الرئيسية > الرأي

جاسم الصقر في ذمة الله


د. عمر الحسن

في كل لحظة تنشق الأرض لتئد الآلاف وعشرات الآلاف الذين يرحلون عن عالمنا.. لكن القليل من هؤلاء، والقليل جدا، من يرحلون بأجسادهم فقط ليتركوا وراءهم أعمالهم الجليلة التي تشهد لهم ولبقائهم، ففيما يغيب كثيرون قد لانحس بهم وتنمحي آثارهم يشدنا إليهم هؤلاء الراحلون المؤثرون.. العابرون المقيمون، رغما عنا لأننا نتلمسهم، بحق، في كل عمل من أعمالهم ونجد آثارهم وبصماتهم في أروقة مؤسساتهم.. لايلتفتون إلى التاريخ لأنهم لايبحثون عن مجد عارض بل يلتفت التاريخ إليهم ليسطر في صفحاته آثارهم وأعمالهم، ولكنها سنة الحياة.. تفنى أجساد لتعيش أخرى، تخلو مواقع ليشغرها آخرون، وتغلق سجلات ليفتحها أسلافهم.

هذه الكلمات ليست أكثر من توطئة لرثاء هذا الرجل الذي عز عليّ كثيرا أن أعرف بأن الحياة فارقته بعد مرور ثلاثة أسابيع بحيث لم أتمكن من القيام بما يتناسب ومدى احترامي ومحبتي له وتقديري لما قام به في حياته من أعمال جليلة جعلت اسمه محفوراً في عالم البرلمان والسياسة. فهو الرجل الذي زاوج بعقلانية بين مقتضيات واجبه وطموحاته، فشارك في وضع اللبنات الأولى لنهضة بلاده، وكان أحد جسورها نحو الحداثة.. وأحد رواسيها في الأصالة.. يشهد بذلك دوره السياسي والبرلماني، وعمله المتواصل من أجل ترسيخ التجربة الديمقراطية؛ حيث أمضى عمره مناضلاً من أجل تحقيق هذا الهدف.. ساعده على ذلك ما عرف عنه من اعتدال وزهد.

التقيته للمرة الأولى في لندن عام .1986.جمعني به على العشاء صديق مشترك هو المرحوم "عبداللطيف الشواف"، وهو شخصية عراقية عربية معروفة بعطائها عمل وزيرا للمالية العراقية ورئيساً لاتحاد المحامين العرب..

ولأني أحببت فيه تواضعه وسماحته وصدق حديثه.. توالت اللقاءات كلما زرت الكويت أو زار هو لندن.. ولا أستطيع أن أصف كيف كان يستقبل رواد ديوانيته كل يوم اثنين.. ذلك الاستقبال الذي كان يفيض ودا وكرما ونبلا وينشر فيه الإخلاص والوفاء فكان بحق من هؤلاء الذين يتجاذب إليهم القاصي والداني.

والمتابع لمراحل حياة "أبي وائل"، تتكشف له كل السمات السابقة منذ نشأته في حي القبلة؛ حيث ولد عام 1918، وتلقى تعليمه الأول في الكويت ثم انتقل إلى مدينة البصرة العراقية ليقضي بها فترة تعليمه الثانوي؛ حيث كانت أقرب المدن العربية إلى بلاده فضلا عما حباه الله لعائلته من مصالح تجارية وفيرة في هذه المدينة، وكان يعتزم دراسة القانون بجامعة القاهرة لكن ظروف الحرب العالمية الثانية حالت دون ذلك فتوجه إلى جامعة بغداد وحصل على الإجازة في القانون منها عام 1943ليصبح أول جامعي وحقوقي في تاريخ دولة الكويت.

كان لدراسته القانون وتربيته المحافظة، دور في بناء شخصيته المؤمنة بالحرية وبالتقدم والانتماء وبضرورة كسر التقاليد البالية لرفع غشاوتها عن العقول والأبصار، ولكن مع المحافظة على العادات والتقاليد والقيم.

ولاعجب أن تجتمع فيه هذه الصفات الفريدة؛ فالفقيد ينتمي إلى أسرة عربية عريقة ملأت سماء الكويت والمنطقة عطاء، وذلك عبر الإسهام في إنشاء مؤسسات المجتمع المدني كالجمعية الخيرية عام 1913؛ والمكتبة الأهلية عام 1922؛ والنادي الأدبي عام. 1923؛ كما كان - رحمه الله - له الفضل في إرساء قواعد مؤسسات الحكم الديمقراطية عبر تكوين مجلس الشورى عام 1921، والمجلس البلدي عام 1931ثم مجلس المعارف عام 1936والمجلس التشريعي عام

1938.فوالده هو "حمد عبدالله الصقر" الذي ترأس المجلس الاستشاري عام 1921، والذي كان الخطوة الأولى في طريق إنشاء المجالس المتخصصة في الوزارات خلال حقبة الخمسينيات، وكان البذرة لدستور الكويت الذي جاء عام 1962.أما شقيقه الأكبر "عبدالله" فهو من الشخصيات البارزة في الحركة القومية المناهضةللإنجليز في منطقة الخليج خلال الثلاثينات والأربعينات. أما شقيقه "عبدالعزيز الصقر" "العم أبوحمد" - طيب الله ثراه - فهو من الشخصيات الكويتية العربية التي لاينسى عطاؤها؛ أول رئيس لمجلس الأمة الكويتي عام 1963، وأول وزير صحة في تاريخ الدولة بعد الاستقلال، وأول رئيس لغرفة صناعة وتجارة الكويت التي أسسها وكان رئيسها الفخري، وهو أيضا مؤسس وأول رئيس للهلال الأحمر الكويتي، كما شارك مع عدد من رجال الأعمال في تأسيس العديد من الشركات المهمة، وأسس العديد من الغرف العربية - الأجنبية المشتركة في العواصم العالمية المهمة ومنها لندن وكان لي شرف عضوية مجلس إدارتها من الجانب العربي تحت رئاسة العم "أبوحمد".

ومن مواقف "أبي حمد" التي لاتنسى دوره في مؤتمر جدة أثناء جريمة احتلال الكويت، حيث قاد اكثر من 500شخصية تمثل وجهاء ورجالات الكويت وأصدروا وثيقة الطائف، وفيها جددوا مبايعة الكويتيين لأسرة "آل صباح"، وهوما حدا بأمير الكويت الشيخ "جابر الصباح" - رحمه الله - لأن يطلق عليه "مواطن الكويت الأول"، وهو اللقب الذي لم يحصل عليه غيره.

.. لنعد إلى "جاسم" الغائب الحاضر الذي سار على خطى أهله وعائلته وأشقائه، حيث يسطر له التاريخ مواقفه الوطنية الصادقة، إذ ناضل بهدوء وصلابة من أجل استمرار وتطوير الحياة النيابية في بلاده، وكان دوماً عضواً فاعلاً في مجلس الأمة، فلم يترشح مرة إلا وكان من الفائزين بعضوية المجلس، وذلك خلال دورات المجلس منذ عام 1975وحتى 1992، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ثقة الناس بالرجل ومحبتهم له، كما انتخب رئيساً للجنة العلاقات الخارجية في المجلس لعدة مرات لما عرف عنه من حنكة وحكمة وانتماء وطني وولاء قومي، جعل أقرانه الخليجيين والعرب يقدمونه في كافة الاجتماعات والمحافل العربية والدولية ليتحدث باسمهم، فهو موضع ثقتهم واحترامهم، والذي سيؤدي المهمة عنهم باقتدار.

خلال تجربته النيابية الطويلة أحرز "أبو وائل"، نجاحات عززت من التجربة الديمقراطية الكويتية حتى وصلت لما هي عليه الآن، ومن العلامات البارزة في ذلك مواقفه الحاسمة تجاه أي تعديلات دستورية رأى أنها قد لاتخدم الديمقراطية ولاتعزز الحريات العامة والخاصة، مثل: موقفه من مشروع تعديل الدستور الذي عرض على مجلس الأمة في دورته بين عامي 1981و1985، إذ كان لمرافعاته، وهو رجل القانون المخضرم، وصاحب الأطروحات الهادئة والعقلانية والمعارضة عالية التهذيب دور كبير في زيادة عدد النواب المعارضين لهذا التعديل الذي رفضه المجلس، وكان له - أيضاً - دوره المشهود في المشاركة بإصدار العديد من القوانين الهامة التي صبت جميعها في صالح الأمة مثل قانون التأمينات الإجتماعية وصندوق الأجيال القادمة وتعديلات قانون الجزاء.. وغير ذلك من القوانين..

لم يقتصر عطاء "جاسم الصقر" على دعم الديمقراطية والحريات في بلده فقط، بل كان له إسهاماته العربية وجولاته القومية، حيث يذكر التاريخ له وللعم أبوحمد مواقفهما تجاه أمتهما ودعمهما لقضيتها الأولى.. القضية الفلسطينية.. فكانت هناك اسهامات داخل وخارج فلسطين مثل بناء او المساهمة في بناء المدارس والمستوصفات وحتى المستشفيات والتبرع للبلديات التي قامت بتعبيد الطرقات، اضافة الى تقديم مساعدات للأسر المحتاجة والمنظمات الانسانية المعنية بالفقراء والاطفال وكبار السن، وبدأت اهتماماته بتلك القضية خلال فترة الاربعينيات من القرن الماضي حينما كان عضواً في اللجنة الكويتية للدفاع عن فلسطين، وهو من المؤسسين للمؤتمر الشعبي لمناهضة التطبيع مع إسرائيل، ويسجل له التاريخ - ايضاً - دوره في انشاء جامعة الخليج ومقرها البحرين.

ولأنه عرف عنه حب الخير والعطاء الانساني، وغنى الروح والنفس آثر الا يشهر نشاطاته الانسانية والاجتماعية الواسعة داخل الكويت وخارجها، او يعلنها، اذ كان يتطلع منها الى رضا ربه فقط.

وإذا كان موت أبي وائل خسارة عربية كبرى، فعزاؤنا انه رحل وهو مرتاح الضمير ومطمئن القلب لحاضر ومستقبل وطنه، وعزاؤنا - ايضاً - انه ترك وراءه رجلاً نحسبه يمثل خير خلف لخير سلف، وهو "محمد جاسم الصقر" عضو مجلس الامة ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس، وايضاً رئيس البرلمان العربي الذي تشكل اوائل هذا العام، والذي يحمل رسالة والده وعمه الوطنية والقومية وشيمهما بكل اخلاص ومسؤولية وتفان.

@ رئيس مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة