بحث



الأربعاء 3شوال 1427هـ - 25أكتوبر 2006م - العدد 14002

نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


نحن وثقافة الميكرفون..

تركي بن عبدالله السديري

تركي بن عبد الله السديري

    يروى أنه في وقت سابق، همس "شوان لاي" - رئيس وزراء الصين - في أذن زعيم عربي ثوري شهير قائلاً: "دعك من ثقافة الميكرفون".. والميكرفون مع بدايات الزعامات الثورية كان استحداثاً جديداً ضاعف من طاقة امتداد صوت الزعيم مئات المرات، حتى تكاد تشك أن أحدهم يكثر الخطبة؛ لانبهاره بهذا الكوز الحديدي الصارخ.. كأن الرجل يتضاعف أمام نفسه عشرات المرات..

وأضاف "شوان لاي": اهتموا بما تحتاجه بلادكم، وليس بما يرضي، أو يغضب أياً من موسكو أو واشنطن..

هذا المنطق كان من الصعب أن يكون مُدركاً، أو مفهوماً في العالم العربي؛ لأن مفهوميته لم تتضح إلا بعد ثلاثين عاماً - على الأقل - حيث أخيراً عندما سقطت الشيوعية كمظلة دولية، فإن بكين لم تضطر إلى إسقاط أي شيء، فقد كانت تأكل، وتلبس، وتصرف المرتبات، وتعمل وفق قدراتها، واحتياجاتها الخاصة، فهي لم تصبح شيوعية كي تكسب موسكو وتغيظ واشنطن؛ بل جعلت الاثنين - بعد نصف قرن - ينبهران من حالات التفوق التي وصلت إليها.. سمّها شيوعية صينية خاصة فيما سبق، أو رأسمالية صينية، فيما هو قائم الآن..

في العالم العربي مازال الميكرفون وسيلة الحضور الاجتماعي، بما يعنيه من رمزية لحزب، أو تحفظ ديني، أو مشادات برلمانية، أو ممارسة لكتابة المقالة، سياسية كانت، أو اجتماعية..

وعلى مستوى الزعامات الثورية لم يعد هناك من احتفظ باحترامه للميكرفون، إلا ليبيا وسوريا؛ لكن على مستوى الحياة العامة فإن رمزية الميكرفون مازالت قائمة تلهب "مشادات" الكلام..

كانت مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، أكثر قدرة في الاستفادة من تقدمها العلمي، والاقتصادي، والثقافي، والفني، ولم يكن بمقدور أي بلد عربي أن ينافسها، وهي الآن تسعى لأن تستعيد قواها بعد تراجع ثقافة الميكرفون..

العراق في زمن عبدالرحمن عارف كانت مؤهلة، وبكثير من محرضات التفوق، لأن تكون نموذجاً لتكامل قدرات الثروة الطبيعية، والتدرج المناخي، ووفرة المياه، واعتدال الوجود السكاني؛ كي تتعايش عرقيات وطوائف وثقافات في ظل ترف حضاري وعلمي؛ لكن ذلك لم يحدث.. أعطيت ثقافة الميكرفون كل الاهتمامات فعطلت كل الأهميات..

نحن، الآن في المملكة، لم نشعر في الماضي بقسوة نتائج ثقافة الميكرفون مثلما هو الحال الآن.. الحاكم.. لا يمارسها.. ولا يروج لنظامه بمشروعاته الإصلاحية، ولا يروج نفسه بثقافة الميكرفون، ولأن العالم العربي الآن في حالة اضطراب مخيف، ومخاطر قاسية، فإن ثقافة الميكرفون لو تعامل بها أي شخص على مستوى تشاحن طائفي، أو عرقي، أو مناطقي، فإن كل الإيجابيات الأولى في بلادنا - التي تضعنا في قمة اختلاف عن كل ما حولنا - مهددة بأن تكون مثل إيجابيات العراق المهدرة..

ليس لدينا صدام حسين يحاول أن يعجن كل مقدرات الأمة ويحولها إلى عتبات صعود سلم شهرته؛ لكن لدينا حالات تباين صارخة، لمفاهيم وثقافات وانتماءات متنوعة، جميعها - ما لم تسترشد بالعقل وتجعل من كلمة "وطن" سياجاً قوياً يتآخى فيه كل انتماء مذهبي وآخر عرقي وثالث مناطقي - سوف تتضاءل غاياتها النبيلة وإمكاناتها الهائلة؛ لتكون أشبه شيء بمناديل انتماءات يلوح بها جمهور الاتحاد والهلال والاتفاق..

الإنسان أداة بناء، وأداة هدم، وما لم يتم اقتياده بحزم نحو أوضاعه الأفضل، فهو الأخطر على ذاته.. ونحمد الله أن من يحكم قادر على القيادة نحو الأفضل.


نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية