
كثيراً ما يجد الباحثون شغفهم في تلك الأطلال المتناثرة على قمم الجبال الشاهقة في الباحة والتي غالباً ما تستهوي الأدباء، والشعراء، وعشاق الفن والتاريخ والأثر، فكما كان الشعراء في العصور القديمة يسائلون الأرض المقفرة، والأطلال البالية، والقيعان التي رحل منها أهلها وهجرها قطينها، ليدقق الشاعر النظر في بقايا المنازل المهجورة، أو حتى بعر الآرام في عرصاته كما فعل امرؤ القيس، بحثاً عن أثر قد يعيد له شيئاً من الذكريات أو رائحة من تراب الأهل والأحبة!! فقد كان الشاعر يقف على الديار البالية، ليقترئ الأطلال الخالية ويتتبع الأثر فيبكي على بقايا ركام الطلل، أو نسمة هواء تسوق إليه عبق الشيح، والخزامى، والنفل، أو رياحين الوادي، أو رائحة البن والهيل، ليشم رائحة الزمان والمكان..
وللوقوف على الأطلال، فإن لشعراء المستنبط الشعبي النصيب الوافر من البكاء على الأطلال، ولمحللي وأدباء ومحبي هذه الألوان دور ملموس في التباكي مع شعراء النظم بعد معايشة أحاسيسهم التي ترجمت في مفرداتهم المعبرة، بإيقاعاتها الصوتية الممزوجة بالحزن والأسى، وهذه الألوان متأصلة من ينابيع الشعر القديم، وتنفرد بخصوصيتها البيئية التي ولدت هذه الألحان الجميلة، مثل لون "الجبل" بموالاته الشهيرة التي كانت تصدح بها النساء ويرددها الرجال، أو شعر القاف (السامري) الذي تميزت به بادية منطقة الباحة، ومنها قول الشاعر عبدالله بن عايض الزهيري الغامدي وهو من أهم شعراء بادية منطقة الباحة الذين عاشوا في عصر الدولة السعودية الأولى ويقول في قصيدته التي تذكر فيها موقعاً يسمى (راس مسبار) أثناء مروره من هذا الموقع الذي دارت فيه حروب قديمة، وقد ارتبط المكان برائحة القهوة ورائحة الأهل في هذا الموقع مجرد رؤيته له، فأطلق عنان الخيال عبر قريحته المرهفة والتي أعادت الحياة لهذه المواقع المقفرة ومنها الخلفات (النوق) التي كانت تطمئن لوجود هذا الرجل وهي رمزية للأهل والأحباب، فقال:
دنو لي الدلة وشبو لي النار
ونجر عويله يذهن اللي هجوعي
عز الله اني لاشقر البن بيطار
ولا توافقني بعاض الصنوعي
يا كيف بن عايض على الكيف صبار
واثره إلى لاوذ صبور جزوعي
منين لي دله على جال منحار
واضحك واهرج لابسات الجزوعي
يا طول ماعديت في راس مسبار
واصبر على خرمه وشرب وجوعي
تامن بي الخلفات في زين الاقفار
في قفرة يصبح جهلهن رتوعي
أما لون الجبل ويسمى في المنطقة (طريق الجبل) ويغلب على هذا اللون شعر الغزل ومنه هذه الرائعة التي يقدر عمرها بمائة وخمسين عاماً لشاعر الباحة الشهير أحمد بن جبران الزهراني، والذي كان يخاطب الأطلال، ويهنئ القمر في ليلة البدر، وكأنه يسائله إلى أي الديار ذهب الأحبة وأنت تشرف على كل أرض، ويهنئ الشمس وضياءها وهي طلق خيوطها الضوئية التي تشابه أنامل العاشق فتلامس معشوقته؟! وفي قصيدته من هذا اللون الذي لا يرتبط بالقافية، ويغلب عليها التصريح أو الوضوح، وتقل فيها الدلالات الرمزية، وهو كثير الشبه بالشعر العمودي الحديث يقول إبن جبران:
هني عينك ياقمر وين انت بادي...
يا مخيل كل وادي..
وهني عين الشمس يوم تبدي على الهيل
من صلاة الصبح لليل..
وهني الدله، وهني الفناجيل..
تشتفي من لمسة الهيل..
وهني البيت وهني الجداره....
وهني اهله وداره!!.
1
نشكر الأخ ابراهيم على اتحافنا بهذا الشعر الأصيل واطرب لها كبار السن والمتذوقين للشعر نرجو المزيد من هذه الدانات واللآلي
noura zahrani - زائر
03:09 مساءً 2006/09/27