من طاش.. بسبب طاش..!
من مشكلاتنا الرئيسية، أننا نريد أن ننظر إلى كل شيء في مجتمعنا، وحياتنا، وشارعنا، وعلاقاتنا، وأنماط مجتمعنا، وإلى كل شيء يتعلق بنا، على أنها مثالية لا قصور، ولا عيوب فيها..
بعضنا يجزم بوجود العيب في تكوين ما، لكنه لا يريد أن يتحدث عنه أحد.. ولا أن يعالج ويبحث، مع أنه من النادر أن يعالج عيب مسكوت عنه، وليس لدى الأجهزة المسؤولة وسائل متابعة علمية ترصد بدقة حدوث ذلك العيب فتطارده، وهو أمر غير موجود في أي مجتمع آخر، ولا تملكه أي أجهزة أخرى..
فنمط المثالية غير المعقولة أمر نلاحظ التمسك به.. مع أن الجميع يصطدم دائماً بظواهر الإعوجاج.. وبعض آخر يجزم بعدم وجود أي عيب، فالناس عنده أطهار أنقياء، وأجهزة العمل المتعلقة بالخير، أو السلوك، أو الفضيلة، هي أجهزة مثالية لا يُعلى عليها.. ومن اختلف على هذه الرؤية فهو "ليبرالي" منحرف يعمل ضد دينه وأمته..
هل هذا معقول..؟!
إذن ما مدلول الأخبار التي نسمعها من قبل أجهزة الشرطة.. ومن قبل هيئة الأمر بالمعروف إذا انصفت.. ومن قبل أجهزة مراقبة الحدود.. ومما يحدث في بعض الأسواق.. وما نشاهده بأنفسنا في صالات وفنادق بالخارج..؟!
وماذا يعني لجوء شركة "رز أبوكاس" إلى إصدار إعلان تنفي فيه دعمها مسلسل "طاش ما طاش"..؟! ربما تكون دعمت ثم ندمت، وربما لا تكون أساساً قد دعمت. لكن اللجوء إلى الإعلان يعني أنها حوصرت برفض فئات اجتماعية، تم تأليبها عليها، من قبل متشددين ينظرون إلى الليبرالية - وهي التي تعني انفتاح الوعي في الرأي - تماماً مثل ما كان ينظر لها في العصر العباسي؛ بوصفها زندقة عند بعض من يُراد الإيقاع بهم، فيما عريب الإباحية منتشرة التداول.
ثم يأتي من يكتب وليست له بعض القدرة على الكتابة المقروءة؛ فيغالط كل المعلومات المؤكدة عن مواقع تفريخ الإرهاب، وبث أفكاره، ليقول: إن مواقع في الخارج هي المسؤولة عن ذلك التجهيز؛ ليرى أن طاش ما طاش يسيء إلى المجتمع ويخدم أهداف الخارج..
مفهوم غريب، وتطاول على عقول الناس؛ بل واستخفاف بها..
صحيح أن هناك بعض المبالغات، لكننا جميعاً نعرف أن الأعمال الفنية - وخصوصاً الكوميدية - تلجأ كثيراً إلى المبالغة، ثم لماذا يتوقف نقد طاش ما طاش عند حدود تناوله لموضوعات معينة ليست كاذبة..؟!
ولماذا لم تواجه إعلانات عبدالخالق سعيد، عن عطور أقل من عادية بعد الإفطار مباشرة، وخلال مسلسل طاش ما طاش نفسه، بواسطة أوضاع نسائية لا يليق أن يستعان بها، وفي رمضان بالذات، ومع ذلك لم يعترض أحد..؟
إننا عندما نعتدل، ويجمعنا حزم موضوعي يقر بوجود خلل اجتماعي، وتلغى ظاهرة "التجنيد" المتطرف المحرض ضد كل انفتاح، نستطيع وقتها - وبالتعاون والحرص - تجنيب مجتمعنا سقطات الآخرين، وأيضاً سننجح في كل ما نريد..