• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1016 أيام

إيقاع الحرف

ظاهرة تغيير أسماء البنات

ناصر الحجيلان

    بدأ في السنوات الأخيرة عدد من الفتيات السعوديات بطلب تغيير أسمائهن لدى إدارات الأحوال المدنية إلى أسماء جديدة مختلفة تماماً عن الاسم السابق، أو تعديلها بحذف بعض الأحرف أو إضافة حرف جديد أو تغيير ترتيب الحروف ليتغير معه الاسم؛ وقد نجح بعضهن في تغيير أسمائهن. ونشرت بعض الصحف في الأشهر الماضية أمثلة للأسماء التي تغيرت، ومنها على سبيل المثال: «رعنة» تغيرت إلى «رنا»، و«مريم» عدّلته إلى «ريم»، و«عمشا» صارت «عبير»، و«غزالة» إلى «أمل»، و«شوع» عدّل إلى «شوق».

والحقيقة أنه يصعب تحميل الوالدين المشكلة، لأنه من المتوقع أن الوالدين اختارا الاسم المناسب من وجهة نظرهما؛ وهي وجهة نظر ثقافية مرتبطة بخبرتهما ووعيهما بالمجتمع ولا يمكن لومهما على ذلك. وقد ذكر الجاحظ في كتاب «الحيوان«1/324 أن «العرب إنما تسمي بكلب، وحمار، وحجر، وحنظلة، على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج خارج داره، فإن سمع إنساناً يقول حجراً، أو رأى حجراً، يسمي ابنه به وتفاءل فيه الشدة والصلابة والبقاء والصبر...». وهذا يعني أن الاسم الذي نعتقد أنه قبيح مثلا حينما ننظر له من خارج سياقه، له في الحقيقة مسوّغ ثقافي معين، وهو مسوغ له قيمته المهمة داخل بيئته.

ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الصحف توضح أن أغلب الفتيات اللاتي غيرن أسماءهن جئن من القرى والأرياف والمدن الصغيرة إلى مدن كبيرة. وهذه ملاحظة مهمة لأنها تبيّن لنا السمات الثقافية التي تحملها المدينة مقابل تلك السمات التي تحملها القرية. فالشخص سواء أكان رجلا أم امرأة يعيش في مجتمعه وفق وعي ثقافي محكوم بالمعطيات المتاحة في ذلك المجتمع. وحينما يهاجر إلى مكان آخر فإنه يتعرض إلى عوامل التغيير التي تجعله يتعرف على ثقافة جديدة فيكتشف نفسه من خلالها. وبسبب الرغبة في التأقلم مع المجتمع الجديد وما يتطلبه ذلك التأقلم من إقامة علاقات اجتماعية واقتسام الخبرة مع المجموعة الجديدة؛ فإن هذا المهاجر الداخلي يسعى إلى التخلّي عن بعض العناصر المحليّة التي تميّزه عن المجموعة. ومن العناصر التي يتخلى عنها بعض المهاجرين إلى المدن الكبرى اللهجة المحلية، وطرق اللباس، والعادات الغذائية، والأسماء غير المألوفة في المدن.

وإذا كنا نفتقر إلى الدراسات التي ترصد التغيرات اللغوية والسلوكية لدى سكان المدن الكبرى القادمين من القرى والمدن الصغيرة؛ فإن ما تنشره الصحف من أخبار حول تغيير الأسماء الأولى للأشخاص من بنين وبنات يعتبر مؤشراً يمكن أن يدلنا على ما يعتري تلك الشخصيات من «إعادة تنظيم كامل للقيم». وهي عملية ثقافية قد تكون طبيعية عند البعض حينما تسير بشكل متدرج ومتناسب مع طبيعة الشخص وحياته الجديدة؛ وقد تأخذ منحى مأساوياً عند آخرين إذا رافقت عملية التحوّل هذه اضطرابات عقلية ونفسية بسبب عدم حصول الشخص على القبول في المجتمع الجديد، أو بسبب التغيرات السريعة المتوترة التي لم يكن مستعداً لها.

وبسبب الحاجة النفسية إلى الاندماج في المجتمع، فإن الرغبة في حذف عناصر الاختلاف هي الهاجس الذي يلح على الشخص لكي يحظى بتقبل المجتمع له؛ ذلك أن المجتمع المحلي لدينا له ثقافة معينة تسير وفق أطر ثابتة وتعامل المختلفين عنها على أنهم غرباء أو أجانب أو تطلق عليهم مسميات أخرى تميزهم عن السكان المحليين. وهذه الثقافة التي يمكن وصفها بأنها محافظة لها اعتبارات متشددة في قبول أي شخص من خارجها؛ وهي اعتبارات تقوم على مبدأ الانصهار الكلي (Melting pot) في المجتمع. وهذا المبدأ هو الذي يدفع المهاجرين المحليين إلى السعي الحثيث للوصول إلى التماثل مع الثقافة المهيمنة البارزة في المجتمع الجديد مهما كلفهم ذلك من تضحيات مادية ونفسية.

ومن هنا جاءت ظاهرة تغيير الأسماء ضمن عمليات تواصلية أخرى لتكشف لنا عن البعد الثقافي المحلي. وتعدّ المرأة أكثر حساسية للتمييز الإقليمي أو المناطقي أو القبلي، ولهذا فقد بادرن بتغيير أسمائهن في محاولة لتقليص عناصر الاختلاف مع الثقافة المهيمنة وتبنّي القيم الاجتماعية والاقتصادية والعادات ذات الشعبية في المجتمع الجديد.

وعلى عكس ذلك، فإنّ بعض المجتمعات تعطي الاختلافات الثقافية بين الناس قيمة ولا تجعلهم يضطرون إلى ترك عاداتهم وقيمهم المحلية؛ لأنها تعتمد على مبدأ الخليط الثقافي أو ما يعرف بالتعددية القومية (Ethnic Pluralism) للناس. وهذا النوع من المجتمعات يبرز فيه الفرد حسب مهاراته وقدراته الذاتية وليس بحسب نسبه أو بحسب انتمائه المكاني؛ ذلك أن الجميع يتساوون في المواطنة ويشاركون في البناء الحضاري لبلدهم وأمتهم، ويفيدون من التنوعات الطبيعية في العادات والتقاليد وفي اللهجات وفي الأسماء وفي مختلف جوانب السلوك.

ومما يمكن ذكره هنا أن ظاهرة تغيير الأسماء تعدّ سلوكاً طبيعياً يمثل مرحلة من مراحل «التكيف الثقافي» بالانتقال من الاسم النادر الشيوع إلى الأسماء ذات الشعبية التي تصلح في المدن وفي القرى، مثل: «خالد»، و«فيصل»، و«محمد»، و«أحمد» و«عبدالله»، و«عبدالعزيز»، وغيرها بالنسبة للرجال. و«مها»، و«ريم»، و«سارة»، و«أمل»، وغيرهن بالنسبة للنساء. ولكن هذا السلوك يكشف بشكل غير مباشر عن الأنساق الثقافية (Cultural Paradigms) التي تتحكم في بناء هيكل المجتمع، وتعرفنا على سمات المجتمع الأساسية ومنها أنه مجتمع لا يتقبّل التنوّع الثقافي بكافة أشكاله. ومن الواضح أن الناس تدرك هذه السمات وتظهر عندها من خلال استخدام التصنيفات النمطية (Stereotyping) الشائعة التي تقرب أو تقصي الناس سواء من خلال التصنيفات الإقليمية (أو المناطقية) أو الطبقية أو الفكرية.

ومما ينبغي ذكره هنا أن «الحوار الوطني» الذي يجري في بلادنا منذ سنوات بحاجة إلى الالتفات إلى ثقافة المجتمع الشعبية ومعرفة بنيتها ونظامها. ذلك أنه ليس من السهولة إقناع الناس بتقبّل أصحاب الديانات أو المذاهب الأخرى في حين أن ثقافتهم لاتستطيع جعلهم يتقبلون من يختلف عنهم في اللهجة أو الاسم أو الانتماء المكاني.

hujailan@alriyadh.com



عدد التعليقات : 6
  • 1

    جزاك الله الف خير على هذا الكشف الهام، ومن نافلة القول أن الزائر لبلادنا يلاحظ هذا الشئ بمجرد وقوفه في الشارع في الثواني الأولى لزيارته.!
    فهو يرى شعبا يعيش في شبه قارة، يفترض فيه التنوع والإختلافات الثقافية، ولكنه يرى شعبا يلبس ما تسميه المصانع "الزي الموحد".!
    فكل الرجال يلبسون زيا لونه أبيض، وكل النساء تلبس زيا لونه أسود.! وقد يتساءل عن ما هو المصنع الذي يتبعه هؤلاء العمال ؟!.
    ولا يوجد لون ثالث في حياتنا.! يا أبيض يا أسود.! وقد يتعجب هذا الشخص كيف سارت الأمور بحيث يلبس الشعب كله زيا واحدا وكأنهم يشتغلون في مصنع واحد.!
    ومن نافلة القول أيضا أن ملابسنا الوطنية في السابق أيام القرية كانت تختلف كثيرا عن ملابسنا هذه الأيام، فقد كانت بألوان متعددة، سواء للنساء أو للرجال، كانت غنية الثقافة، ولم يحدث هذا التصحر الثقافي إلا في السنين الأخيرة.

    مريم إبراهيم (زائر)

    10:18 صباحاً 2006/09/21

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 2

    شكرا يا دكتور ناصر. مقالة ممتعة ومفيدة، وهذا ما تعودنا عليه منك. الله يوفقك.
    أنسائل لماذا تغيير الأسماء يعتبر أقرب إلى الظاهرة عند النساء منه عند الرجال؟ هل يعود هذا لأن بعضهن قليلات الثقة بأنفسهن أو ليس لديهن هوية واضحة فلايعرفن هل هن من المدينة أم من القرية؟ أم انه العار من الأصل الذي لاينتمي للمدينة وحضارتها؟
    على اي حال ما أراه أن النساء أكثر اهتماما بالمظاهر والسطحيات من الرجال...ربما هذا سبب، ولكن لايمكنني أن أنسى أن تغيير الأسم في النهاية حق شخصي لأن بعض الأسماء تؤثر تأثيرا سلبيا على تلقي الناس للشخص ولكي يبعد الإنسان عنه هذه اللعنة عليه أن يزيلها بنفسه.

    جيهان العليان (زائر)

    11:31 صباحاً 2006/09/21

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 3

    * إن ظاهرة تغيير الأسماء تتسق مع طبيعة الحياة المتغيرة، وتعبر عن تمرد فطرى على الواقع، ومواءمة مع المناخ الاجتماعى الجديد.
    * إن سعى البنات لتغيير أسمائهن، أحد دروب سعى النساء خلف الموضة بدافع الحرص على الجمال واجتذاب الإعجاب.
    * إن التمرد على القوالب الجامدة، والأسماء ذات المعانى المنبوذة، ورفضها حق طبيعى من حقوق الأبناء.
    * إن التنوع سنة من سنن الحياة، فى شتى المجالات، من أسماء وأجناس، وأشكال وألوان، وعادات وعقائد، فلماذا نقبله فى الأولى ونرفضه فى الأخيرة ؟!.

    مجدى شلبى (زائر)

    11:34 صباحاً 2006/09/21

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 4

    * المنحوس منحوس ولو غير اسمه لمحروس.
    * إسم على غير مسمى.
    * إسمه كمال وناقصه كتير.
    * حتى لايموت أسموه خالد، وبعد أن مات لقبوه بخالد الذكر.
    * إسمه ذكى وكلامه عبيط واهبل.
    *نجار تزوج واحدة اسمها خشبة، يتركها فى البيت يجدها فى الورشة.
    * الفأرة وقعت، القطة قالت لها : اسم الله، الفأرة قالت : اتركنى وألف خير من الله.
    *اسمه على كسمه.
    * اسم النبى حارسه.
    * بين الحرية والفوضى شعرة إسمها الوعى.
    * عاشت الأسامى.
    * الأسامى لابتتباع ولابتُشترى.
    * خاف علي ابنه من الحسد أسماه خيشة.

    مجدى شلبى (زائر)

    11:53 صباحاً 2006/09/21

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 5

    اشكرك على تحليلك الاكثر من رائع لهذه الظاهرة التي بدأت تتفشى في مدن كبيرة مثل الرياض وجدة والدمام مثلا
    ولكن القرى والمدن الصغيرة لايزال اهلها يفتخرون باسمائهم ويعتزون فيها
    وتفسيرك لسبب التخلي عن الاسم تفسير منطقي وواقعي
    لك تحياتي

    أبو منصور العنزي (زائر)

    02:18 مساءً 2006/09/21

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 6

    كثير من الاسماء هي عبارة عن موضة فقط
    يعني البنات يبون مجرد التغيير
    وانا اعرف كثير من زميلاتي كذا
    لكن فيه اسماء تحتاج تغيير فعلا
    لانها قديمة وماهي زينه
    مثل الاسماء الي ذكرها الكاتب
    فله منا الشكر

    يسرى ال محمود (زائر)

    05:32 مساءً 2006/09/24

    ابلغ عن هذه المشاركة




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات