الأربعاء 26رمضان 1427هـ - 18أكتوبر 2006م - العدد 13995

هل يتابع البابا مسلسل خالد بن الوليد!!

يحيى الأمير

    الآن لم تعد الكتابة ولا مدونات التاريخ ولا الكتب العتيقة هي الحامل الأبرز للثقافية ولا الشكل الوحيد لقراءة وتسويق ثقافة وحضارة أمة من الأمم. ورغم أن أخطاء واسعة تكاد تعصف بالمدون التاريخي العربي، وما حملته عملية التدوين من تخريب لكثير من القيم والإيجابيات الحضارية الإسلامية، وما حدث من طغيان للعروبي والبطولي الجاهلي على الإسلامي إلا أن المشكلة تظل أقل تأثيرا، والأذى يظل أقل وقعا مما هو حادث الآن من تحويل لتلك العيوب التاريخية من حيز المدون المقروء إلى حيز الدرامي التلفزيوني.

حالة العودة العارمة إلى التراث العربي والإسلامي وتحويله إلى نصوص درامية هو في حد ذاته دلالة على خلل ثقافي يشير إلى خلو الحاضر من أي تفكير إبداعي يمكن أن يوجد قضايا درامية حقيقية غير تلك التي ظلت تدور في علاجات سطحية لقضايا المخدرات والعلاقات الغرامية والغدر وتنافس الزوجات، وكلها قضايا استنزفت بسطحية بالغة فيما غابت المعالجات ذات الأطر الجديدة والقضايا التي تتابع حركة العالم والحياة العربية الحديثة التجليات المتعددة لقضايا الإنسان.

كل هذا غير ممكن فأصبحت العودة للتراث جزءا من تكريس الماضوية في الثقافة العربية وتحويلها لا إلى منبع للالتجاء النفسي - كما هو معتاد - بل إلى منبع للتناول الدرامي، لتصبح كل الوسائل الإعلامية الحديثة مهما تجددت وتطورت عبارة عن ناقلات حديثة لأفكار ومضامين قديمة، وليس من حاجة إلى القول بأن كل التراث إنما يعرض كما هو دون أي نقد أو قراءة أو مراجعة أو إعادة اكتشاف، هذه مسألة لا مكان لطرحها في الثقافة العربية بشكل واضح، بل العكس تعيش كل المسلسلات التاريخية كل العيوب التي يحملها التعاطي الثقافي مع التراث من تقديس مفرط وعام لا يمتلك جرأة ولا قدرة على المراجعة أو إعادة النظر.

مسلسل الزير سالم الشهير، لم يكن إلا تبجيلا لرجل مخمور متهور يمضي حياته في حرب ووعيد طويل ثم يقتله بعض الرعيان، كان المسلسل نموذجا على الفداحة والرداءة والاحتفاء بالسلبي لا لشيء إلا لأنه من التراث، وإعادة ذات الهيمنة الثقافية السلبية التي تؤديها تلك النماذج التراثية السلبية في الثقافة العربية وما تحظى به من تبجيل أمام ضعف وخوف الثقافة المعاصرة والأعمال الفنية المعاصرة من أي ممارسة نقدية أو أي مراجعة، بخلاف ما يحدث بالطبع في ثقافات غير عربية، والأصداء التي تركها فيلم المسيح ويتركها فيلم (شيفرة ديفنشي) الآن، كلها من مظاهر المراجعة والنقد وإعادة اكتشاف التراث، لكن ما يحدث عربيا هو ثلاثون حلقة على مدى شهر كامل تدور كلها حول تبجيل مخمور جاهلي متهور، وإعادة تسويقه وترويجه لدى ثقافة لم تنتبه إلى الآن إلى عقدتها مع الماضي.

الأبرز الآن هو ما يحدث في مسلسل (خالد بن الوليد) والقضية ليست تشويها للشخصية ولا طمسا للحقائق فحسب، لكنها أبعد من ذلك.

خالد بن الوليد رضي الله عنه، إحدى الشخصيات التي غلبت الجوانب العروبية في قراءتها على الجوانب الإسلامية والحضارية، وعبر كثير من المدونات تم تصوير خالد بن الوليد رضي الله عنه في هيئة أشبه ما يكون فيها بمقاتل جاهلي لا يعرف لغة إلا لغة السيف، وتمت صياغة (الشجاعة) كصفة من صفات ابن الوليد وفق المنظور الجاهلي للشجاعة لا وفق المنظور الإسلامي الرشيد لها. وبات الحديث عن خالد بن الوليد مرتبطا بالحديث عن السيف والقهر والإذلال، فيما تغيب الجوانب ذات الأبعاد الإنسانية والدينية الروحية الحقيقية، وهذا جزء من أزمة تعامل الثقافة العربية مع رموزها، حيث تجنح من خلال الهزائم الحاضرة إلى حشر كثير من المعاني الحادة والمنفعلة وتركيبها على شخصياته التراثية من أجل إشباع حالة العوز مما حول الانتصار والعزة ومرادفاته إلى جزء من الشخصية المجازية للعربي، لا عبر قيم الفتح ونشر الحرية والمساواة التي جاء بها الإسلام، بل من خلال القيم ذات الأصل الجاهلي وعبر التعريف الجاهلي للشجاعة والقوة.

الذهنية التي تنتج هذه الأعمال لا تحمل أية آلية ثقافية جديدة تجيد من خلالها قراءة التراث أو التعامل معه بل على العكس من ذلك والذين ينتجون هذه الأعمال هم ذاتهم الذين ينتجون أعمالا سطحية أو كوميدية رديئة، ولعل أطرف ما يمكن ملاحظته في مسلسل خالد بن الوليد ما قاله مخرج المسلسل من تصريح يوضح مبررات خروج وإنتاج هذا العمل يقول: (فى الوقت الحاضر نعيش عصر الهزائم. عصر املاء الشروط علينا بالشكل االذى يفرضه الآخرون. نذكر من خلال المسلسل هذا المواطن الذى تناسى أنه عندنا تاريخ هام وبطل قومى بطل عربى ومسلم اسمه خالد بن الوليد استطاع أن ينتصر فى كل المعارك التى خاضها وكان مفكرا ومقاتلا وكان رجلا ذا مستوى عال من الاخلاق. نحن بحاجة الى قائد بهذا الشكل)

هذه اللغة المستنجدة لا يمكن لأن تقدم عملا فنيا واعيا، ولا تختلف عن ذات المبرر المعنوي والثقافي الذي يقول به شاعر رديء يتفجع على أمته أو خطيب لا يكف عن الصراخ، كما أن هذا المبرر لا يمكن أن ينتج قراءة واعية لتأريخ تختلط فيه القيم الحضارية الدينية بالقيم العروبية التقليدية. وحديث المخرج يدل على أن المسلسل ليس أكثر من جلسة وعظ أو لحظة تذكر.

شخصية خالد بن الوليد في العمل تقع أولا في حالة ارتباك نظرا لطبيعة الشخصية التي تؤدي العمل، فالفنان باسم ياخور أحد الفنانين الذي لم يعرف المشاهد لهم خط أداء درامي واحد ومتميز، إضافة إلى أن افتعال التجهم والغضب وافتعال ملامح الحدة تبدو واضحة وتكلفة، وهذا جزء من الخطأ القرائي الذي يمارس مع الشخصيات التاريخية، فخالد بن الوليد حتى بالنسبة للبطل الذي يقوم بدوره ليس أكثر من فارس ومقاتل، دون النظر إلى صحة الصورة التي حملها المدون التاريخي عن خالد بن الوليد، وكيف غلبت أفكار العنف والشدة على أفكار الرحمة والإنسانية.

أثناء مشاهدة المسلسل يتضح لك فورا أن ما يسيطر على كل المشاهد والأجواء والحوارات ليس لغة الدعوة ولا لغة التعامل بالحسنى، بل اللغة الوحيدة المسيطرة هي لغة الحرب، بكل مقتضياتها ومرادفاتها، استمع إلى الحوارات التي تدور بين المسلمين وغيرهم في المسلسل: احقنوا دماءكم وإلا فليس لكم إلا السيف/ لقد جاءكم خالد بجيش لا قبل لكم به/ أما والله لتسلمن وإلا لترغم أنوفكم/ إما أن تسلموا وإلا فالسيف بيننا وبينكم/ والله لنصبحنهم في يوم لا قبل له به/ أما والله لنضربن أعناقكم/ فإما أن تدفعوا الجزية وتعصموا دماءكم وإلا لترون ما لا قبل لكم به/،، فيما تدور أكثر الحوارات والمواقف حول ضرب الأعناق والاستعداد للقتل بكل سهولة، مع إغفال تام للقيم الروحية الإنسانية التي حملها الإسلام وللتعاليم الدينية الواعية التي تعلم عليه أصحاب الرسول الكريم، وعلمهم بها وأصبحت منطقهم الحضاري المبكر في التعامل مع الناس والحياة والثقافات من حولهم.

المسؤولية الثقافية تغيب تماما عند من ينتجون أعمالا كهذه، وهو ذات الغياب الذي شهدته ذهنيات قديمة وضعت وكتبت التاريخ الإسلامي واستجابت لصوت البطل أمام صوت الداعية، ولصوت المقاتل أمام صوت الباحث عن الحق، ولأشكال البطولة التقليدية المتهورة أمام أشكال بطولة الحق والرحمة، وكل هذه الأخطاء وكل هذه الخطابات التي لا تستشعر مسؤوليتها الثقافية هي ذاتها التي تتسبب في ترويج تلك الأفكار غير الواقعية عن التاريخ الإسلامي، بل وفي تسويقها واعتمادها حين يمتلئ خطابنا الثقافي بالتغني بالدماء والسيوف وباختصار الأفكار المدنية الكبرى التي حملها الإسلام وجعل المحاربين هم النموذج الأوحد للشخصيات الإسلامية والضغط على المواقف المتأثرة بما قبل الإسلامي وإبرازها على حساب الإسلامي كلها من الأخطاء التي لا نتحمل تبعاتها الثقافية وسرعان ما نثور حين يقول لها غيرنا، مع أنه لم يأت بشيء من عنده، وإنما نحن الذين نقول ذلك، ونقدم لهم هذا التصور.

ربما أن ما حدث من تصريحات للبابا مؤخرا، وغيرها من الآراء التي لا ترى في التاريخ الإسلامي سوى سيوف ومقاصل سوف تكون في غاية الامتنان وهي تشاهد عملا دراميا يتسلى فيه (الأبطال) بعد الرؤوس التي جندلتها سيوفهم.