بحث



الخميس 13 رمضان 1427هـ - 5أكتوبر 2006م - العدد 13982

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


السيرة النزارية!

بيروت - مكتب "الرياض" جهاد فاضل:
    كان الشاعر الكبير الراحل نزار قباني يتطيّر من النقاد والباحثين. ولعله كتب سيرته الذاتية وتجربته الشعرية من أجل قطع الطريق عليهم وتخفيف أذاهم عنه أكبر قدر ممكن. كانت وجهة نظره أنه إذا فارق هذه الدنيا دون أن يكتب سيرته فسيقع في شر مستطير، ذلك أن الآخرين سيتصدّون لكتابتها على هواهم.. سيلعبون أسوأ لعب بها وسيشوّهونها لذلك فوّت على الباحثين والنقاد هذه الفرصة، ووجّههم ضمناً نحو آخرين غفلوا عن كتابة سيرهم الذاتية في طليعتهم عدوّه اللدود عبدالوهاب البياتي..

ولفرط تطيّره من النقاد والباحثين لم يتورّع عن كتابة حواراته مع الصحفيين بنفسه. كان يضع الحوار بكامله: أسئلة وأجوبة ومقدمة. وكثيراً ما وضع جوانب من سيرته الذاتية على لسان سواه.. يكتب بعضاً من هذه السيرة بنفسه ثم يذيله بتوقيع آخر، أو آخرين.. وما ذاك إلا لترسيخ صورة معينة له، ومنع الآخرين من أن يجتهدوا حولها، أو يشوّهوا، وكأن ما كتبه هو عن نفسه يؤلف قراراً غير قابل للنقض، أو رواية لا يطالها الباطل، ولا تجوز عليها إضافة أو إعادة النظر..

وتأكيداً لوجهة النظر هذه، نحيل إلى كتاب له عنوانه "من أوراقي المجهولة سيرة ذاتية ثانية" فقد ورد فيه حرفياً: "أريد أن أكتب قصتي مع الشعر قبل أن يكتبها أحد غيري.. أريد أن أرسم وجهي بيدي، إذ لا أحد يستطيع أن يرسم وجهي أحسن مني.. أريد أن أكشف الستائر عن نفسي بنفسي، قبل أن يقصّني النقاد ويفصّلوني على هواهم، قبل أن يخترعوني من جديد. ان ثلاثة أرباع الشعراء من فيرجيل إلى شكسبير إلى دانتي إلى المتنبي هم من اختراع النقاد، أو من شغلهم وتطريزهم على الأقل. ولأني لا أريد أن أدخل غرفة العمليات، واسلّم جسدي إلى مباضع الناقدين، قررت أن أظهر على المسرح بوجهي الطبيعي، وأتوجه إلى الجمهور مباشرة بغير وسطاء، وإعلانات حائط، وشباك تذاكر".

بهذا النص يلغي الشاعر وظيفة أساسية في الأدب هي وظيفة النقاد والباحثين.. فقد أوصى جمهوره بألا يستمع إلى هؤلاء، وبأن يصغي إليه وحده. لقد قرر عدم الدخول إلى غرفة العمليات النقدية، كما قرر رسم وجهه بيده إذ لا أحد يستطيع أن يرسم وجهه أحسن منه. وهذا ما لا يستطيعه الناس عادة، أو ما لا يملكونه كاملاً لأن للآخرين "رسمهم" أيضاً، أو رأيهم.. وما يكتبه المرء في باب سيرته الذاتية ليس له في الأعم الأغلب تلك الحجية المطلقة، كما يقول الحقوقيون.

فما هو في الوقع سوى مستند قد يطغى فيه الهوى والغرض على النزاهة والموضوعية. وكثيراً ما نقضت مستندات أخرى هذا المستند الذي ظن صاحبه أنه كباخرة التيتانيك التي تصور بُناتها أنها لا تحرق ولا تغرق، فغرقت عند أول إبحار لها من شواطئ أوروبا باتجاه أميركا..

وللتدليل على صحة هذا النظر، نشير إلى أن الكثير مما كتبه نزار في باب سيرته الذاتية، قد نُقض فيما بعد وهُجر.. من ذلك ما ذكره حول سبب انتحار المرحومة شقيقته.. فقد قال انها انتحرت لأن أسرتها منعتها من الزواج ممن أحبته، وإنها بالتالي شهيدة العشق. وقد بادر إلى تصحيح هذه الرواية لا ناقد فظ، أو باحث دعيّ، بل صديقة قديمة له ارتبط اسمها به في صباها وكتبت عنه كتاباً (أيام معه) كما تحدثت عنه بحب مراراً بعد وفاته. فقد قالت كوليت خوري مرة في إحدى الفضائيات ان ما كتبه نزار حول ظروف انتحار شقيقته لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة. ولأنها تعرف ظروف تلك المأساة معرفة دقيقة بحكم صداقة أسرتها وأسرة نزار فقد أكدت أن شقيقة نزار انتحرت لأن من أحبّته تركها إلى فتاة أخرى وتزوجها.. فهي لم تنتحر لأن أسرتها حالت دون زواجها ممن أحبت، بل لأن هذا الذي أحبته فضّل سواها عليها. ومن غريب ما روته حول هذه الحادثة ان الشخص الذي ترك شقيقة نزار إلى سواها انتحرت ابنته الصبية لاحقاً لنفس السبب الذي انتحرت من أجله شقيقة الشاعر، أي لأن من أحبّته نقض عهوده معها وتزوج أخرى!

كان نزار إذن "يفصّل" و"يخيّط" ثوبه، أو صورته، على هواه، لا على مقاس الحقيقة والواقع، وكأنه يكتب قصيدة لا سيرة ذاتية. في القصيدة يمكن للشاعر أن يلجأ إلى تصوير ما يشاء وأن يستخدم من الصور أغربها وأبعدها عن الواقع. ولكن السيرة الذاتية أمر آخر. فهي نثر لا شعر. صحيح أن بامكان الشاعر، أو سواه، أن يلوّنها بألوان مختلفة، وأن يضمنها أحياناً كثيرة صوراً ورؤى شعرية وأدبية، إلا أنها في النهاية سيرة لا شعر.. سيرة بعيدة على الخصوص عن الغش والكذب وبخاصة في الوقائع التي حصلت بالفعل.

ويبدو أن كوليت خوري أخذت على نفسها تصحيح جوانب كثيرة في سيرة نزار غير حكاية شقيقته. فقد ذكرت في ندوة دعت إليها مؤخراً وزارة الثقافة في دمشق أنها بصدد طباعة كتاب يتضمن ثلاثين رسالة أرسلها إليها نزار بعد قصة حب جمعتهما، وأنها ستنشر هذه الرسائل وفق تسلسلها الزمني، كما سترفقها بست عشرة رسالة كانت تبادلتها مع نزار، وقد حصلت عليها من ابنة الشاعر هدباء قباني. وقالت كوليت: "لقد بادلت نزاراً الحب بشغف، لكنني لم أستطع تحمل بعض تصرفاته. ولهذا هجرته وسافرت إلى أميركا، وسافر هو إلى الصين، وأضافت: أعتقد أنني كنت فتاة أحلامه. ورسائله إلي تفصح عن إنسان عاطفي ينضح بالحزن. لم يكن يفهمه أحد سواي، وكانت سطوره معرّشة ببخور الكلام".

ولاشك أن من شأن نشر هذه الرسائل ما يضيف الكثير إلى سيرة الشاعر، وبخاصة في مرحلة صباه. كما أن من شأن ما سترويه في مقدمتها لهذه الرسائل، أو في وضعها سيرة جديدة لمكاتبها مع الشاعر، ما يُغني السيرة الأصلية وما يضخّ فيها دماً جديداً.

على ان أكثر من فارق الحقيقة وأضاع الطريق إليها في موضوع سيرة نزار، كان الباحث الجزائري احمد حيدوش الذي حاول في ندوة دمشق عن نزار توثيق سيرة الشاعر مستنبطاً اياها من قصائده.. ذلك ان محاولة توثيق سيرة نزار عن طريق استنباطها من قصائده سيقضي قضاء تاماً على امكانية التعرف على السيرة الحقيقية أو الواقعية لصاحب هذه القصائد.. تقدّم القصائد النزارية صاحبها على أنه "دون جوان"، أو على الأصح، زير نساء، يفصّل من جلد النساء عباءته، ويبني أبراجاً من حلماتهن. وهو دون جوان مشتبك مع النساء في معارك يومية لا تنقطع، ولا همّ له في هذه الدنيا سوى المغامرات والتنقل من واحدة إلى أخرى. هذه هي صورة نزار، أو سيرته، كما تفصح عنها قصائده. وفي اعتقادي انه لا توجد صورة مزورة عن نزار، كهذه الصورة التي أشاعها هو عن نفسه في قصائده.. فنزار كان شخصاً آخر تماماً، وقد تكشف كتابات لاحقة في المستقبل عنه أن عدد مغامراته العاطفية كان محدوداً جداً.. يؤيد هذا النظر ما ورد عنه في كلمة ابنته هدباء قباني في كتاب احتفالي عنه. وسواء كانت هذه الكلمة من وضع نزار نفسه، أو من وضع هدباء نظراً للتشابه أو للتماثل التام في الأسلوب، فقد ورد في هذه الكلمة ما يلي: "الذين يقرأون شعر أبي، ولاسيما دواوينه الأولى، يتصورون أنه دون جوان عصره، وجامع نساء، وان حياته مبعثرة على أرصفة الليل والمقاهي والكباريهات.. انها كذبة كبيرة روّجتها عنه صحافة التابلويد والفضائح، حتى انني كنت أمازحه دائماً بقولي: سوف أفضحك يوماً، إذ سأقول للناس كم أنت نقي، وعذري، و"بيتوتي"، تنام الساعة السادسة مساء وتنهض مع أذان الفجر.. وكم أنت نظيف ونظامي، ومعتزل ضوضاء الحياة الاجتماعية. فلا ليالي حمراء، ولا زرقاء، ولا صفراء، ولا من يسهرون، ولا تسكع ولا من يتسكعون".

ويمكنني أنا شخصياً، وقد عرفت الشاعر عن قرب سنوات طويلة إبان إقامته في العاصمة اللبنانية، أن أشهد بصفة "بيتوتيته" هذه وبكونه كان أبعد الناس عن المغامرات العاطفية والنسائية وبأنه ربما لم يعرف حياة الليل إلا قليلاً أو نادراً. وأستطيع أن أجزم بأنه كان يبتعد عامداً عن إقامة العلاقات العاطفية. فقد شاهدت الكثيرات ممن لا يملك المرء إلا الخضوع أو الاستجابة لإغرائهن، يتقربن منه،أو يتقصدن إقامة علاقات معه، وهو يرفض ويتمنع..

شاهدته أصفر الوجه، جزعاً أو خائفاً، والمرأة تحاول أن تقترب منه، أو تتقرّب.. لقد كان لديه ما يشبه الخوف أو الجزع من المرأة. وهذا إن دل على شيء، فعلى انه لم يكن ذلك الفاتك اللهج والنشط الذي تقدمه قصائده.. ولذلك لم يتجاوز الناقد المصري صلاح فضل الصواب عندما ردّ في ندوة دمشق على الباحث الجزائري بالقول إن السيرة الذاتية تؤخذ من مصدر وحيد هو السيرة الذاتية، وإن ما يقوله الشاعر في قصائده قد يظهر محاطاً بالخيال والوهم!


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية