• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2046 أيام

أفلام حققت المعادلة الصعبة


من فيلم القرية

رجا ساير المطيري

    نشاهد الكثير من الأفلام فنرى في بعضها حرصاً على التبسط والوضوح والمباشرة وفي بعضها الآخر ميلاً إلى التجريد والعمق الفلسفي الجاف. فهناك الأفلام الخفيفة المشوقة التي صنعت من أجل المتعة، وهناك الأفلام العميقة ذات النفس الفلسفي الثقيل الذي لا يتاح فهمه ولا استيعابه إلا لمشاهدٍ ينتمي إلى النخبة ويتمتع بمستوى خاص من الإدراك والثقافة. وبين هذين الاتجاهين توزعت جلّ الأفلام حتى ظن الجميع أن وجودهما حتمي فإما أن تصنع فيلماً سطحياً كأفلام الأكشن ذات النكهة الهوليودية المعروفة أو أن تصنع فيلماً فلسفياً لا يفهمه سوى الخاصة من الجمهور. ولا خيار ثالث أمامك.. وقد ظهر بفعل ذلك تمايز واختلاف بين ما يريده الجمهور العادي البسيط وبين النقاد والمثقفين. فالجمهور يفضل أفلام المتعة الخفيفة وهذا يؤكده شباك التذاكر ومقدار ما تحققه هذه الأفلام من إيرادات ضخمة. أما النخبة فهم يفضلون السينما التي تترجم الأفكار والتصورات الفلسفية إلى لوحات بصرية تبدو في كثير من الأحيان عسيرة على الفهم..

لكن من بين هذين الاتجاهين المتباينين أطل علينا اتجاه ثالث يجمع بينهما فحقق بذلك المعادلة الصعبة التي مزجت بين ما يرغبه الجمهور وبين ما يريده النقاد في اتجاه واحد موحد فجاءت النتيجة أفلاماً رائعة حققت مبدأ المتعة وصورت أحداثاً بسيطة وواضحة وفي الآن نفسه قدمت الأفكار العميقة ذات الصبغة الفلسفية. وروعة هذه الأفلام تكمن غالباً في قدرتها على تبسيط الأفكار العميقة الثقيلة وإلباسها رداءً بسيطاً مفهوماً يستوعبه الجميع. وهي في ذلك تسير على منهج طالب بتطبيقه الكثير من الكتاب والأدباء الذين امتعضوا من تعقيد وصعوبة ما يكتبه نخبة المفكرين والفلاسفة وأبدوا ميلهم نحو التبسط في عرض نفس الأفكار العميقة بأساليب واضحة وسهلة. فهذا الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي يطلب من الكتاب عدم التكلف والابتعاد عن التقعر في اللفظ والمعنى. أما المفكر الأمريكي (ول ديورانت) فهو ينزع في كتابه الثري (قصة الفلسفة) إلى تبسيط الأفكار الفلسفية وإلى عرضها بأسلوب مشوق وجذاب. ومثل ذلك يفعله الروائي النرويجي (جوستاين غاردر) في روايته الرائعة (عالمَ صوفي) التي يستعرض فيها تاريخ الفكر الفلسفي بسهولة ومرونة مدهشة..

فالمبدأ الذي يعتمد عليه هذا المنهج هو تبسيط المعقد وتفكيك المركب من أجل أن يستسيغه الرجل العادي ويستلذ به المثقف على حد سواء. وفي هذا المسار كانت السينما حاضرة فقدمت الكثير من الأفلام البسيطة شكلاً والعميقة روحاً. ولنا في فيلم (نقطة الحسم-Match Point) للمبدع (وودي ألان) خير مثال حين أبحر في فلسفة الحياة بأسلوب جميل وجذاب يهضمه الجميع رغم عمق الفكرة التي يتصدى لها. لكن إذا كان الفيلم يعلن منذ البدء. من أول مشهد فيه. عن نزوعه نحو الفلسفة. فإن هناك أفلاماً أخرى قدمت حكايتها من دون أن توجه المشاهد إلى أفكارها الفلسفية، حيث تركته يتابع ظاهر الحكاية مستمتعاً بأبعادها الواضحة ليكتشف في النهاية أن هناك بعداً آخر كان يسير جنباً إلى جنب مع الحكاية الواضحة. هو البعد الفلسفي. وهذا النوع المستفز حقاً.. وهو الذي حقق المعادلة الصعبة ببراعة لافتة..

ففي فيلم (القرية - TheVillage) للمخرج الهندي (نايت شايملان) هناك قصة ممتعة ومثيرة لقرية يعيش أهلها في عزلة عن العالم بغية المحافظة على الطهر والبراءة. وهي قصة رسمها (شايملان) بأسلوبه المثير المعتاد الذي شاهدناه في أفلامه السابقة (الحاسة السادسة كمثال). والعظمة تكمن في وجود خط موازِ لهذه الحكاية الشيقة يبدو معها الفيلم أقرب إلى خطاب سياسي جاد ينتقد الحضارة بمعناها العام والنظام الأمريكي بشكل أدق. والمشاهد العادي الذي ينشد المتعة فقط سيجد في الفيلم ما يحقق طلبه فمتعته مضمونة حتى لو لم يدرك وجود ذلك الخط الموازي. وكذلك فالمشاهد النخبوي أو المثقف سيجد متعته في اكتشاف الدلالات العميقة التي يحملها الفيلم..

وأسلوب كهذا نلمسه أيضاً في فيلم (الهوية -Identity) من بطولة (جون كوزاك) المنتج سنة 2003، ففي هذا الفيلم نتابع حكاية مثيرة للغاية مكانها فندق يقع في العراء تحدث فيه مذابح وجرائم غامضة يرتكبها قاتل مجهول. وأنت حين تشاهد الفيلم مكتفياً بما هو ظاهر أمامك فإنك ستعيش أحداث ليلة مثيرة وحابسة للأنفاس وستستمع بذلك استمتاعاً كبيراً. لكن ماذا لو قررت البحث عن معنى فلسفي لما يجري؟ إنك ستجد أن الفيلم يخدمك في هذا الجانب وذلك لأنه يقدم دلالات قد تبدو في أول الأمر غير ذات أهمية لكنها - إذا شئت استعمالها - تقدم لك معنى أعمق وأخطر يرسم لك أفكار الوجود والإيمان والقدر بشكل جميل. ومن هذه الدلالات تطبيق قانون السببية بوضوح كبير في المشاهد الأولى للفيلم، إضافة إلى حضور كتاب (الوجود والعدم) للفرنسي (سارتر) .. فما الداعي لوجوده وكيف يرتبط بما سيأتي بعد ذلك من أحداث ضخمة؟ إن المتعة تتحقق في إعادة المشاهدة بعد اكتشاف وجود هذه الدلالات.. ولكن في حال أن المشاهد لم يدركها فإنه سيستمتع في كل الأحوال.. وهذه روعة هذا النوع من السينما.. إنه يستغل تقنيات الرمز والإضمار والتورية ليحقق بذلك المعادلة الصعبة التي ترضي جميع الأطراف.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 2
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    اولآ اشكر الاستاذ رجا على مايتحفنا به كل خميس من ابداع واسلوبه الجميل في المقال وتوصيل الفكره للمتلقى بانسبه للمقال فاعتقد ان الافلام التي تنتهج وتجمع بين المتعه والفائده هي من يبحث عنها اغلب جمهور السينما ودائمآ ما تكون هذه الافلام ناجحه لانها تستهدف شريحه كبيره من المتابعين وانا ارى ان محاوله ايصال فكره الفلم نفسه عن طريق المتعه تحقق النجاح سواء للمنتج من خلال الارباح واقبال الجماهير وكذلك للمشاهد من ناحيه الفائده وسهوله فهم الفكره لكن اخو رجا الامثله التى تطرقت لها قليله واتمنى ان تذكر العديد من هذه النوعيه من الافلام مع الشكر.
    aj-sh555@hotmail.com

    ابو راشد (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:16 مساءً 2006/10/19

  • 2

    مبدع يا ستاذ ساير المطيري.
    وأنا مع انني محافظ إلا أنني مدمن مشاهدة أفلام أجنبية والسبب هو الإبداع. في التصوير والأفكار وطرق كل المواضيع والأثارة في كل شي.
    وخصوصا افلام الخيال العلمي والأكشن الروائي.
    مثلا فيلم بروس العظيم مع أني فيلم [ كفري والعياذ بالله ] وفيه تطاول على الذات الإلهية. ولا أقبله كمسلم.
    لكن زي مايقولون مابعد الكفر ذنب عندهم.
    لكن فكرة الفيلم جميلة وهي اثبات الحكمة من وجود الخالق وأن كل شي بقضاء وقدر. وهي نقيض لفكرة الإلحاد عندهم.

    تواف الرويلي (زائر)

    UP 0 DOWN

    03:15 صباحاً 2006/10/20




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية


سينمائيات

رجا ساير المطيري

الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (320) ثم الرسالة