفي وسبب تواصلهم مع الندوة أن علماء الآثار المجدين لايتقاعدون. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود على ولادة هذا اللقاء العلمي السنوي، فقد ظهر جيل جديد من الآثاريين الذين تتلمذوا على أيدي أساتذتهم الكبار، في العمل الميداني والبحثي. وشهدت هذه الندوة مرحلة انتقالية جديدة، فقد أعيد تشكيل اللجنة الإشرافية لإدارة أعمال الندوة. وبعد تطوير المتحف البريطاني (مع بداية الألفية الثالثة) أصبحت الندوة تعقد في رحاب المتحف لتوفير المكان الفسيح والخدمات المتطورة والقاعات المزودة بوسائل الإيضاح المتطورة والمعارض والمبيعات، بالإضافة أن من يحضر هذه الندوة يجددون العهد مع العروض المتحفية في القاعات المتعددة التي يصل عدد القطع المعروضة في المتحف مايربو على (8000.000) قطعة. هذا العام يوافق انعقاد الندوة السابعة والثلاثين، أي مر عليها سبع وثلاثون سنة وهي تعقد بانضباط في الوقت المحدد لها كل عام. يبدأ التحضير بالإعلان عنها وقبول ملخصات البحوث ثم في ترتيب الأوراق حسب المواضيع والمحاور والجلسات. تبدأ الندوة بهدوء وتنتهي بهدوء ويحدد للمشاركين بأوراق عشرون دقيقة متبوعاً بمدة عشر دقائق للمناقشة والأسئلة، يركز المتحدث بشكل مباشر على الموضوع وتركز المناقشة على نقاط محددة ويتقبل المتحدث الآراء بمسؤولية، وتطرح المداخلات بعلمية. تقوم اللجنة المنظمة بالإعلان عبر موقع الندوة الإلكتروني عن الموعد وتوجه الدعوة للراغبين في المشاركة بالتواريخ المحددة لتزويدها بملخصات البحوث وتقترح لمن يرغب من المشاركين عدداً من الفنادق القريبة من المتحف البريطاني بقيمة محددة. وتطلب اللجنة المنظمة رسوم اشتراك في الندوة وتمنح تخفيضا للطلاب، ويصاحب الندوة معرض لمطبوعاتها، وعروض مبسطة عن نتائج الحفائز الأثرية في ردهات قاعة الندوة. وتستقبل اللجنة المنظمة الرعاية إذا توفرت من الداعمين للدراسات الأثرية ولكنها تتم تحت نظر المتحف البريطاني. معظم الحاضرين للندوة من خارج بريطانيا أو حتى من داخلها يأتون على نفقتهم الخاصة أو عن طريق منح من الجامعات أو المتاحف التي ينتمون إليها. بلغ عدد البحوث في ندوة هذا العام تسعة وثلاثين بحثاً موزعة على ثماني جلسات. وشملت المحاور التالية:

1- العصر الباليوليثيكي والفترة المبكرة لما قبل التاريخ في الجزيرة العربية.

2- الألف الثالث إلى الألف الأول قبل الميلاد في جنوب شرق الجزيرة العربية.

3- الموت وتقاليد الدفن في العصور القديمة.

4- العصور التاريخية المبكرة في الجزيرة العربية.

5- العمارة والنقوش القديمة في الجزيرة العربية.

6- الجزيرة العربية في العصور القديمة.

7- البيئة والمنتجات التجارية في العصور الوسطى للجزيرة العربية.

8- العمارة المحلية والدراسات الأثنوجرافية.

بدأت الندوة في صباح يوم الخميس 27يوليو بكلمة ترحيبية قصيرة جدا من رئيس قسم الشرق الأدنى القديم بالمتحف البريطاني جون كيرتس (JOHN CURTIS) وانتهت بعد ظهر يوم السبت بكلمة قصيرة من رئيسة القسم الإسلامي بالمتحف الدكتورة فينشيا بورتار (PORTER VENICIA).

الحضور السعودي للندوة هذا العام لا بأس به. قدم الأستاذ الدكتور أحمد عمر الزيلعي عضو هيئة التدريس بقسم الآثار والمتاحف بكلية السياحة والآثار (عضو مجلس الإدارة للهيئة العليا للسياحة) بحثا اشتمل على "رؤية جديدة عن دولة بني مهدي: الأسرة الإمامية التي حكمت اليمن في القرن الرابع الهجري" بناء على مسكوكات إسلامية مكتشفة حديثا.

وقدم الدكتور مشاري النعيم عضو هيئة التدريس بجامعة الملك فيصل ورقة عن: "عمارة المباني التقليدية في المملكة العربية السعودية".

وقدمت ورقتان مهمتان آثار المملكة ضمن التعاون العلمي المشترك: الأولي عن:

"عصور ما قبل التاريخ المبكرة في جزائر فرسان وجنوب البحر الأحمر" في إطار التعاون مع جامعة يورك ألقاها البروفسور جف بيلي (Bailey Geoff).

والورقة الثانية ألقاها الدكتور أرنو لف هوسليتر (Arnulf Hausleiter) من معهد الآثار الألماني. عن "منحوتات جديدة مكتشفة من تيماء"

جاءت أوراق الندوة لهذا العام في معظمها يتصف بالجدة والابتكار والعمق مبنية على جهود علمية ميدانية متواصلة في مواقع آثارية وتاريخية وحضارية متعددة في الجزيرة العربية، ومعظمها عن الآثار اليمنية والعمانية والإمارات العربية المتحدة. مالفت نظري في هذه الندوة وسابقتها في العامين الماضية تزايد عدد العناصر الشابة من ذكور وإناث، لهم قدرات عالية في التعامل مع آثار الجزيرة العربية من عمارة وفنون وكتابات ومسكوكات، ومواضيع أخرى عديدة أظهرتها أعمال الحفائر الأثرية. ومما زاد من إعجابي في العناصرالشابة أو من العلماء البارزين هو استخدام التقنية الحديثة في التصوير والرسم والتحليل للآثار المكتشفة أو استخدام التقنية في إعادة دراسات سابقة والخروج بمعلومات ونتائج جديدة. ومن الأمور التي لابد أن ننظر إليها بارتياح لبعض البعثات الغربية التي تقوم بأبحاث علمية في المواقع الأثرية هو تعاملهم باحترام وتقدير للآثار والحرص الشديد على ترميمها وإبرازها للدارسين والباحثين بالرغم من العقبات التي تواجههم في كثير من الأحيان. ومن الشواهد على ذلك وهي كثيرة جدا هو أسلوب التعامل مع أطول نقش عربي مكتشف في صرواح باليمن الذي عثر عليه منقوشا على حجر مستطيل يبلغ وزنه أكثر من طن اكتشفته بعثة معهد الآثار الألماني ورفعته بعناية من موقع سقوطه نتيجة زلزال أصاب الموقع قبل قرون عديدة قبل الإسلام، وأعادته إلى موضع بنائه الأصلي بعد ترميم المبنى الذي كان الحجر مثبتا عليه.

طافت بنا الأوراق المقدمة على مواقع ومعالم أثرية وتاريخية عديدة في جزيرة العرب من آيلة على خليج العقبة (الأردن) وتيماء وجزائر فرسان والهفوف (المملكة العربية السعودية) إلى مأرب وصرواح وسوقطرة (اليمن) والبليد وصحار (عمان) وأم الزمول والدور وكش في (الإمارات العربية المتحدة). ومما يسر ويبعث الأمل هو حضور عدد من المختصين في الآثار من أبناء الجزيرة العربية، البعض منهم مشاركا ببحث والبعض الآخر مستمعاً ومناقشاً، والرغبة في الاستفادة من خبرات العلماء في مجال البحوث العلمية والميدانية وكيفية التعامل مع الآثار. وإذا كان طموحنا أن يكون مستوى الحضور أبعد من المشاركة فقط، بتقديم البحوث العملية من المؤسسات المختصة ومن الدعم والتشجيع الذي يمنحه الأفراد والقطاع الحكومي والأهلي. ولابد من تشجيع الباحثين الجادين لتمكينهم من حضور مثل هذه الندوات العلمية المتخصصة في الآثار والتاريخ والحضارة. فالسفر مكلف والسكن والإقامة تحتاج إلى مصاريف. فالإنفاق على أبنائنا وزملائنا المختصين في الآثار والمتاحف من أقطار الجزيرة العربية سيكون له فائدة علمية كبيرة تنعكس على الرقي بالبحث العلمي.

فالآثار والتراث هي مصدر تاريخنا ونتائج الأعمال الأثرية تعد ثروة ثقافية وعلمية وإثراء للمتاحف التي أصبحت في عصرنا الحاضر أهم مركز للتعلم والإطلاع على التراث الأمة بالإضافة لكون المتاحف أهم العناصر الجاذبة للسياحة الثقافية وتشكل موردا للاقتصاد.

أنا أعلم تماما أن هناك معوقات كثيرة تحول دون حضور المختصين في الآثار والمتاحف لمثل هذه الندوات بعضها إداري من داخل المؤسسات المختصة وبعضها بيروقراطي مع بطء في الحصول على الموافقات الرسمية لمن يقع عليهم الاختيار للمشاركة في المؤتمرات الخارجية وأحياناً تصدر الموافقات في وقت متأخر أو بعد بداية الندوة أو المؤتمر والحالات كثيرة بهذا الخصوص. لقد نجحت وكالة الآثار والمتاحف قبل عدة سنوات - وفي ضوء التوجيهات السامية - بوضع ضوابط للتعاون العلمي المشترك مع البعثات العلمية الخارجية لتنفيذ أعمال المسوحات والتنقيبات الأثرية في عدد من المناطق في المملكة وتضمنت شروط التعاون مشاركة المختصين السعوديين - وهؤلاء في الواقع - من وكالة الآثار والمتاحف ومن جامعة الملك سعود (قسم الآثار والمتاحف) ولكن مما يؤسف له أن هناك من يضع العراقيل في سبيل نجاح هذا التعاون من المسؤولين من الجهات المعنية في المؤسستين - لحاجة في نفس يعقوب - وبسبب الفهم القاصر والخاطئ.

إن المملكة تشهد اليوم مرحلة جديدة للنهوض بآثارها وتراثها وتاريخها الحضاري بدءا بالمتحف الوطني - بمركز الملك عبدالعزيز التاريخي - هذا المتحف الذي يضم نتائج جهود طويلة قامت بها وكالة الآثار والمتاحف على مدى ثلاثة عقود وكنا نتوقع أن يكون المتحف بأسلوبه المعماري وعروضه البديعة انطلاقة لحقبة جديدة في العمل الأثري الشامل.

وفي الإطار نفسه تم تحويل "قسم الآثار والمتاحف" بجامعة الملك سعود إلى "كلية للسياحة والآثار"، وصدر قبل ثلاث سنوات قرار المقام السامي بضم وكالة الآثار للهيئة العليا للسياحة. ونأمل أن نرى انفراجا لتمكين وكالة الآثار والمتاحف من ممارسة نشاطها الذي أسست من أجله ومنح منسوبيها الفرصة للتطور العلمي والفني على الصعيد المحلي والخارجي والوضع نفسه يجب أن يكون بالنسبة لقسم الآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود. إننا نتطلع إلى دعم ومؤازرة لهاتين الجهتين ورفع المعاناة عنهما وإلا فما المعنى ونحن نشهد هذه النقلة النوعية للآثار في بلادنا أن تعاد طلبات المشاركات في المؤتمرات والندوات العلمية بعدم الموافقة وتمييع الطلبات حتى توشك مواعيد المناسبات على الانتهاء وان حظيت بالموافقات فإما أن تأتي بالشرح من صاحب الصلاحية "يكتفى بواحد" وفي حالات كثيرة تصل الموافقات من أعلى سلطة بعد انتهاء مدة المؤتمر أو الندوة.

إن التعامل مع الآثار لايمكن أن يتم بمعزل عن الهيئات والمؤسسات العلمية والبحثية الخارجية ولايمكن أن تتطور بدون التواصل العلمي لكسب الخبرة وتلاقح الأفكار وتبادل المعرفة وهي الوسيلة الأمثل لإيصال القيمة الحقيقية لتراثنا الأصيلة إلى العالم وهذا ما نأمله والله الموفق.

(salrashid@yahoo.com)

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

بارك الله فيك


عرض رايع ومفيد وغني بالمعلومات، توجهات مشرقة لخدمة التراث العربي، ويا اخ سعد قد وضعت يدك على الوتر الحساس فيما يتعلق بوكالة الاثار وقسم الاثار فهناك عقبات كبيرة امام الباحثين لايمكن ان تزول الا بتضافر الرجال امثالكم وفق الله الجميع


abu ali
ابلاغ
09:46 صباحاً 2006/11/03


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى آثار

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية