في عصر (الكلمة) واستخدام العالم للإعلام كأقوى سلاح
أما آن الأوان للتربية والتعليم أن تطلق قناة تربوية؟!!
كتب - هلال الحارثي.
طالب عدد من خبراء ورجالات التربية والتعليم الجهات المختصة والمتمثلة في وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة والإعلام بإطلاق قناة فضائية تربوية وأكدوا أن التحديات المعاصرة تفرض ذلك وتستدعي العمل على تدشين قناة بهذا الخصوص سيما أن العالم بأسره يمر بمنعطف خطير إذ إن الإعلام بات يشكل مساحة كبيرة ويشغل حيزا كبيرا في كافة الأصعدة السياسية والثقافية والاقتصادية والتربوية والتعليمية وغيرها، وقالوا: إن هناك دورا ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام تجاه التربية والتعليم من خلال التعريف والتنوير ولعب دورا أساسيا في تنمية التفكير لدى أبناء وبنات ورجال ونساء التربية والتعليم ، سيما بعد أن شهدت وسائل الإعلام المختلفة تطورا مذهلا صاحبها اهتمام كبير من قبل المجتمع بكافة فئاته وفرض ذلك تحديا على الساحة، حتى أن وسائل الإعلام باتت تلعب دورا أكبر في العلاقات بين الدول ، إذ تطور الإعلام في العقود الأخيرة إلى درجة لا يمكن استثناؤه في شتى مجالات الحياة، ويحتل التلفزيون المرتبة الأولى من حيث الاستعمال الإعلامي لانتشاره الواسع بين كل فئات المجتمع، فلا تجد بيتا في المدينة أو البادية إلا وجهاز التلفزيون يأخذ مكانه بين أفراد الأسرة الواحدة حتى أصبحت كلمته مسموعة وتأثيره بالسلب أو بالإيجاب على الأطفال ملموس ومن ثم ذهب بعضهم إلى تسميته ب ( الأب الثالث ) بعد الأبوين الحقيقيين (الأب والأم) ، ذلك لما يتمتع به من دور في توجيه سلوك الأطفال بصفة خاصة.. واعتبارا لمكانته المهيمنة في الوسط لاجتماعي، وتأثيره التربوي على الناشئة، وبات من الضروري اخضاع التلفزيون إلى السياسة التربوية بما يتلاءم وعملية التنشئة الاجتماعية، لكن المؤسسات الإعلامية المرئية سواء الرسمية أو المستقلة تحتج بذرائع الماديات والسياسية التي تحول دون الوصول إلى هذا المبتغى، فقنوات التلفزيون لا يمكنها الاقتصار على استهداف الأطفال حتى تفقد عددا كبيرا من مشاهديها لتمرير وصلاتها الإشهارية التي بها تدعم ماديا سير واستمرار بث برامجها. وكما هو معلوم يكون إقبال من يود الإشهار على القنوات التي لها جمهور واسع من المشاهدين.. أما من الجانب السياسي فالتوجهات النظامية للبلاد والسياسة الإعلامية هي التي تتحكم عموما في مسار البث التلفزيوني.
في البداية يقول الدكتور فوزي أحمد: في ظل انعدام التلفزة التربوية الهادفة والتي تستهدف الأطفال وتحاكي عالمهم وحياتهم الخاصة وموازاة مع ما تهدف إليه المنظومة التربوية في تكوين الإنسان الصالح، ولم يبق أمام الآباء إلا المحافظة على أبنائهم أصحاء بدنيا ونفسيا بترشيد علاقة أبنائهم بالتلفزيون.. لكن الإشكال المطروح في مدى استيعاب الآباء لدورهم التربوي إزاء هذه العلاقة الحميمية بين الأبناء والتلفاز، فغالبا ما يتخذ هذا الدور منحى سلبياً إما بترك الأبناء عرضة لالتهام جل البرامج الغث منها والسمين، معتبرين التلفاز مجرد جهاز للتسلية، فلا بأس أن يقضي الطفل أمامه أوقاته بدل الخروج إلى الشارع والاختفاء عن أنظارهم دون معرفة ما يقوم به، زيادة على ذلك يتخلص الآباء من ضجيج الأبناء ويجدون الراحة في البيت عندما يكون هؤلاء بدون حراك أمام الجهاز، وهناك أيضا من يحرم الأبناء من التلفزيون كلية بالتخلص منه في البيت اعتقادا منه بهذا الإجراء سيتفادى كل ما من شأنه أن يؤدي بهم إلى الانحراف. إذن كيف يمكن ترشيد استخدام التلفاز بطريقة معقلنة بعيدا عن حرمان الأطفال من مزاياه الثقافية والترفيهية، وبعيدا عن كل إسراف في الاستعمال لا تحكمه ضوابط قد يضر بحياة الأطفال الدراسية وبصحتهم النفسية والبدنية؟
كما يظهر التأثير الهائل للفيديو والتلفزيون على الأطفال بشكل واضح عندما يتم إدخال الجهازين أو أحدهما إلى البيت بعد نشوء الأطفال ووعيهم، إذ يبدو ذلك جليًا في تبدل تكوينهم الشخصي والنفسي . ويستطيع المراقب إدراك ذلك من خلال نشوء اهتمامات جديدة لدى الأبناء وأنماط من السلوك تحاكي سلوك الممثلين أو الشخصيات الخرافية الوهمية، أما أولئك الأطفال الذين يولدون والتلفزيون في بيوتهم فإنه يغدو بعد حين أهم موجه لتفكيرهم وسلوكهم وذوقهم واهتماماتهم، وقد لا يلاحظ ذلك كثير من الآباء والأمهات، وخاصة أولئك الذين لا يهمهم أين تسير السفينة؟ ومن يوجه الدفة؟
إن تأثير الإعلام على الأطفال تأثير ثابت، ولا ينبغي للمسؤولين أن يقللوا من خطره، أو يهونوا من أمره، ولاشك في أن طريقة معالجة التلفزيون للتراث الثقافي العالمي نفسه، وخاصة أسلوب استخدام الكاميرا حيث يجعل التلفزيون مصنعاً للخوف والرعب بالنسبة للموضوعات العنيفة، وعندما يخلط الأطفال بين الواقع والخيال، ويتعرضون للتأثير الضار باستمرار، ويرون المجرم بطلاً خفيف الظل، والقانون لا ينتصر إلا في النهاية، ورجل الشرطة موضع تهكم وسخرية ، والقاضي إنسانًا مترددًا ومضحكاً، فإن احتمال عدم التأثير بذلك كله أمر جد عسير، وقد يكون صحيحًا أن تأثير التلفزيون والفيديو على الأطفال الأصحاء يختلف في شدته ونوعيته عن تأثيره على الأطفال الذين لا يحسون بالأمر، ولكن لابد أن يكون التلفزيون مؤثرًا على كلا النوعين .
وتمنى الأستاذ عبد الله بن رده الحارثي وكيل المدرسة السعودية في الرباط ومدير مركز الإشراف التربوي بحداد بني مالك بمحافظة الطائف -سابقا- على وزارة التربية والتعليم أن تتبنى بالتنسيق مع وزارة الثقافة والإعلام افتتاح قناة تربوية تعليمية متخصصة في أقرب وقت لما لهذه القناة من أهمية وحاجه فرضتها متطلبات العصر التكنولوجية والإعلامية والثقافية والاجتماعية؛ كما أن انتشار القنوات الفضائية في العالم مؤخرا يشكل خطرا اجتماعيا وتربويا على المجتمعات سيما ما تبثه هذه القنوات من برامج خطيرة، إلا أن وجود مثل هذه القناة التربوية سيسهم في وضع بدائل مفيدة وهادفة للمجتمعات العربية بشكل عام والمجتمع السعودي بشكل خاص، وبذلك تتيح الفرصة للطلبة وللأسر باختيار البدائل المفيدة والأفضل بين القنوات الفضائية المختلفة. كما أن وجودها يجعلنا نواكب المستجدات العالمية الحديثة ولا نعمل بمعزل عنها و قد تكون رافداً من روافد العلم والمعرفة ومصدراً من مصادر التعلم الفردي وتساعد أيضا في القضاء على الأمية وتقليص دائرتها. ويمكن كذلك الاستفادة منها من قبل طلبة المنازل و الانتساب والإسهام في الحد من انتشار مشكلة الدروس الخصوصية، وقد تستفيد منها المدارس في مراحل التعليم العام من خلال التوقيت لبث برامج تعليمية تربوية مناسبة في وقت معين أثناء اليوم الدراسي أو حتى تسجيلها وعرضها على الطلبة في حصص الانتظار في حالة غياب معلم ما وفي ذلك استثمار للوقت والله الموفق .
ويضيف الأستاذ صالح الخالدي من أكاديمية الملك فهد في برلين: لك أن تتخيل أن دولا أصبح طلاب جامعاتها يتلقون المحاضرات عبر قنوات تربوية مخصصة لهذا الشأن، وأضاف كل المنازل وكل الأسر بحاجة لمثل هذه القناة إذ لا يخلو منزل من طلاب أو طالبات بغض النظر عن مهنة الأبوين، مؤكدا أنها ستسهم في عدد من الأدوار، مثل: محو الأمية، ومساندة المناهج الدراسية، وتقديم مناهج ثقافية عامة، وإقامة جامعات مفتوحة، وتطوير مهارات أصحاب المهن والتخصصات الدقيقة، وتوسيع مدارك الأطفال المعرفية.ومشيراً إلى أن هناك تجارب لقنوات تعليمية في عدد من الدول العربية، فهي تنقل من الفصل مادة المدرس كما هي دون تشويق أو إثارة أو تحفيز، وهي كما هو واضح مساندة لبرامج التقوية للطلاب المنتشرة بين الطلاب، كما أنها ستعمل على القضاء على الدروس الخصوصية سيما إذا فعلت بشكل جيّد وعرضت فيها دروس مفيدة لأساتذة مؤهلين علميا وتربويا وقدمت فيها مادة علمية مقنعة لهم، كما ستعمل على الحفاظ على هوية الأطفال حتى لا يكونوا مادة دسمة لقنوات تعمل على بث السموم الفكرية لديهم سيما في ظل الهيمنة الغربية على القنوات الفضائية، مطالبا بتخصيص صفحات في المطبوعات والصحف باسم التربية والتعليم وإعطاء حيز التربية والتعليم النصيب الأكبر في المادة الإعلامية المقدمة للمجتمع يوميا.
ويقول الأستاذ عدنان صالح الشهري من مدرسة الملك عبد العزيز في روما: يشكو الآباء والمربون من آثار التلفزيون السلبية في علاقة الأطفال بالكتاب والمدرسة، وتبدو نتائج ذلك ظاهرة على معظم الأطفال الذين يتابعون المشاهدة، ومن الملاحظ لدى العاملين أن مما يؤدي إلى التأخر الدراسي، وعدم متابعة المعلم أثناء الشرح سبب كثير منه التعلق ببرامج التلفزيون ، والسهر الطويل في متابعة ما يجري على الشاشة المرتعشة ، إذ وجد أن الأطفال الذين لديهم أجهزة تلفزيون أو فيديو يذهبون للنوم متأخرين عن نظائرهم في السن ممن لا يوجد لديهم، ويبدو أيضاً أن التلفزيون يتداخل مع الواجبات المنزلية التي يكلف بها التلاميذ، حيث يبدو الطفل سلبيًا أمام ما يدور في قاعة الدرس. وأضاف في عام 1977ظهر كتاب بالغ الآثار والأهمية في الأسواق الغربية، ألا وهو الكتاب الوحيد الذي ناقش تجربة التلفزيون ومشاهدته، وبين أهميتها عن محتوى البرامج التي تظهر على شاشته، هذا الكتاب من تأليف (ماري دين) وقد أسمته (المخدر الكهربي) وكان سبباً لضجة كبيرة عند الآباء القلقين، وعلماء النفس والمربين، ولقد أكد الكتاب أن مشاهدة الأطفال التلفزيون تسبب عندهم نوعًا من الإدمان، وأنها تحول جيلاً كاملاً منهم إلى أشخاص يتميزون بالسلبية، وعدم التجاوب، ولا يستطيعون اللعب والابتكار، ولا يستطيعون حتى التفكير بوضوح، فكيف يتسنى لمثل هؤلاء الأطفال استيعاب الدروس وتركيز اهتمامهم فيما يلقى عليهم أو يطلب منهم التفكير فيه إذا كانت معظم أوقاتهم تستنفد أمام الشاشة الصغيرة؟! لذلك أرى لو دشنت قناة تربوية تعليمية تثقيفية لكفت الأبناء والبنات أضرار ذلك ولحملتهم على التعلم والتفكير والبحث والتبصير، وتنتشلهم من أن يصبحوا أسيري برامج إما تسيء لأخلاقهم وتهدمها أو غير مفيدة ويذهب معها الوقت هدرا.
ويضيف الأستاذ محمد جويعد سعيد من المدرسة السعودية في بكين بجمهورية الصين الشعبية قائلا: في تقرير لمنظمة اليونسكو العالمية رقم (33) تبين أن الأطفال في البلاد العربية من سن السادسة إلى سن السادسة عشرة يقضون ما بين اثنتي عشرة ساعة وأربع وعشرين ساعة أمام التلفزيون أسبوعيًا، وأن سن الخامسة حتى السابعة هي الفترة التي يبدي فيها الطفل أقصى اهتمام بمشاهدة التلفزيون، وفي المرحلة التي تسبق هذه الفترة فإن الطفل في سن الثلاث سنوات يقضي 45دقيقة يوميًا أمام التلفزيون، وفي سن أربع سنوات ينفق ساعة ونصف الساعة يوميًا. ولم تزل الدراسات والتقارير العلمية تتوالى في تبيان ما للأجهزة السمعية البصرية من أثر بالغ الضرر فيما يظهر على شاشاتها، ولذلك فإن تقريراً آخر نشر في مجلة اليونسكو عن نتيجة الاستطلاع الياباني عن وسائل الإعلام جاء فيه: إن فيض المعلومات التي تقدمها أجهزة الإعلام يعطل القدرات التأملية الخلاقة لدى الأطفال، وأوضح التقرير أن الأطفال كانوا ضحية لبرامج التلفزيون والمجلات الهزلية. فيما ذكر الأطباء والمدرسون الذين شملهم الاستطلاع أن وسائل الإعلام أشد ضررًا بالأطفال وخاصة البرامج الترفيهية الساقطة والمجلات الهزلية التي ترد إليهم ، وإن حشو مخيلة الطفل، وإشغال فكره بهذه الترهات لا تدع له مجالاً لاستيعاب المعلومات التي يتلقاها في المدرسة، الأمر الذي يؤدي في أغلب الأحيان إلى كراهية الطفل للمدرسة والكتاب لشعوره بقصورهما وعجزهما عن جذبه إليهما كما يجذبه التلفزيون والفيديو، إذ إنهما لا يتطلبان من الطفل مجهودًا ولا حركة، ويحشوان رأسه بالخيالات والأوهام، ويضحكانه ويعلمانه الرقص والغناء، وكيفية إقلاق راحة الآخرين .
كما أكد الأستاذ عبد العزيز السالم من الأكاديمية السعودية بموسكو ومشرف المناهج بوزارة التربية والتعليم - سابقا - أن هذا التعليم قد بدأ في شيكاغو وموسكو في مطلع الستينيات، إلا أنه لم يولد ولادة حقيقية إلا مع الجامعة المفتوحة في بريطانيا سنة 1970، وفي بداية الأمر كان البريد والتليفزيون الوسيلتين الرئيسيتين في التعليم الإلكتروني، أما الآن فقد أخذت شبكة الإنترنت تلعب دورا متزايدا إلى جانب الوسيلتين التقليديتين.
ونستطيع أن نقول: إننا نعيش اليوم عهد الجامعات الإلكترونية العملاقة، وهناك جامعتان تضم كل منهما أكثر من نصف مليون طالب.كما هناك ثلاث جامعات تضم الواحدة منها ربع مليون طالب. وبالمقابل نحن نتحدث في العالم العربي عن الجامعة المفتوحة منذ ما يزيد على ربع قرن، مستشهدا بالجامعة العربية المفتوحة التي بدأت أعمالها بجهود فردية تبناها وقادها مشكورا سمو الأمير طلال بن عبد العزيز. واختتم حديثه قائلا: إن الوقت قد حان لأن تدخل الدولة هذا المجال بحزم وقوة، وسوف يسهل من مهمتها توافر حصيلة ممتازة من الأعمال التمهيدية التي سبقت إنشاء الجامعة العربية المفتوحة.
من جانبه قال الأستاذ وسام محمد أبو عطاف: نحن اليوم نعيش في (عصر الكلمة) والعالم يستخدم الإعلام كأقوى سلاح، وأكد أننا أصبحنا بحاجة ملحة لاستحداث قناة تربوية بحيث يكون جزءا رئيسا من أهداف هذه القناة هو التعليم والتربية التي تضمن للطلاب والطالبات منهجا علميا وتفكيرا حرا يقوم على التحليل والقياس والاستنتاج، وأضاف أؤمن بأن التربية والإعلام وجهان لعملة واحدة واختياران أساسيان متلازمان كان التفكير في توظيف مجال آخر ضمن مجالات التأثير والتكوين أثبت قدرته على تغيير العقول واستنفار النفوس حتى تتواصل وسائل ونوافذ المعرفة لترافق الطلاب والطالبات في الفضاء الرسمي وغير الرسمي فتحافظ على عقولهم وتنمي فطرتهم فتعيش معهم واقعهم وتهيئهم لاستقبال قادمهم دون صدامات ثقافية مع الآخر أو نزاعات نفسية مع الذات، معربا عن أمله في أن الإسراع في تدشين قناة تربوية تعليمية تهدف إلى تكوين جسر للتواصل والتحاور بين أطفال العرب وأطفال العالم، وتعمل على السمو بالطفل نحو الرقي والحياة الأفضل من خلال التربية السليمة ونشر العلوم الحديثة والتنمية الاجتماعية والإنسانية المتوازنة، مشددا على أهمية الشاشة الصغيرة في عصر الفضائيات في مجال نقل العلوم والمعارف وتنمية الحوار بين الأفكار والأجيال والانفتاح على الآخر، وتكون القناة منبرا يسهم في خلق جيل واع مستنير يحوز ثقة الطلاب والطالبات وأولياء أمورهم مع إمكانية الاستفادة منها في المدارس سيما في حصص الانتظار وأوقات فراغ الطلاب وما شابه ذلك.