د. عبدالله إبراهيم
تقع أحداث رواية "سمر كلمات" لطالب الرفاعي، بكاملها، قبيل منتصف إحدى الليالي في قلب مدينة الكويت، حيث تتقاطع مسارات شخصياتها في شوارع المدينة دون أن تلتقي، ودون أن تنتهي إلى الأماكن التي قصدتها، فلقد غادرت أماكنها في الحادية عشرة ليلاً، وانطلقت في اتجاهات مختلفة، وانتهت أحداث الرواية في الحادية عشرة وسبع وعشرين دقيقة دون أن تصل إلى ما تريد من أهداف، ودون أن تلتقي، فقد التهم ليل المدينة الشخصيات وحكاياتها، وليس من ضابط لإيقاع الأحداث سوى عقارب الساعة، والإشارات الضوئية عند تقاطعات الطرق. وينبغي علينا أن نسأل لماذا تقع أحداث هذه الرواية ليلاً بعيداً عن الأنظار حيث المدينة شبه خالية، والناس نيام، ولماذا ظلت معظم الوقائع حبيسة في أذهان الشخصيات، والرغبات أسيرة في صدورها، وأعيد استذكارها في أثناء التجوال ليلاً في المدينة كنوع من التداعي الحر، أو الاستنكار؟
قبل أن نقترح الإجابة لنتذكر أن كتاباً عظيماً مثل "ألف ليلة وليلة" رويت حكاياته جميعها ليلاً، لتبقى سراً لا يباح لأحد سوى الملك. فشهرزاد تعلم أن حكاياتها غير مباحة كونها تتعلق بالمنطقة الاجتماعية المحظورة، والمسكوت عنها، فتصمت قبيل شروق الشمس، وتعلّق الحديث إلى الليلة الموالية؛ لأن المجتمع سيرى في تلك الحكايات سلسلة من الفضائح لا فائدة منها سوى إثارة الغرائز، وإيقاد الشهوات، فهي حكايات "سمر ليلي" للتسلية والترفيه، ولا هدف لها سوى ذلك من وجهة نظر الثقافة الرسمية. ولنضع في اعتبارنا أن عنوان رواية طالب الرفاعي "سمر كلمات" له صلة مباشرة أو غير مباشرة بذلك، فكأنها فصل من أسمار الليل الممنوعة التي لا ينبغي للمجتمع الحاضن لأحداثها أن يعرف تفاصيلها.
لم تكن حكايات شهر زاد بريئة، ولا شفافة، إنما حكايات اعتبارية ونفسية تمكنت بها شهرزاد أن تشفي شهريار من عصابيته المرضية القائلة بخيانة جنس النساء، ثم قتلهن قبيل بزوغ الشمس، لئلا يتاح لهن مخالطة أحد، فالعذرية دليل الإخلاص، وباقتراعها تنزلق المرأة إلى الخيانة، وعليه ينبغي حمايتها بقتلها قبيل الشروق، فلا ضامن للحفاظ على طهارتها غير الاجهاز عليها عند الفجر. هذا منطق أبوي ذكوري شديد الفاعلية في وسط المجتمع التقليدي وكان له تأثير كاسح في الأدب العربي القديم والحديث، ووجد ذروة لتجلياته في "ألف ليلة وليلة". لم تفلح شهرزاد - وهي تقايض الحياة بالسرد - في شفاء الملك من عصابيته القاتلة، فحسب، وإنما حببته بجنس النساء، وعاشت معه ألف ليلة وأنجبا ثلاثة أبناء، وفي النهاية شُفي المريض من علته، واعترف بخطئه، وقبل شهرزاد زوجة له وأماً لأطفاله، وبقيا معاً إلى أن جاء هادم اللذات، ومفرق الجماعات. وفي ليلة كانت شهرزاد تلازم حكاياتها ملازمة تامة، وتتابع مصائر شخصياتها، كما لازم مؤلف "سمر كلمات" شخصياته وأحداث روايته. وقبيل منتصف الليل تواروا جميعاً: المؤلف والشخصيات، وتُرك المتلقون في شوارع الكويت يبحثون عن الهدف من ظهور تلك الشخصيات ومؤلفها ليلاً دون أن يحسم أي مما انتدبوا أنفسهم له. فقد بقيت رغباتهم معلّقة في فضاء الليل باعتبارها مجرد رغبات وآمال؛ إذ لا سبيل لتحقيقها في ضوء النهار حيث تهيمن الأبوية على تفاصيل العلاقات والمصائر.
يريد كتاب "ألف ليلة وليلة" أن يبحث في المنطقة السرية للمجتمع الإسلامي التقليدي في القرون الوسطى، أي البحث عن العلاقات بين الجنسين، وفي ثقافة الإكراه الأبوية إذ تتحول المرأة إلى موضوع للمتعة العابرة، واللذة الجسدية السريعة، وليس المشاركة في الحياة، وهذه موضوعات يستبعدها المجتمع من وعيه، ويستعيدها بتفاصيلها في الأوعية. يتنكر لها نهاراً، ويتلذذ بسماعها ليلاً كأسمار خاصة، ولو رويت تلك الأحداث الحميمة تحت الشمس لانفضح أمر من يصغي إليها. لا يقبل مجتمع تقليدي أن يفضح نفسه، فهو يتوهم أنه المجتمع الصالح المكتمل، وتقاليده هي التقاليد الرشيدة، وبالإجمال فلا يمكن عرض أسرار المجتمع التقليدي تحت الضوء، ولهذا اختارت شهرزاد الليل لتكاشف مريضها شهريار بعلله بصورة غير مباشرة، فتسقيه الترياق الشافي ليلة بعد أخرى، إلى أن أنقذته من نفسه، وحمت عذارى المملكة من الفناء. لم تحتمل الثقافة الرسمية حكايات ألف ليلة وليلة، وعدّت غثة، وباردة، ومخجلة، وغير لائقة، وبسرعة وتبرّم مرّ على ذكرها فقط المسعودي وابن النديم، فقد طوتها الثقافة العالمة في زوايا النسيان كيلا تفتضح أسرارها، وتنتهك عيوبها، ينبغي الترفع عمّا هو لصيق بالأبعاد السرية للعلاقة بين الجنسين، فذلك أمر وقته الليل، ولا يجوز أن يعرض تحت الضوء.
أجد أن هذه الفكرة الأساسية هي الحاضنة لأحداث رواية "سمر كلمات" فالرواية تتضمن تشريحاً سردياً قاسياً لبنية المجتمع التقليدي الكويتي (وينطبق على غيره من المجتمعات التقليدية) وبخاصة فيما يخص العلاقة بين المرأة والرجل، فهي تفضح العلاقات القهرية في المجتمع الذي عصفت به الروح الاستهلاكية، وخدع نفسه على أنه مجتمع سعيد في علاقاته، لكنه متآكل من الادخل بعلاقات قسرية مهزوزة، لا يفصح أحد عنها، ولا يمكن الإعلان، لأنها تخدش الصورة البراقة له، ولهذا فالفضاء الليلي هو الخلفية المناسبة لطرح هذه القضية. تقترح الرواية علاقات موازية بين الجنسين غير علاقات الزواج، فقد فضح متن الرواية بكامله أن علاقات الزواج التي قررتها التقاليد الاجتماعية أفضت إلى سوء تفاهم، وسوء شراكة، ونزاع متواصل، وهدر للقيمة الإنسانية. تبدأ العلاقات بصورة طبيعية، وسرعان ما تنته نهايات سيئة، كل علاقة شرعية لا تلبث أن تنزلق إلى هاوية خصام، أو قرف، فتصبح قيداً بدل أن تكون شراكة. هذا ما وقع لكل الشخصيات الأساسية في الرواية "سمر، سليمان، عبير، جاسم، طالب، وريم" فكلها شخصيات تهرب من علاقات شرعية، أو تعاني منها، وترنو بأبصارها إلى علاقات موازية تشبع النقص النفسي والجسدي والذهني حيث أخفقت العلاقات الزوجية من تلبيتها، لأنها حولت تلك الذوات الإنسانية إلى رموز وظيفية غايتها الإنجاب والعمل فقط، دون أن يقع اهتمام بالقيم الجوانية للشخصيات التي هدرت رغباتها بذريعة الامتثال للتقاليد والقيم الاجتماعية.
موضوع نقد القيم الأبوية الداعمة للمجتمع التقليدي لم يسمح به بعد بصورة علنية في مجتمع الرواية، ولهذا ينبغي أن يقع عرضه ليلاً وفي نفوس حبيسة تنخرط في مغامرات فردية لوضع حلول شخصية لمشكلة يتعذر حلها أو مناقشتها أو طرحها أمام العموم. فكرة العلاقات الموازية تستفز المجتمع التقليدي الذي يريد أن يطمئن إلى أن أفراده امتثاليون أكثر مما هم فاعلون، فهو يتوهم انفراط العقد المقدس الناظم لأفراده، ولهذا فالنزاع المستشري في كامل صفحات الرواية هو نزاع بين "الفاعلية" و"الامتثالية". وهذا النزاع الذي يستحيل وضع حلّ له ينتهي بالشخصيات إلى إعلان رغبتها بالاستقلال عن ذلك المجتمع الذي يعيد صوغ خيارات أفراده طبقاً لتصورات لا تتصف بالكفاءة ولا توفر الحرية. وفي حال مضت الشخصيات في اختياراتها ينبغي أن تستبعد، وتنبذ، وتعدّ مارقة عن نظام القيم العامة. ولهذا لا تنتهي الرواية إلى تحقيق الفاعلية، إنما تكتفي بتعرية الامتثالية. لقد رسمت لنا حركة الشخصيات الأساسية - وهي التي تمثل المحرك السردي في الرواية: سمر، سليمان، طالب، وريم، وجاسم - صورة فعل مؤجل، وقرار مرجّأ، وتنتهي الرواية، والشخصيات تتحرك للقاءات خاصة، لكنها لا تلتقي.
تُدفع جميع الشخصيات لاتخاذ قراراتها دفعاً بسبب احساسها بعدم الراحة والأمان وفقدان التوازن في علاقاتها مع الآخرين، وبخاصة فيما له صلة بالعلاقات الزوجية. لم تختر أي من الشخصيات قراراً بحرية كاملة، إنما كان ذلك بسبب آخر، ففي الرواية نجد أنفسنا داخل شبكة معقدة من الزواجات التي لم تعد تفي بحاجات الشخصيات، فالتجارب المريرة، أو الرغبة بالتغيير إثر شيوع المال، تدفع بها إلى مصائر ترجح أفضلية العلاقات الموازية على العلاقات الرسمية، فالبيوت الزوجية ارتسمت في فضاء الرواية كأنها مصحات للمرضى مشحونة بالنزاعات اليومية، والمشاكل، والتناحرات، وكل ذلك يحتاج إلى علاج لا يفلح أحد في العثور عليه، ولا يستطيع أحد أن يقترحه، ولهذا تلوذ الشخصيات بحلول خارج المؤسسة الزوجية. تهرب من تلك المصحات لتطوف ليلاً وحيدة في شوارع المدينة، وتعيد سرد الأحداث لنفسها دون أن يكون هنالك مشارك لها، إلا المتلقي الذي يقبع خارج أحداث الرواية يتفرج، ويتفاعل، لكنه غير قادر على الانخراط في علم النص إلا على سبيل استخلاص العبرة من كل ذلك.
هذه الخلفية المضمرة تدفع بالشخصيات لاختيار مصائر بديلة، أو الرغبة في تلك المصائر عند عدم القدرة على تحقيقها، وهي خلفية لا يقبل المجتمع التقليدي الاعتراف بها. ينبغي أن تطوى بوصفها سراً شخصياً، وينبغي تزييف الحقائق، ولهذا فشيوع الطابع الاستهلاكي لحياة الشخصيات من ثروة، وسيارات، وبيوت فارهة، وأسفار، لا يخفي الشقاء الداخلي العميق، والتبرم المتواصل من نظام اجتماعي رافض لحرية أفراده، فالتفكك الأسري يلحق حياة وأسرة كل من سمر، وسليمان، وجاسم، وعبير، وهو يجتاح ضمناً حياة طالب وريم، فرغبة المغامرة، وادعاء المشاركة في كتابة رواية لا يخفي تحته بحثاً عن شخصية نظيرة لها الاهتمام نفسه، والذوق ذاته، وفي النهاية ينسى طالب - المؤلف أنه متّجه إلى شخصية متخيلة تساعده في تأليف رواية، إنه مشغول بفكرة اللقاء بإمرأة مختلفة. البحث عن علاقات موازية يصطدم ببنية اجتماعية رافضة، ولذلك تبقى الرغبة معلّقة في فضاء منتصف الليل حيث لم تزل تلك الشخصيات تجدّ في الوصول إلى أهدافها، ولن تصل في المستقبل القريب.
moc.meharbi-halludba.www