الرئيسية > مقالات اليوم

دارفور ومستقبل التسوية السلمية


عبدالجليل زيد المرهون

؟ يقول الأمين العام للأمم المتحدة في مقال له حول دارفور، نشره عدد من الصحف العربية والعالمية في 71أيلول سبتمبر الماضي : لقد جلبت الصدامات الأخيرة المزيد من التعاسة لشعب دارفور الذي تحمل بالفعل ما يفوق قدرته على الاحتمال بما لا يقاس.إن عدد الأشخاص الذين أبعدوا عن ديارهم يصل الآن إلى 1.9مليون شخص، كما أن هناك 3ملايين شخص يعتمدون على المساعدة الدولية من أجل الحصول على الطعام والغذاء والعلاج الطبي، علاوة على أن موظفي الإغاثة قد أصبحوا وبشكل متزايد هدفاً للعنف إلى درجة أن 21منهم قد لقوا حتفهم خلال الشهرين الماضيين فقط.

ودعا عنان الحكومة السودانية إلى قبول قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 6071الذي يقضي بنشر قوات دولية للقيام بعملية لحفظ السلام، أكثر تجهيزاً وأفضل تمويلاً من القوات التي تضطلع بتنفيذ مهمة الاتحاد الأفريقي الحالية، علاوة على أنه سيكون لديها تفويض أكثر وضوحاً بحماية هؤلاء المعرضين للخطر.

يقول عنان: ليس هناك حل عسكري للأزمة في دارفور، ويجب أن تكون جميع الأطراف قد أدركت ذلك الآن بعد كل هذا الخراب والدمار والموت، وأن تدرك أيضاً أن الاتفاقية السياسية التي ينخرط فيها كل أصحاب المصلحة، وبشكل كامل، هي وحدها الكفيلة بإقرار السلام الحقيقي في المنطقة.

وقد اتفق عنان ووزير الخارجية السوداني لام أكول على استمرار الحوار لتفادي مواجهة محتملة بين الخرطوم والمجتمع الدولي، خلال محادثات بينهما في نيويورك هذا الشهر ركزت على القرار الرقم

6071.وطلب أكول من عنان لعب دور ايجابي في تحقيق الأمن والاستقرار في الإقليم، عبر ممارسة ضغوط على متمردي جبهة الخلاص الوطني وحملهم على الانضمام إلى عملية السلام، وعدم إرسال اشارات سلبية تعطل فرص التسوية.

بيد أن عنان جدد مطالبته الخرطوم بقبول القرار 6071ووعد بمنحها ضمانات كافية لطمأنتها بأن الأمم المتحدة تحترم سيادة السودان ولا تعتزم فرض أي نوع من الوصاية عليه أو التدخل في شؤونه.

وقد نص القرار 6071بأن يبدأ نشر عناصر القوة الدولية في موعد لا يتجاوز 1تشرين الأول أكتوبر 6002وأن يجري بعد ذلك، كجزء من عملية الانتقال إلى عملية للأمم المتحدة، نشر قدرات إضافية في أقرب وقت مستطاع عمليا، وأن تنتقل مسؤولية دعم تنفيذ اتفاق دارفور للسلام من بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان إلى بعثة الأمم المتحدة في السودان عند انتهاء ولاية بعثة الاتحاد الأفريقي، وعلى ألا يتجاوز ذلك في جميع الأحوال 13كانون الأول - ديسمبر 6002.وينص القرار 6071في بنده السابع على أن يتخذ الأمين العام الخطوات اللازمة لتعزيز بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان من خلال استخدام موارد الأمم المتحدة القائمة والإضافية بهدف الانتقال إلى عملية للأمم المتحدة في دارفور، ويأذن للأمين العام خلال هذه الفترة الانتقالية بتقديم الدعم طويل الأجل إلى بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان، بما في ذلك توفير الأصول الجوية، ومعدات التنقل البري، والتدريب، والدعم الهندسي واللوجستي، وقدرات الاتصالات المتنقلة، وتوفير مساعدة إعلامية واسعة.

وينص القرار على تعزيز قوام بعثة الأمم المتحدة في السودان بعدد يصل إلى 00371من الأفراد العسكريين وبعنصر مدني مناسب يشمل عددا يصل إلى 0033من الشرطة المدنية، وعددا يصل إلى 61من وحدات الشرطة المشكلة، ويعرب عن تصميمه على إبقاء قوام البعثة وهيكلها قيد الاستعراض المنتظم، آخذا في الحسبان تطور الحالة في الميدان، ودون المساس بما تضطلع به البعثة حاليا من عمليات وولاية على النحو المنصوص في القرار 0951الصادر في العام 5002ويضع البند (21) القرار تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فيقرر الإذن للبعثة الدولية باستعمال جميع الوسائل اللازمة، في مناطق انتشار قواتها وحسبما تراه في حدود قدراتها.

وحسب البند الثامن من القرار، فان ولاية بعثة الأمم المتحدة في السودان العاملة في دارفور تتمثل في دعم تنفيذ اتفاق دارفور للسلام المؤرخ 5آيار مايو 6002واتفاق انجامينا بشأن وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية في الصراع الدائر في دارفور ("الاتفاقان").

ويدعو البند (41) من القرار كافة الأطراف في اتفاق دارفور للسلام إلى احترام التزاماتها وتنفيذ الاتفاق دون تأخير، ويحث الأطراف التي لم توقع الاتفاق بعد على أن تفعل ذلك دون تأخير، وألا تتصرف على أي نحو يعيق تنفيذ الاتفاق، ويؤكد مجددا عزمه على أن يتخذ، لأسباب منها الاستجابة لطلب من الاتحاد الأفريقي، تدابير قوية وفعالة، من قبيل تجميد الأصول أو حظر السفر، في حق أي فرد أو جماعة تنتهك اتفاق دارفور للسلام أو تحاول منع تنفيذه أو ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان.

ويعد إقليم دارفور أكبر أقاليم السودان، وهو يقع على حدوده الغربية مع ليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى. وقد انقسم إقليم دارفور منذ عام 4991إلى ثلاثة أقسام هي الجنوب والغرب والشمال. وأما الجماعات العرقية المهيمنة في غربيّ دارفور فهي جماعتا المساليت والفور، وكثيراً ما توحد أفرادها عن طريق التزاوج بالعرب وبغيرهم من الأفارقة. ويعتبر غربي دارفور، الذي يزيد عدد سكانه على 1.7مليون نسمة، إقليماً مختلط الأعراق، وإن كانت للجماعات الإفريقية الغلبة العددية فيه.

وقد تضافرت عدة عوامل في العقود الأخيرة، منها فترات القحط المديدة، والتنافس على الموارد المتضائلة، وانعدام الحكم الرشيد والديموقراطية، وسهولة الحصول على الأسلحة النارية، فازدادت إراقة الدماء في المنازعات المحلية، وازداد اصطباغها بالطابع السياسي. كما أن حكومة الرئيس عمر البشير قامت في العام 4991بإعادة تنظيم إداري واسع النطاق في إقليم دارفور، منحت بمقتضاه أفراد الجماعات العربية مناصب جديدة في السلطة، وهو ما رأته طائفة مساليت، وكذلك طائفتا فور وزغاوة المجاورتان لها، بمثابة محاولة لتقويض دورها القيادي التقليدي وما تتمتع به مجتمعاتها المحلية في وطنها.

ولقد تصاعد في شباط فبراير 3002عندما قامت طائفتان من المتمردين هما "جيش تحرير السودان"، و"حركة العدالة والمساواة"، اللتان ينتمي أعضاؤهما إلى طوائف فور ومساليت وزغاوة العرقية، بالمطالبة بوضع حد للتهميش الاقتصادي المزمن، والسعي إلى تقاسم السلطة مع الدولة السودانية.كما طالب هؤلاء الحكومة بالتدخل لوقف انتهاكات منافسيهم.

ولقد أُفرغت الحرب ريف الإقليم من سكانه الأصليين من طائفتي مساليت وفور، باستثناءات نادرة، بل إن كل ما يلزم للعيش والبقاء - كالثروة الحيوانية والمخزونات الغذائية، والآبار ومضخات المياه قد تعرض إما للسلب والنهب أو للدمار والخراب.وأدى وجود ميليشيات جنجويد في المناطق الريفية التي أُحرقت، وفي القرى التي أتت عليها النار فهجرها أهلها، إلى نزوح المدنيين إلى المخيمات والمستوطنات المقامة خارج البلدان الكبيرة.

وقد ربحت الخرطوم الجولة الأولى من المواجهة الخاصة بتنفيذ القرار 6071، فبسبب رفض الحكومة السودانية للقرار المذكور الذي صدر تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، جرى البحث على المستوى الدولي في التمديد لقوات الاتحاد الافريقي حتى نهاية السنة الجارية.وهو ما حدث فعلا، والعمل على إقناع السودان بقبول نشر القوات الدولية مطلع العام المقبل، وهو الأمر الذي لا يبدو مرجحا حتى الآن.

وكان أمام مجلس الأمن أن يجبر السودان على قبول نشر القوات الدولية بالقوة، مثلما ينص البند السابع الذي وضع تحته القرار، أو أن يلتزم نص القرار الذي اشترط الموافقة المسبقة لحكومة الخرطوم، وهذا الذي حدث.

ويحمل صدور القرار تحت الفصل السابع، وربط تنفيذه بموافقة الحكومة السودانية عليه، تناقضا صارخا. فمن جهة، هناك التهديد باللجوء إلى القوة، ومن الجهة الأخرى جرى تضمين نص القرار كل الضوابط الكفيلة بنزع فتيل التوتر مع الخرطوم، خصوصا لجهة احترام السيادة.

واستخدمت الحكومة السودانية الحق الذي خوله إياها القرار، لجهة الموافقة المسبقة، ورفضت القرار، ولم تفلح معها كل صنوف الترغيب والترهيب لتقبل بنشر قوات دولية في الموعد الذي حدده القرار. وهي خالفت التوقعات التي كانت ترى أنها ستقبل نوعا من المقايضة التي طرحتها واشنطن، والتي يتم بمقتضاها قبول السودان بنشر القوات الدولية مقابل عقد لقاء على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بين الرئيسين الأميركي جورج بوش والسوداني عمر البشير، يكون فاتحة لتطبيع العلاقات بين البلدين، ومنح السودان مزايا تفضيلية على المستوى الاقتصادي.

فبعد عودته الأخيرة من نيويورك، قطع البشير الطريق أمام أي احتمال بإمكان قبوله القرار 6071حتى وإن عُدّل. وأعلن تشكيل لجان سياسية وعسكرية واقتصادية لمناهضته. واتهم علناً للمرة الأولى اريتريا وتشاد بدعم متمردي "جبهة الخلاص الوطني" التي تقاتل حكومته في دارفور، وقرر تقييد حركة الديبلوماسيين والمسؤولين الأميركيين بجعل وجودهم مقتصرا على الخرطوم فقط، وعلى مسافة 52كيلومتراً من مقر القصر الرئاسي في وسط العاصمة، وذلك رداً على قيود مماثلة فرضت على المسؤولين السودانيين في الولايات المتحدة.وكشف البشير تقييد حركته في نيويورك بقانون مماثل خلال زيارته الأخيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي السياق ذاته، قال وزير الدفاع السوداني عبد الرحيم محمد حسين إن "أي دولة تريد إرسال قوات دولية للسودان في ظل القرار 6071دون موافقة الدولة فهو إعلان حرب ولا خيار غير ذلك".

واعتبر أن إرسال قوات دولية إلى الإقليم يهدم اتفاقية ابوجا التي وقعها ثلاثة أطراف هي: الحكومة السودانية والاتحاد الافريقي وحركات التحرر، والتي حددت دور كل طرف والأدوار المشتركة.

وقال عبد الرحيم إن "الشعب السوداني في ظل هذا المخطط ليس له خيار سوى الدفاع عن وطنه ومقاومة هذه القوات". وقلل من جدية تطبيق القرار في كانون الثاني - يناير المقبل، وقال ان "انتشار القوات الدولية بعد 13كانون الأول - ديسمبر سيذهب مع الريح كما ذهب تطبيقه مع الريح في 03أيلول - سبتمبر. وأكد انه في حال تطبيق القرار فسيتم الإعلان عن تعبئة عامة لمقاومة القوات الدولية".

وقد وافق الاتحاد الأفريقي على إبقاء قواته التي يبلغ قوامها نحو 0007جندي ومراقب حتى نهاية العام الجاري للمساعدة في وقف التدهور الأمني في الإقليم، وطلب الاتحاد مساعدة من الأمم المتحدة وأموالاً من الجامعة العربية.

لكن القوة الأفريقية كانت غير قادرة على منع أعمال العنف التي أدت إلى تشريد 2.5مليون من منازلهم وخلفت عددا يقدر بنحو 002ألف قتيل منذ عام

3002.وقال مسؤولون أن الأمم المتحدة أبلغت السودان يوم الثلاثاء الماضي بأنها سترسل خبراء عسكريين إلى دارفور لمساعدة قوة الاتحاد الافريقي وهو اجراء يحتاج إلى تأييد الخرطوم.

وكان المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفاني ديواريتش قد أعلن يوم الجمعة أن المنظمة الدولية ستنقل 501أفراد معظمهم خبراء عسكريون إلى الإقليم في الاسابيع القليلة القادمة لتولي تشغيل أجهزة الاتصالات والمساعدة في النقل توقعا لإرسال قوة تابعة للأمم المتحدة في نهاية المطاف.

وقال مسؤول الشؤون الأفريقية في دائرة حفظ السلام في الأمم المتحدة دميتري تيتوف إن الأمم المتحدة تدرس إمكان تعزيز القوات الأفريقية المنتشرة حالياً في دارفور بقوات من بلدان آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية وأميركا اللاتينية، مشيراً إلى أن روسيا تشارك بفعالية في هذه المهمة.

وقد برزت بعض الأصوات التى تدعو إلى طريق ثالث يجنب البلاد المواجهة مع المجتمع الدولى، ودخل المبعوث الشخصى لكوفى عنان في السودان يان برونك فى ملعب المبادرات بطرح مقترح باضافة بعض البنود لاتفاقية ابوجا لدفع الرافضين للتوقيع مع الدعوة إلى إعطاء العمل الدبلوماسى فرصته فى حل الازمة بين الطرفين. وفى إطار الحلول الداخلية ومحاولة البحث عن طريق ثالث نشطت المبادرة السودانية لتعزيز السلام فى دارفور فى إجراء اتصالات مكثفة بين أطراف النزاع فى الإقليم وتمخضت الاتصالات عن صياغة بروتوكول لالحاقه باتفاقية ابوجا لاقناع الحركات المسلحة الرافضة بالتوقيع، وقالت تقارير صحافية أن البروتوكول الذى صاغه د.اليكس ديوان مستشار الاتحاد الأفريقى بتكليف من لجنة المبادرة وجد القبول من جبهة الخلاص وحركة تحرير السودان، جناح عبدالواحد محمد نور، وحركة العدل والمساواة والتحالف الفيدرالى.

ويستند البروتوكول على اتفاقية ابوجا ويضيف لها قضية تعويضات المتأثرين بالحرب عبر لجنة تشكل من ممثلى كل الأطراف ومنظمات المجتمع المدنى لتحديد اجراءات التقديم للتعويضات فى دارفور، على أن تزيد الحكومة المبالغ المبدئية التى ضمنت فى صندوق التعويضات إلى مبلغ لايقل عن 001مليون دولار ووضع خطة لنزع سلاح الجنجويد، وحدد البروتكول نسب تمثيل الحركات فى لجان دستور ولايات دارفور.

وأخيرا، دار حديث عن مشروع عربي ينص على موافقة الخرطوم على نشر قوات دولية بشروط تتمثل في حق السودان في المطالبة بإخراج هذه القوات متى شعر أنها تمس سيادته أو تتدخل في شؤونه الداخلية.

وقد دعت الأمم المتحدة يوم الاثنين 94دولة يحتمل اسهامها بجنود في قوات الأمم المتحدة وتلقت بعض التعهدات بتقديم جنود مشاة من تنزانيا ونيجيريا وبنجلادش. ومن جهتها، عرضت النرويج تقديم 052من الخبراء في العمليات اللوجستية والمساهمة مع السويد في تقديم كتيبة من المهندسين.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة