الرئيسية > مقالات اليوم

على قامة الريح

الجوع أسوأ المتسوّقين !


فهد السلمان

؟ إذا كانوا يقولون إن الجوع هو أمهر الطبّاخين.. فإن الجوع أيضاً هو أسوأ المتسوقين.. خاصة في نهارات رمضان.. هذا ما يحدث مع الكثيرين !.

يقول أحدهم : اعتدتُ أن أزجي فترة ما بعد العصر في هذا الشهر الكريم باصطحاب أطفالي إلى أحد المراكز التموينية الكبرى.. أدفع عربتي أمامي.. أتوقف بين تلك الأرفف بمعروضاتها المتنوعة والتي تأخذ في هذا الشهر بالذات وضعا آخر يوحي أول ما يوحي كما لو أننا يجب أن نقتص من الصيام بزيادة الاستهلاك.. تمتدّ يدي هنا وهناك وبلا وعي ربما.. إلى تلك البضائع التي لا أشعر بضخامة حجمها إلا حينما أقترب من (الكاشير) مع ابتسامة العامل الذي يبادر إلى جرّ العربة سريعا إلى طاولة المحاسبة.. وكأنه يخشى أن أعيد التفكير في ما اشتريت.

أصل إلى البيت قبيل الغروب.. لتبدأ الخادمة بتفريغ الحمولة اليومية.. فيما لا يدور في ذهني غير شيء واحد.. وهو متى سيحل موعد الأذان لأتلذذ بتلك الأصناف التي أرى بعضها للمرّة الأولى.. بعبواتها التي تُسيل اللعاب.. لكنني سرعان ما أكتشف وبعد بضع تمرات أنني مارستُ حماقة التسوق مصطحبا معي أسوأ مستشار لهذه المهمة.. ألا وهو الجوع.

يحدثُ هذا في سوق الخضار والفاكهة، وفي مختلف الأسواق - والحديث لصديقي - لأكتشف لاحقا أنني اشتريتُ فاكهة لها لون الفاكهة الفخمة لكنها ليست فاكهة.. بعدما صادرت منها أساليب التسميد الكيماوي كل قيمتها الغذائية، ومنحتها حجما يفوق حجمها في الطبيعة.. لتبدو من حيث الشكل لذّة للآكلين في حين أنها في واقع الأمر لا تنفع حتى علفاً للحيوانات.

قلت له لا تأسف يا صديقي فكلنا ذلك الرجل.. والاستهلاك جزء ثابت وناجز في قيمنا الحديثة.. في رمضان وفي غير رمضان.. وأصحاب المتاجر ووكلاء السلع الاستهلاكية يُدركون تماما هذه النقيصة في سلوكياتنا اليومية.. ويتعاملون معها بحرفية عالية لدفع الناس نحو بضائعهم دفعا، وكأن ثمة عملية استقطاب مغناطيسي يُحرضهم على شرائها بصرف النظر عمّا بين القيمة والثمن.. بل بصرف النظر عن الحاجة إليها من عدمها، وإذا ما كانوا يستخدمون عامل الصيام ولا أقول الجوع في رمضان..

لترويض بعض تلك النفوس التي تتأبّى على الإغراء.. أو تفضّل إعادة حساباتها فيما تشتريه.. فإنهم غالبا ما يدفعون باتجاه خلق إحساس وهمي عندهم بخصوصية الطعام في هذا الشهر.. من خلال طرق عرض بعض تلك الأصناف على وجه التحديد.. ووضعها على الأرض في مرمى البصر.. أو حتى في طريق المتسوقين ليتعثروا بها إن لم يكونوا يرونها !.

ونحن كمستهلكين وتحت سطوة هذه الطرق التسويقية والدعائية.. ومع ضعف أدوات التوعية.. قد ننساق بلا أي تفكير لتنفيذ هذه اللعبة التجارية.. وحتى حينما نكتشف أننا خُدعنا فإننا ما نلبث في اليوم التالي أن نعود إليها طواعية.. لأن ثقافة الاستهلاك تتجذر في نفوسنا بشكل مرضي للأسف.

وإلاّ فما الذي يعنيه تدافع الناس إلى المتاجر مع صدور بيان الديوان الملكي عن ثبوت الرؤية.. وتلك الأحمال الثقيلة التي تحتضنها مخازن السيارات؟ كما لو كانوا مقبلين على مجاعة.. أوكأنما تلك البضائع ستنفد في الحال إن لم يُبادر المرء لأخذ نصيبه منها.. أو كأن تلك الساعات التي سيمضيها الناس صياما .. لا بدّ وأن يأخذوها مضاعفة في الأكل ليلا !!.

الغريب أننا لا نجد في طول مؤسسات البلاد وعرضها.. ولا مؤسسة واحدة أو حتى جمعية أهلية تُعنى بتوعية الناس في هذا الجانب.. حتى الإعلام لا يتعامل مع هذا الموضوع كما لو أنه ذات قيمة.. رغم أنه يضرب اقتصاديات معظم الأسر في الصميم.. ربما لأن حصار آلة الدعاية وقدراتها الاختراقية لمفاهيم البعض.. أدّت بالنتيجة لاستصغار مثل هذه الأمور.. رغم أهميتها.. وأنا على يقين من أن هنالك من سيمط شفتيه عند قراءة مثل هذا الموضوع على اعتبار أنه لا يُساوي الحبر الذي كتب فيه.. في حين أننا لو تأملنا كيف ينعكس هذا السلوك على مجمل معيشة الناس.. وكيف يتمدد وينمو إلى حدود بعيدة لأدركنا كم هو مهم.

صحيح هنالك جهة اسمها إدارة حماية المستهلك.. لكني لا أعرف لها دورا في هذا الشأن !.

أخيرا أنا أقول هذا الكلام وأنا مثل كثيرين غيري.. أحد الغارقين في ثقافة الاستهلاك حتى النخاع !.

لكن.. وطالما أن التسويق الآن أصبح علم اًيُدرّس في كليات متخصصة فلماذا إذن لا تتصدّى مناهج التعليم لتعليمنا ثقافة الادّخار؟.. كوسيلة مواجهة على الأقل؟.. حتى لا يظل التعليم منحازا لصالح التاجر على حساب المستهلك.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    الكاتب الرائع الأستاذ فهد صباح الخير
    نحن نعاني من قلة الوعي الإستهلاكي فتجدنا نأخذ فوق طاقتنا من كل شيء خصوصا المأكولات وفي النهايه المصير معروف سلفا إلى حاوية النفايات!
    يجب أن يكون لكل منا رقيب داخلي ولنكون عبرة لأطفالنا من الإسراف والإكتفاء بحاجتنا ( والسوق موجود )في حال وجود نقص. مع تحياتي
    fmsksar@hotmail.com

    محمد الفهد - زائر

    07:02 صباحاً 2006/09/29


  • 2
    أنا أعتقد أن التربيه في البيت والمدرسه هي الأساس فالكميات التي تشتريها الأم أو الاب للطفل هي البدايه فعندما يشتري الأب لعبة لإبنه لكي يتمتع بها يشتري معها ثلاث أو أربع أو أكثر فالطفل يحس أن الشخص لكي يشتري أي شيء يجب عليه أن يشتري معه أشياء، والأم عندما تجهز فطور الطفل للمدرسه تضع سندوتشه جبن وسندوتشه عسل وسندوتشه شيء آخر وعشرة ريالات لكي يرمي السنوتشات ويشتري من المقصف وعندما يصل الطفل للمدرسه ويفتح شنطه الفطور يحتار ثم يرمي الجميع في برميل النفايات ويذهب إلي المقصف ويشتري شبس ومشروب غازي، والمدرس أو المدرسه عندما تطلب من الطفل دفتر للكتابه تطلب أبو مئتين ورقه مع أن هذا الطفل لا يحتاج إلي أكثر من عشرين ورقه ومريول الطالبه يجب أن يسحب في الأرض لأكثر من نصف متر، هذا هو الذي خلق عندنا هذا النهم وهذا البذخ المذموم هذا بالنسبه للمتعلمين أما الكبار والذين لم يتربوا في المدارس فالتلفزيون والإعلام رباهم علي ذالك، والمسؤوليه معظمها تقع علي صاحبة البيت، أبعد الله عنا هذه النوعيات ورزقنا وإياكم القناعه وتقبل الله منا الصيام والقيام.

    سالم الزيد - زائر

    03:03 مساءً 2006/09/29


  • 3
    الهرولة على البطون !
    *أليس عجيباً ومتناقضاً مع طبيعة الوصف، أنه بمجرد ثبوت رؤية هلال شهر الصيام، نندفع بلا روية، نحو الأسواق لشراء المواد الغذائية !.
    * أختلف مع الكاتب الكبير فى وصف الجوع بأنه أسوأ المتسوقين، ذلك لأن الجوعان تشبعه وترضيه بضع لقيمات.
    * لكنه (النهم)، والبطنة، وشهوة الاستحواذ، وفراغة العين التى لا يملأها إلا التراب، هى التى تدفعنا إلى هذا العذاب !.
    * حتى أضحينا لانكاد نفرغ من تناول الإفطار حتى يسألنا الصغار والكبار عن وجبة السحور، وقبل أن يبدأ النهار، نهرول فى طريقنا لتحضير الفطار.
    * حقاً إننا نسير على بطوننا، ونفكر لها، ونسعى لامتلائها !.

    مجدى شلبى - زائر

    11:39 مساءً 2006/09/29


  • 4
    السلام عليكم..
    يجب تحديد خطه او قائمه لتحديد ما هو ينقص المنزل من طلبات..لا اذهب واشتري بحكم ان جوعي يسلطني...
    وانا استغرب كلمه مقاضي رمضان.. ف مالذي يفرق بين رمضان و شهر آخر؟!!

    نورة - زائر

    09:50 مساءً 2006/09/30



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة