تخيل أن تكون عاجزاً عن الكلام.. ولست أقصد بأن تموت الكلمات على شفتيك، بل أعني ذلك حرفياً، تخيّل أن يكون تعبيرك مقيداً، لا تستطيع إلا اجترار بعض الكلمات، في حين تمدّ لك باقي الكلمات أذرعتها لاحتضانك.. فتشلّ حركتكَ أمامها. عندما تتأكد بأنك عاجز، لا تبخل بتخيّل نفسك متمرّغا في وحل الصمت، كل شيء حولك كتمثيلية قديمة جداً بلا أصوات، فقط أجساد تتحرك، لا تلمسُ حتّى روحَها. لأسهل عليك الأمر أكثر.. وأفتح آفاقك لخيال خصب أكثر.. تخيل أن تكون أصمّاً.. وأبكمَاً.
عندما تلمسء كلّ هذه المشاعر، وتتلمس هذهِ الأحاسيس، تجد نفسك مجبراً على التقدّم بأية مساعدة تستطيع تقديمها لهم كواجب إنساني يحتّم عليك ذلك. الكلمات هُنا تأمل أن تعبّر ولو بجزء بسيط عن واقع حال أفراد من مجتمعنا.. بيننا، قد يكونوا أولادنا.. بناتنا.. عماتنا أو أخوالنا، لا يهم من بالتحديد، المهم أنهم موجودون في كلّ مكان، والمهم أنّهم الآن في أمسّ الحاجة لنا، وأصواتهم المختنقة، ترجو كلّ يدٍ قادرة على تقديم يدِ المساعدة أن تبتهلَ لهم وتمدّها لتغدقَ عليهم العونء الذي يستحقونها.
الصمّ والبكم مُرهقون بيننا، لا يجاروننا، وهم بإعاقتهم البسيطة مقارنة بالإعاقات الأخرى، نجدهم يتعبون أكثر، وقدرتهم على التواصل تكَاد تكون معدومة، فتخيلوا أن يذهب من عمر كل واحد منهم 12سنة، وعندما يستلم شهادة الثانوية، تجد معلوماته اللغوية متواضعة، ولكي يواصل طريقه يلزمه دورة لتقوية اللغة العربية، وحتى عندما يعزم على أخذها، لا يجدها، فالأهالي يتعبون للحصول عليها ويفشلون، فأي منطقٍ لا يقبله العقل، فأين سنوات الدراسة وتعب الطالب والأهل معه ليجتاز مراحلها، لينتهي به الأمر محتاجاً لدورة في اللغة العربية؟!!
وحين يعزم على إتمام مشاور تعليمه، يصطدم بواقعٍ مرير، فرضناه عليهم، عندما يكتشف أن كلّ الجهات ترفضه، ولا تستقبله، فعندما أتحدث عن البنين، نجد أنّ كلية الاتصالات هيَ المنفذ الوحيد ليمروا من خلاله لمشوار التعليم العالي، ولكن الفرحة لا تدومُ كثيراً عندما يعلم أن المقاعد حُددت بعشرة فقط لكل دفعة. عشرة؟ من أصل كم؟ دفعة كاملة.. أين سيذهبون؟ أين ينتمون؟ أينَ هم من جامعة الإمام محمد بن سعود وجامعة الملك سعود؟ هم منّا وفينا وإهمالنا لهم ذنبٌ يتحملهُ كل شخص بيده صلاحيات تغيير هذا الوضع.
مساعدتهم والأخذ بيدهم، يتطلب أيضاً التفكير بصرف إعانات شهرية لهم، الشباب المتخرجون من الثانوية.. رجال، وبقاؤهم بدون إعانات تحمل حملهم ولو قليلاً عن أهليهم وهم يرونهم يتحولون عالات عليهم. فهذه الإعانات ستحل أزمات عوائل كثيرة وصمّ وبكم أكثر.
وعندما نمعن النظر أكثر، ونتأمل حالهم بشكلٍ أدق، نجد أنهم يفتقرون إلى الأندية الثقافية والشبابية التي من شأنها ملء عقولهم وأنفسهم بما يفيدهم وينفعهم، لتشحن طاقاتهم بكل ما يحتاجوه ليفجروا ابداعاتهم بيننا، ويكونوا بنّائين مثمرين.
وبالنهاية، يدٌ واحدة لا تصفق، نحتاجُ أن نتكاتف جميعاُ ونقدّم كلّ ما يمكن تقديمه لهم، هذا صوتٌ من بين أصوات كثيرة، تبحثُ عن أذن صاغية تستمع لها.. وعسى الله أن يديم عليكم تمام الصّحة والعافية.