مساء يوم الاثنين الموافق 18/8/1427ه كان جمهور نادي الطائف الادبي على موعد مع بدء برامج ولقاءات نشاط لجنة »إبداع« هذه اللجنة التي يرأسها القاص طلق المرزوقي، وتم في عويتها كلا من: محمد النجيمي، حمدان الحارثي، عبدالرحمن المنصوري، خلف القرشي، وقد تشكلت هذه اللجنة انتخابا من قبل مبدعي الطائف الذين اجتمعوا في وقت سالف، وانتخبوا هذه الاسماء التي أعدت برنامجاً حافلاً بالامسيات الابداعية، والورش العملية، وتصورات عن إصدار ثقافي إبداعي،،
كانت الامسية الاولى للشاعرين المبدعين عبدالله الوشمي، ومحمد الفوز وقدمها الشاعر حمدان الحارثي..
لقد كانت تجربة الوشمي ثرية بالتواصل مع الارض، والتاريخ، وثقافة المبدع القديم، يتقمص في شعره حديث الكائنات، يحدث لها تفاصيل حوارية يشعل فيها فاعلية التشظي والالتئام، بالكشف عن البوح والحوار.. لنستمع إليه حين يقول:
أذكر الان أن الحقول التي حدثتني
وباحت بسيرتها للمطر
قالت: الرمل سيدنا
قلت: والنخل
قلت محدثتي:
حرة
كل أوراقه
ما انحنت للفصول
يبدأ الشاعر هذه المعايشة التي يتواصل فيها مع حديث الحقول بفتح بوابة التذكر التي يفتتح بها التواصل مع المتلقي، وبقدر ما يبوح النص بالتئام مع النخل، والحقول يبوح أياً بتشظ عن هذا الالتئام،، حيث يكشف الاعتزاز بالتئام الحقول والنخل مع المطر والرمل والحرية.. يكشف ذلك عن تشظي الذات التي تستجلي ذلك الالتئام، وتتعزى به، وتتغنى..
ثم يأتي المقطع الثاني الذي يقول فيه:
يكتب النخل آياته فوق سعفانة
ثم تمطرنا كل حين بأخباره
ويمي ولا شيء يبقى سوى الجذع نحنو عليه
ونحبو اليه، نحن إلى قبلة من يديه
ونسقط مثل الحساسين في مقلتيه
نناشده، ونهز ميادينه
أمطري..
أمطري..
كاشفاً ذلك التشظي الذي يشعل طلب الالتئام، في الحنو، والحبو، وطلب السقيا، ليقول الشاعر بعد ذلك:
يومها تورق الارض في عشقها
علها..
علها نحو طفل مشت فوق جفنيه كل السنين
لو توانسه بالحكايات حبلى
وبالطلع ممتلئاً بالسمين
وتمنحه سرّها
يا له
سرها من ثمين
ولا شيء يبقى سوى النخل نمسح أعناقه
تائبين
هنا يتجذر النخل ليس في الارض فقط، بل في الوجود الانساني، مبتدئاً من تلك الاشارة التي تستدعي هز مريم ابنة عمران لجذع النخلة لتساقط عليها رطباً جنياً، حين أمرها ربها بذلك، ومستمراً عبر حكايات الانسان مع الشقاء والطمع، مع شقاء السنين، والطمع في الطلع، لتصبح للنخلة حكاياتها التي تمنحها الاجلال والاحترام.
ويتبدى في المقطع الاخير من هذه القصيدة التي ألقاها الشاعر في تلك الامسية بعنوان »أغنية النخيل«، التوحد ما بين النخلة والانسان، حيث يقول الشاعر:
»تبدت لنا وسط الرصافة نخلة .. تناءت بأرض الغرب عن وطن النخل«
غريب أنا مثل هذا النخيل
غريب قتيل
كم مت في دمائي السنون
وأحرقني في وقوفي الصهيل
غريب ويكفي
أن صوتي حر
قال لي النخل: يكفي
أن سعفي
كان أبعد من ليلهم!
قال للموت: لا
حين ألف طريق
قال: أهلاً بيفي!!
لقد حكى كما أسلفت في حديثه عن تلاؤم النخل مع الارض، تشظي الذات الشاعرة وغربتها، وها هو يفصح عن ذلك في هذا التوحد الملتئم المتشظي، يتواصل مع النخل، ويستحر لغة جده القديم، لينبئ عن تلاؤم ممتد في الزمن، يظهر النص حكاية تشظيها النخلة والانسان، وأبقى النص على بارقة الامل، وغلبة الارادة، وإن كانت تميل الى جعل صبر النخلة أبعد مدى وقدرة من الانسان، الذي يرى أن الحرية تكفيه..
ويبدو لي أن هذا النص بمثل قراءة غربة الانسان في النخلة، ومواجهة الانسان لمعوقات الحرية مثل ما تواجه النخلة الانحناء مع مرور السنين، ومحاولة إيجاد الالتئام بين تجذر الانسان وتجذر النخلة.. يبدو لي أن هذا النص بذلك يلتئم مع نص محمد الثبيتي »موقف الرمال - موقف الجناس«، الذي يقول الثبيتي في بدئه:
ضمني،
ثم أوقفني في الرمال
ودعاني:
بميم وحاءٍ وميم ودال
واستوى ساطعاً في يقيني
وقال:
أنت والنخل فرعان
وإن كان نص الوشمي يتشظى عن نص الثبيتي في طريق مختلف.
وأما فارس الامسية الاخر الشاعر محمد الفوز، فالوقفة معه في اللقاء القادم بإذن الله.
1
الوشمي الإنسان والشاعر والأستاذ والمسؤول..
نجم لمع في سماء أدبنا ومشهدنا الثقافي..
ونحن ننتظر منه المزيد من الاشعاع والتألق..
فإلى الأمام،
تحياتي
فتاة سعودية - زائر
01:40 مساءً 2006/09/21