في نظام الحياة وقانونها مواسم بيئية طبيعية، متكررة منتظمة، وفق ناموس بيئي طبيعي منتظم. فهناك مواسم المطر، وهناك مواسم الزرع، ومواسم الإنبات، ومواسم الإخصاب، ومواسم الانتاج، ومواسم الحصاد.. ولكل كائن حي يمشي على الأرض مواسمه.. أما الإنسان وهو المستخلف في الأرض فكل هذه المواسم له، يستفيدمنها حيث يشاء، وكيف يشاء. كما أن جسده الإنساني أيضاً له مواسمه، ومراحله، وفصوله.. وإذا كان الله قد قنن مواسم الكون في مواقيت محددة، ومضبوطة، يتغير بها ايقاع الكون ويخرج من رتابة الجمود إلى حالة التغير والتبدل التي تعطيه معنى الاستمرار، والديمومة، والحيوية.. فإن الله قد فرض على الإنسان المسلم موسماً خاصاً هو موسم العبادة، موسماً للتقشف، والزهد، والتهذيب.. موسماً يكبح فيه المرء شهوات الجسد من الأكل والشرب، فيأخذ الجسد راحة من وعثاء الأكل، والتبشم، والالتهام الذي يتعب أعضاء الجسد بالفرز، والإحراق، والامتصاص، والنفي والطرد.. وتخفيف استهلاك طاقته الحسية، وصرفها إلى طاقة روحية تبعث فيه الحيوية، والنشوة، والتأمل، والخروج من تضاريس الجسد، وحدوده، إلى فضاءات التفكير، والتأمل، والتدبر، وتحريك طاقات العقل، والنفس، والروح، وشحذها من الكلل المادي بطاقة الضوء والنور..
يظل الجسد عاماً كاملاً وهو يخوض في وحل المادة حتى يتكلس، ويتجمد، ويتحول إلى آلة تحركها عقارب الزمن بلا إرادة.. فكان حتماً لبقائه، وصلاحه، وصحته أن يتوقف قليلاً وأن يحرك العامل الأهم، العامل المجمد، وهو عامل الروح، وما ذلك إلا بعزله ولو قليلاً عن صخبه، وضجيجه، وأخذه إلى محطة من محطات التنظيف والصيانة.. أخذه إلى محطة العبادة.. عبادة الذي أوجده، والذي خلقه، والذي سواه فعدله..
كثير من البشر في غمرة الحياة ينسى من هو.. ولماذا هو موجود..؟ ومن الذي خلقه..؟ ولماذا خلق..؟ بل كثير من الناس يضرب صفحاً عن ذلك، ولا يريد الدخول فيه، أو التحدث عنه. كثير من الناس يحاول طرح الأسئلة حول نفسه، وحول وجوده، وحول الوجود من حوله.. ويجد في الهروب وتجاهل الأسئلة ملاذاً يؤوي إليه، فلا يكترث لشيء، ولا يعبأ بشيء إلا بالمزيد من الركض، والأكل، والشرب، ثم الموت.
ولو فرضنا أن الإنسان خلق فقط ليأكل وليموت كما يموت الحمار، لاعتبرنا أن الحياة لا تستحق أن نعيشها، وانها أتفه من أن نبقى بها لحظة واحدة، ولكنه من المستحيل أن تكون الحياة كذلك، وأن يكون الوجود كله عبثاً في عبث، وفوضى لا ضابط لها، ولا قانون لها.. لأن كل ما في الكون يدل على أن الحياة خلقت لسر عظيم، وحكمة بالغة، فالله سبحانه وتعالى خلق الحياة وخلق الكون خلقاً بديعاً، رائعاً، دقيقاً، مقدراً، موزوناً: { إنا كل شيء خلقناه بقدر}.. وخلق الإنسان وأعد له كوكبه الأرض اعداداً متقناً.. جعل له الأرض منزلاً مرتباً، جميلاً، رائعاً، نظيفاً، منظماً، منضبطاً له كل مقومات الحياة، وأنواع الجمال المبهر. شمس تشرق كل يوم تملأ الدنيا ضياءً، وحبوراً، وحرارة تغذي الكائنات بالطاقة. وهي ساعة يومية منضبطة لا تتأخر لحظة، ولا تتقدم لحظة عن موعد شروقها أو غروبها.. وقمر مضيء يملأ الليل بهجة، وسحراً، وضياءً، وهو ساعة شهرية منضبطة في سيرها الأزلي.. وكواكب ونجوم ليلية، وشهرية، وفصلية، وسنوية، ودهرية، زينة للسماء، وعلامات للمواسم، والفصول، وهداية للسائرين في الأرض، والبحر.. محيطات، وأنهار، وبحيرات، وغابات، وجنات من الأشجار المثمرة.. وصحارى وقفار تثير الغبار الذي يلفح السماء.. سحب تمطر وأرض تنبت.. وفصول مختلفة، صيف، وشتاء، وربيع، وخريف.. جبال مكللة بالغابات، وجبال مكللة بالثلوج، وأخرى عارية تلوح فيها أضواء الشموس.. فواكه مختلفة الألوان، والإطعام، وزهور مبهجة، عذبة الرائحة مختلفة الطيوب.. كون منضبط، حرارة موزونة، وأكسجين موزون، ونتروجين، وثاني أكسيد الكربون، وغلاف جوي يحمي الأرض من الأشعة الضارة، ومن النيازك، والنجوم المدمرة، التي تتحول إلى غبار بمجرد ملامستها له..
جاذبية تمسك الكائنات على الأرض وتحدد قيامها، وقعودها، وسيرها، وتربطها بحبل التوازن الذي يحفظها من الانفلات، والشرود.
حيوانات مختلفة الأحجام والطباع، والقدرات، والوظائف، منها ما يعوم في الماء، ومنها ما يطير في السماء، ومنها ما يمشي على الأرض.
كل هذه الأشياء البديعة الرائعة أوجدها الله في هذا المنزل "الأرض" وسلمها للإنسان وقال: هي لك فاعبدني، واشكرني، ولا تكفر بي.. وزيادة على هذا كله أعطاه العقل، والبصيرة، وبعث فيه ومنه رسلاً يبينون له طريق الحق، والرشد، والصواب من أجل شكر الله، وعدم الطغيان في الأرض وإفسادها.. وقد أعطاه حريته وكامل تصرفه، وحمله الأمانة، وقال: خلقت لك كل شيء، وخلقتك لطاعتي..
قلت في البداية أن لكل شيء مواسمه.. ورمضان موسم عبادة، موسم تبتل، وتقرب، وتأمل، وتفكر في الله وفي بديع صنعه.. وكلما تفكر الإنسان وتدبر ازداد ايمانه.. والايمان بالله يزداد وينقص، فالتفكر والعبادة رياضة الايمان التي تزيده وتجعله دائم القوة، مستمر الوجود: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا..} أي ازدادوا ايماناً. وقوله تعالى: {ويزاد الذين آمنوا ايماناً}.. ولا يزداد الايمان إلا بالعبادة والاتجاه إلى الله، وإراحة الجسد والعقل من هموم الدنيا إلى هموم الآخرة، ومن الشراء والبيع والتكالب على المادة، إلى زيادة رصيد المرء من معرفة الله والتقرب إليه، والاحساس به، والاتكال عليه في السراء والضراء، والخير والشر.. بهذا يكون الإنسان أحكم توازنه، وصارت حياته ذات معنى، وذات يقين، وصار إلى الهدوء، والطمأنينة، والسكينة، أقرب منه إلى الشقاء والخوف، والقلق، والاضطراب.
رمضان موسم مغفرة حتى لأولئك الذين يسرفون على أنفسهم في ارتكاب الخطايا، والذنوب، والمعاصي فربهم أرحم بهم، ان هم تقربوا إليه: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً}.
انها بشرى.. وهدية مغفرة للمؤمنين.. وللعصاة التائبين..
1
صدقبت استاذ عبدالله :
(رمضان موسم مغفرة حتى لأولئك الذين يسرفون على أنفسهم في ارتكاب الخطايا، والذنوب، والمعاصي فربهم أرحم بهم، ان هم تقربوا إليه: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً}.
انها بشرى.. وهدية مغفرة للمؤمنين.. وللعصاة التائبين..)).
اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه
وارنا الباططل باطلا وارزقنا اجتنابه.
سمير - زائر
06:20 صباحاً 2006/09/29
2
فعلا اخي انه لرب عظيم
اظركيف خلق هذا الكون باتقان محكم
بارك الله فيك وجعلك من اولياءه
محمد الحقيل - زائر
07:42 صباحاً 2006/09/29
3
السلام عليكم
صباح الخير..كاتبنا الرائع..
مااجمل ماكتبته استاذي..
فعلا" انه شهر روحاني..
تحياتي
بنان - زائر
11:01 صباحاً 2006/09/29
4
أستاذي القدير / عبدالله الناصر
تحية تقدير لك ولقلمك السيال، كم نحن بحاجة إلى كتاب أمثالك يجمعون بين وضوح الفكرة وجمال الأسلوب
بارك الله فيك ومزيد من الإبداع والتألق
sahlisa@hotmail.com
عبدالله السهلي - زائر
01:03 مساءً 2006/09/29
5
رفع الله قدرك واعلى منزلتك يا استاذنا الكريم.
فهد - زائر
02:35 مساءً 2006/09/29
6
نشكرك على ماكتبت وحقيقية في هذا الزمن كثر الفتن ولابد ان ينظر الانسان الى ماحوله من فتن ومن غزو من الغرب في حياتنا وان يضع ان مصير هذه الحياه للفناء ليس للبقاء وان يستغل هذا الشهر للعباده وان يفتح لنفسه توبه لايضمن الانسان ان يعيش الى رمضان القادم ونجدد الشكر الاستاذ عبدالله الناصر على ماكتب وجعله الله في ميزان اعماله
ابوعمـــــــــــــــــــــاد - زائر
04:59 مساءً 2006/09/29
7
جزاك الله كل خير أيها الكاتب المتألق دائما
صالحه الهلالي - زائر
12:17 صباحاً 2006/09/30
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة