إصلاح العقل في الفلسفة العربية من واقعية أرسطو
وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدون
كان كتاب أبي يعرب المرزوقي (إصلاح العقل في الفلسفة العربية من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدون) هو الجزء التكميلي من البحث الرئيس في أطروحته للدكتوراة في جامعة السوربون، وطُبع البحث الرئيس بعنوان (تجليات الفلسفة العربية منطق تاريخها من خلال منزلة الكلي) في (550)صفحة طبعته دار الفكر المعاصر، وتلك هي الطريقة القديمة في تقاليد جامعات فرنسا إذ يقدم الطالب بحثا رئيسيا وبحثا تكميليا وبناء عليهما يحصل على الدكتوراة.
وطبع كتابنا هذا مركز دراسات الوحدة العربية في قرابة (400) صفحة كما في الطبعة الثانية عام 1996م، وكانت كلتا الرسالتين قمة عمل إبداعي أنتجته سنين البحث والجد والقراءة ومحاولة الفهم لحقيقة فلسفة الإنسان منطلقاً من الفلسفة اليونانية ثم الفلسفة الهلنستية مروراً بالفلسفة العربية والإسلامية ثم الفلسفة اللاتينية وانتهاءً بالفلسفة الجرمانية، كانت قراءته محصورة في هذه الأطروحة في مناقشة قضية مركزية في الفلسفة - كان لها الأثر الكبير في العلم والعمل الإنسانِيَّيءن منذ فجر الفلسفة المدونة والتي عرفتها منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط اللذين يُعَدَّان محور حضارات الإنسانية لآلاف السنين -ألا وهي قضية منزلة الكلي النظري والكلي العملي بين الواقعية والاسمية.
وعند الحديث عن هذا الموضوع - من خلال كتب الدكتور أبي يعرب المرزوقي عموما وكتاب "إصلاح العقل في الفلسفة العربية" خصوصاً -نجد أهمية أن يكون القارئُ مُلِمَّاً بعددٍ من العلوم بدءاً بالفلسفة وعلومها كالمنطق والرياضيات وانتهاءً بالشريعة وعلومها كالأصول واللغة والتاريخ.
ومن الملحوظ ما نجده من كثير من كبار المثقفين المعاصرين من نقد صريح لوعورة كتابات أبي يعرب المرزوقي التي تنطق بلغة فلسفية صارمة ذات تقنيات جرمانية، وكأنها تسير بشكل رياضي وهندسي محكم، كما أشار في مقابلة تلفزيونية له في برنامج مسارات الذي تبثُّه قناة الجزيرة إلى تأثره في الكتابة برياضيات أرسطو وهندسة أقليدس، ونجد هذا النقد في كثير من الحواريات التي كان طرفاً فيها مثل حواريته مع الدكتور حسن حنفي، وحواريته مع الدكتور الفقيه محمد سعيد رمضان البوطي.
لكن عند تأمُّل كتابات أبي يعرب ودراستها بتأن ودقة، نجد أنها ليست بهذا القدر من الغموض والوعورة كما يدعي الكثيرون لأن العبرة بمحاولة فهم وتفكيك تلك المصطلحات التي أنتجها أبو يعرب، وهي في غاية الوضوح عند الدارس الجاد للفلسفة العربية على أقل تقدير بالنسبة لمستوى القارئ العربي،و تتضح للقارئ الجاد معالم فكر يتميز بالوضوح وعدم اللبس إذ محاوره تصاغ في بناء منسجم ومحكم دون أن يوجد تناقض ظاهر.
والذكاء الفطري الذي تميز به أبو يعرب مع ما أعطاه الله من هِمَّةٍ في القراءة والاطلاع وإتقانه لبعض اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية والألمانية، كل ذلك ساعد في عمق دراسته للفلسفة الغربية الحديثة ومقارنتها بفلسفات التاريخ الإسلامي التي كان لها الفضل في الحفاظ على تراث أساطين الفلسفة اليونانية.
عرض سريع لأهم فصول ومباحث الكتاب
قسم أبو يعرب المرزوقي كتابه هذا إلى مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة:
تحدث في المقدمة عن أمرين: أولهما في إشكالية الكلي ودور هذا الإشكال في تشكلات التاريخ الفكري العربي، وثانيهما في المقدمات الممكنة لاستيعاب فرضيات العلاج وشروطه.
وفي القسم الأول من الكتاب الذي عنونه ب( الوضعية الفلسفية والابستمولوجية) تحدث فيه في فصلين: الأول كان في (منازل الكلي ومنطقها) أو هو إجابة على السؤال (كيف أصبحت الفلسفة الاسمية النظرية والعملية غاية الفلسفة العربية؟)، وكان هذا الفصل يبين الحراك الفلسفي والفكري حول التردد بين الميل إلى الوصل أو الفصل بين أنساق المرجعيتين (المرجعية الفلسفية الأفلاطونية) و (المرجعية الدينية الحنيفية).
وأما الفصل الثاني فقد عنون له ب ( عدم التلاؤم بين النظر والعمل الحاصلين فعلا وما بعدهما التأسيسي في الفلسفة) إذ يؤكد عبر مباحث هذا الفصل خاصِّية النظر والعمل الوضعي الإنساني المحدود الذي لا يمكن أن يُوَحَّد بما بعده من خلال عملية إطلاقه عن نِسءبِيَّته التي هي طبيعة إدراكه وإرادته.
ثم جاء القسمان الآخَرَان للكتاب واللذان يمثلان جوهر البحث : في بيان الوجه السالب من الاسمية أو دحض الواقعية كما في القسم الثاني، وبيان الوجه الإيجابي من الاسمية النظرية والعملية كما في القسم الثالث.
ففي القسم الثاني أكَّد بالدلائل الفلسفية بأن فلسفة ابن تيمية وابن خلدون قامت بنقلة ثورية من واقعية الرياضي والمنطقي إلى ذريعيتهما ومن واقعية السياسي والتاريخي إلى ذريعيتهما، أي من كون هذان المجالان (الطبيعة، والتاريخ) أو (المجال الطبيعي والمجال الشريعي) مجالين مطلقين مختومين بأختام الانتهاء والإغلاق إلى كونهما مجالان نِسءبِيَّيءن لمحاولة إدراك حقائق وطبائع الأشياء وقيمها من منطلق كونهما مجرد ذرائع ووسائل لمحاولة الوصول إلى القرب من المتعالي المطلق في المجالين.
فكان أن أطلق أبو يعرب على هذه الفكرة مسمى الانتقال من عبادة الطبيعة في المجال الطبيعي إلى السيادة عليها، والانتقال في المجال الشريعي ( التاريخ الإنساني= سياسة واجتماع واقتصاد وقانون وغيره) من عبادة الشريعة إلى السيادة عليهما، لأنهما مجرد وسائل وذرائع في الواسطة إلى المطلق.
وفي القسم الأخير تحدث عن تأصيل موجب لنظرية الاسمية من خلال بناء نسقي يفكُّ الارتباط بين العلم النظرية و"الماهيات الذاتية للأشياء" أو "الكلي النظري"، ويفكُّ الارتباط أيضاً بين العلم العملي و"الواجبات الذاتية للأشياء" أو "الكلي العملي".
مبرهنا على كل ذلك في بناء منطقي محكم على أصول ذلك في فلسفة ابن تيمية وابن خلدون والتي يذكر أبو يعرب بأن بداية فلسفتهما تمثل غاية الفلسفة الغربية المعاصرة المتمثلة في الكشوف العلمية والفلسفية المعاصرة.
قراءة مجملة لأفكار الكتاب الرئيسية
تُشَكِّلُ عودةُ أبي يعرب لدراسة فلسفة أهم رموز التراث الإسلامي بعد دراسات عميقة لأهم فلاسفة أوروبا (مثل ديكارت وإيمانويل كانط وهيغل وماركس) إثماراً لنتائج مذهلة، إذ أصبح بعض رموز تراثنا الإسلامي يقارعون في فلسفتهم كبار من يسمون بفلاسفة التنوير إن لم يكن يتجاوزونهم بالعمق المعرفي.
ولم يكن في كل النتائج التي توصل إليها صاحبنا صادراً من أيديولوجيا معينة أو من تعاطفٍ معيَّن -وإن كان لا يمكن الادعاء بنفيه مطلقاً - بل دبَّج كل ما يدَّعيه في نظرياته وقراءاته التي يسميها (محاولات) بالأدلة الممكنة والقريبة من عقل الإنسان وفطرته التي تدرك حدود إدراكها.
فكما يبيِّن لنا أبو يعرب من خلال هذا الكتاب بأن فكرة الكلي ( = ضد الجزئي المعيَّن في الخارج) من حيث وجوده هي فكرة ذات لوازم ابستمولوجية (معرفية) وأكسيولوجية (عملية)، تُشَكِّل نواة البحث في أصول التفلسف في العلوم النظرية والعملية، فالكلي من حيث السؤال عن وجوده هل هو خارجي أو ذهني ؟ أو هل وجوده في الخارج أو وجوده في الذهن والاسم ؟ حيث نجد عند الجواب على هذا السؤال تبرز أجوبة المذهب الواقعي في أبرز عَلَمَيءه في الفلسفة اليونانية (أفلاطون، وأرسطو) كبداية للإشكال المعرفي والوجودي -على خلاف بينهما في تحديد واقع وجود الكلي بين كونه مفارق (أفلاطون)أو محايث للمعيَّن (أرسطو) -وما نتج عن هذا المذهب من آثار في أصول العلوم وعلاقاتها الأفقية ببعضها.
كما برز في الجواب على السؤال الفائت المذهب الاسمي في أبرز عَلَمَيءه في الفلسفة الإسلامية (ابن تيمية وابن خلدون) كبداية لنهاية الإشكال الذي بدأ - كما في مدونات العلم- من واقعية أفلاطون وأرسطو، وكانت بداية النهاية لتنقية الحنيفية المحدثة النبوية (الموحدة بين الدين الطبيعي الفطري والدين المنزل) من تحريفات الأفلاطونية المحدثة المنسوبة لأفلاطون وأرسطو، ومن تحريفات الحنيفية المحدثة أيضا المنسوبة إلى موسى وعيسى عليهما السلام، وهذا التصحيح والإحياء التيمي والخلدوني دفنته وللأسف أعوام من تخلف الحضارة العربية والإسلامية حتى بدأنا نتلمس إبراز ذلك الإحياء وبيان عمقه المعرفي والوجودي من قراءاتنا لكتابات أبي يعرب.
إن كثيراً من الكلام في هذا الموضوع قد لا يعني الكثير من أرباب الثقافة والفلسفة، وذلك لإشكالية وحيدة هي عدم الاستيعاب لأهمية معالجة منزلة الكلي علمياً وعملياً في إنتاج العلوم وفي الموقف من فهمنا للطبيعة والتاريخ، أو ما يسمى الآن بالعلوم الطبيعية العلوم الإنسانية.
ويؤكد أبو يعرب في جل كتبه وخصوصاً كتابه هذا أن ابن تيمية وابن خلدون يمثلان غاية التقارب بين (الأفلاطونية المحدثة، والحنيفية المحدثة) في توحيد ما يسمى الفكر الفلسفي بالفكر الديني، وهذه دعاوى سآتي لتفصيلها في قراءة هذا الكتاب، فأبو يعرب يرى عودة الإحياء التيمي والخلدوني إلى توضيح ما جاء به الإسلام كرسالة خاتمة ترى أن العقل والنقل هما من طبيعة واحدة، وشرط بيان التطابق هو تصريح العقل وتصحيح النقل وفق أدواتهما الفاعلة والحيَّة.
وهذان المصطلحان من الأهمية بمكان للوقوف عندهما وتوضيحهما للقارئ ف(الأفلاطونية = نسبة إلى أفلاطون ) وأبرز عَلَمين متبوعين في هذه المدرسة هما : أفلاطون وأرسطو، وبعد سيادة الفلسفة اليونانية فترة من الزمان جاءت الفلسفة الهلنستية، وأشهر مدارسها "المدرسة الأفلوطينية" نسبة إلى أفلوطين وشيوخه وأتباعه الذين أتوا بعد موسى وعيسى عليهما السلام وأتوا بمزيد من المسائل والإضافات على فلاسفة اليونان وبمزيد من المزج والاستعارة من مذاهب وأفكار فلسفية هرمسية وهندية وفارسية وغيرها، وهذه هي الفلسفة الأفلاطونية المحدثة التي أثرت في تاريخ الفلسفة العربية التي أخذت في منحى الوصل في فلاسفة العرب الأولين ظناً باستيعاب الوصل بين فلسفة أرسطو وأفلاطون ميلاً لأحدهما كالفارابي المائل نحو المشائية الأرسطية وإخوان الصفا المائلون نحو الصفوية الأفلاطونية، أو أخذت منحى الفصل بعد التفجير السينوي - كما يشير أبو يعرب - بين فلسفة أرسطو وأفلاطون مع الميل لأحدهما كالسهرودي (الإشراقي الأفلاطوني) وابن رشد ( المشائي الأرسطي).
والحنيفية المحدثة هي الحنيفية بعد إبراهيم (إذ أطلق وصف الحنيفية أولاً على إبراهيم عليه السلام لانتشار الشرك الذي مال عنه -حَنَف عنه-، ودعى للميل عنه إلى التوحيد)، والمحدثة منها هي ما بعده في دعوة موسى وعيسى عليهما السلام إلى أن طرأ عليهما من التحريف ما طرأ حتى جاءت الحنيفية المحضة بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الشاملة والكافة للبشرية جمعاء ختماً للوحي الإلهي ونفياً لأي سلطة روحية وسيطة معصومة تزعم إطلاق العلم بطبائع الأشياء أو إطلاق العمل بتطابقه لقيم الأشياء، وذلك بتنسيب (= نسبية) العلم والعمل دون إطلاقهما، وبيان أنهما من طبيعة واحدة إذ الفطرة متطابقة مع الدين المنزل كما في قوله سبحانه (فطرة الله التي فطر الناس عليها) فلا تعارض بين العقل والنقل، بين الكتاب والميزان، بين القرآن والحُكءم (=الحكمة العقلية)، بين الفكر الفلسفي والفكر الديني، متمثلاً كل ذلك في مخاطبة الفطرة المهيَّأة لمطابقة التصور الإنساني للآيات الكونية (الكون والطبيعة والنفس) والآيات الشرعية (القرآن وشرع من قبلنا) الذين هما مصدر فهم الطبائع والشرائع وإن اختلفت أدواتهما.
فأبو يعرب يبين أن ما طرأ على الحنيفية النبوية المحمدية من تحريف في المذاهب التي انتسبت إلى الإسلام بسبب المقابلة بين الطبيعي والشريعي وما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ، أو بلغة أوضح المقابلة المطلقة بين العقل والنقل في تاريخ الفلسفة والكلام عند المسلمين ومن تأثر بهم من اليهود والنصارى، فهو يحدد الوعي بما طرأ على الفكر الفلسفي والفكر الديني من تحريف أدى إلى ازدواجية بحيث جاء فريق يمارس السيادة على الشريعة بتوسل عبادة الطبيعة، وجاء فريق آخر يمارس السيادة على الطبيعة بتوسل عبادة الشريعة، وهذه المصطلحات عند أبي يعرب لا تعني ما يتبادر إلى الذهن من أن المقصود نفي قدسية نصوص الشرع عند السيادة عليها بل يعني أن الممارسة الدينية بإطلاق أحكام أفهام أشخاص مُعَيَّنِين للشريعة هو في الحقيقة عبادة لهم (أي لما يسمونه شريعة) وهو في الحقيقة ليس عبادة لله ولا طاعة له لأنه أَمَرَ سبحانه بامتثال كلامه وفهمه على وجهه وفق دلائل آياته الكونية والشرعية، لأن الشريعة بالمعنى العام هو التشريع، وهو فهمنا لنصوص الشرع ولعادات الطبيعة، وهذا الاستعمال يتطابق مع الاستعمال القرآني في قوله سبحانه : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) قال عدي للرسول صلى الله عليه وسلم : "إنا لسنا نعبدهم" قال : "أليس يحرمون ما أحل الله فتتبعونهم ويحرمون ما أحل الله فتتبعونهم ؟!" قال : "بلى"، قال : "فتلك عبادتهم"، ونجد هذه الممارسة لهذين الأمرين ظاهراً في تيارين متطرفين يتدرَّج بينهما أطيافٌ من السلط الروحية المتوسلة بأحد الأمرين للسيادة على الآخر، فابن رشد يمارس السيادة على الشريعة بتوسل عبادة الطبيعة وهو في الحقيقة يمارس العبادة لمقولات أرسطو في الطبيعة، ويقابله إخوان الصفا الذين يمارسون السيادة على الطبيعة بتوسل عبادة الشريعة وهم في الحقيقة يمارسون العبادة لمقولات الأئمة والأولياء، قال أبو يعرب: (فلا الإنسان يمكن أن يصير إلها، ولا الإله يمكن أن يصير إنساناً، والواسطة بينهما أعني الطبيعة (الآية الكونية) والشريعة (الآية الشرعية)، بما هما خطاب الإله الموجه إلى الإنسان، والنظر والعمل بما هما جواب الإنسان على خطاب الإله وعبادته له، أصبحا ممثِّلَين لحدَّيء علاقة الاستخلاف: الطبيعة والشريعة -الخاتمة والفاتحة- من الإله إلى الإنسان، النظر بما هو عبادة والعمل بما هو عبادة من الإنسان إلى الإله).
فجاءت الحنيفية السمحة محررة الإنسان من العبادة للطبيعة والشريعة تحريراً من كل الحيل والوسائط بالسيادة عليهما،فسبب هذا الانحراف من السيادة إلى العبادة هو واقعية الكلي التي سماها أبو يعرب بالجرثومة القاتلة للعقل العلمي والقاتلة للروح الديني، وقد أبان ابن تيمية كل ذلك بالأصل الأصيل "نفي واقعية الكلي" الذي سماه "الأصل الذي ينفع في عامة العلوم".
ويبين لنا صاحبنا في كتابه كيفية وصول الأمر لهذه الوحدة الحية بين الفكرين الديني والفلسفي التى أحياها فيلسوفا الإسلام العظيمين (ابن تيمية وابن خلدون )، بتأكيد أن المعلوم الإنساني لا يطابق طبائع الأشياء، وكذلك المعمول الإنساني لا يطابق قيم الأشياء، وهذا هو المتوافق مع قوله سبحانه : (إنه كان ظلوماً جهولا)، فليست معلومات الإنسان ومخترعاته متجوهرة كطبائع منتهية ومُتَذَوِّتة، ولا معمولاته متجوهرة كقيم ذاتية منتهية ومُتَذَوِّتة، بل علم الإنسان وعمله وضعيات إنسانية نسبية ذرائعية لا غائية فيها، فالموضوع ببساطة إثبات حقيقة تنسيب (= نسبية) هذين الفكرين دون إطلاق أحدهما على الآخر، ودون حلولية المطلق الما بعد في النسبي (الممكن ) الماقابل، أي حلولية ما بعد الطبيعة المطلق في الطبيعة، وحلولية ما بعد التاريخ المطلق في التاريخ.
إن كلَّ ذلك تحقيق للاسمية ونفي للواقعية -كما يؤكده أبو يعرب- خصوصا في نقدها لإثبات وجود الماهيات المنفصلة عن الذوات، وفي نقدها للقول بشيئية المعدوم، وفي نقدها لادعاء المعقول الإنساني من ماهية الأشياء مطابق لذات طبيعة الموجود أو "الماهيَّات الذاتية للأشياء"، وفي نقدها لادعاء المعمول الإنساني من قيم الأشياء مطابق لذات قيمة الموجود أو "الواجبات الذاتية للأشياء".
بمعنى أن منظومة المعلوم (المعقول) والمعمول (المحسوس) ما هو إلاَّ نسبيٌّ يشرئب دائماً إلى المطلق المتعالي (الحقيقة المطلقة) دون زعمه لمطابقتها، مما يجعل الإنسان دائماً في طلب للمعلومات النافعة والمعمولات الصالحة دون أن يصل لحالة يقين التطابق (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، بل تبرز حاجة الإنسان لأن يستعين بغيره من بني جنسه في طلب التعالي إلى الحقيقة المتعالية كما في سورة العصر (إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر)، لذا صدق الشافعي حين قال : "لو ما أنزل الله على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم".
فمُدَّعُو واقعية الكلي يزعمون أن المعقول مطابق لطبيعة الشيء والمعمول مطابق لقيمة الشيء كما هو عليه في ذاته، وأساس هذا هو ادعاء واقعية الكلي النظري والعملي، فهذا التقرير اليعربي -إن صح التعبير -هو المتوافق مع فلسفة الدين والطبيعة كما جاء تأكيدها في الحنيفية السمحة التي بعث بها محمد صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه يقول : (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا)، ويقول : (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)، ويقول : (وما يعلم تأويله إلا الله) على الوقف اللازم، ويقول عن الإنسان : (إنه كان ظلوماً جهولاً) فهو ظلوم لعدم إمكانية تطابق معموله بقيم الأشياء الذاتية، وهو جهول لعدم إمكانية تطابق معلومه بطبيعة الأشياء الذاتية.
والقول بعدم إمكانية التطابق وفق الاسمية العلمية والعملية للكلي لا تعني أبداً النسبية المحضة بل النسبية المحضة واقعية محضة، وذلك لأن فوضوية النسبية التي هي ردة فعل على الإطلاق في الفلسفة المثالية (هيغل) والفلسفة الوضعية (أوغست كونت) - هي كما قال ذات مرة "كفر بالكفر" - وهي عين الواقعية لحصرها الوجود في الإدراك الإنساني، بحيث يصير إدراكه معياراً ومقياساً للحقيقة، لذا زعموا تعدد الحقيقة ونسبيتها، مما يستلزم ضياعها وفساد الكون، لذا يقول ابن تيمية دائماً عن هذه النسبية المحضة بأنها غاية السفسطة في العقليات والقرمطة في النقليات.
فابن تيمية وابن خلدون كما يقول أبو يعرب :( أن هذين الفيلسوفين بوصفهما غاية ما قبل الانحطاط وبداية ما بعده، مثَّلا الجسر الذي جعل جبر الكسر في الفكر العربي الإسلامي جبراً فلسفياً كلامياً يكون ممكناً على أسس عميقة هي أعمق ما في الفكر الفلسفي (عامَّةً) أنطولوجياً وابستمولوجياً، كما أنهما بفعل هذا الجبر جعلا الربط بالفكر الغربي المعاصر لنا يصبح ممكناً).
إن تجلية أبي يعرب المرزوقي لهذه القضايا وفق سياقات فلسفية تبين أثر منزلة الكلي في النظر والعمل، بشكل يغلب عليه الطابع البُنءيوي الذي لا يستبعد الطابع التاريخاني في تأثير الظرفيات عند قراءته للفكر الإنساني في المجال الفلسفي والديني، ولكن عمق التأثير البنيوي لهيكلية الفكر الفلسفي والديني نظريا وعمليا تجعل قراءته ذات تميز علمي وذات سبق فلسفي على المستوى العالمي.