بعد نشرالمقال الذي تحدثت فيه عن محنة الأستاذ حميدان التركي المبتعث السعودي للدراسة في الولايات المتحدة وصدر بحقه حكم قضائي جائر، دار بيني وبين مسؤول كبير في إحدى الجهات الحكومية (فضل عدم ذكر اسمه أو موقعه) حوار حول قضايا المواطنين السعوديين في الخارج، وقد بدأ الحوار بعد أن شكرني على المقال ورأى فيه أول محاولة للتحليل الموضوعي لقضية المبتعث السعودي، وانزل الجدل حولها من اعتبار القضية تتدرج في اطار صراع ديني او حضاري او هجوم على الإسلام والمسلمين الى كونها قضية فردية لها حضورها في اهتمام الرأي العام المحلي ويمكن ان نستفيد من دروسها في كيفية توجه الاف الشباب السعودي الذي يعيشون ويدرسون حالياً في الولايات المتحدة أو الذين يستعدون للمغادرة.
قلت له: ولكن تعرف أن القضية لامست وتقاطعت مع أحداث كبيرة تمر بالمنطقة منها الحرب على لبنان وأوضاع فلسطين الكئيبة إضافة إلى ذكرى 11 سبتمبر. ولهذا كان هناك شعور أو قلق لدى كثير من الناس أن ما تعرض له التركي كان في إطار تصفية حسابات أو تراكم شعور بالخوف والغضب والانتقام لدى شرائح من المجتمع الأمريكي ضد كل ما هو مسلم أو عربي أو سعودي.
قال: لا تعيدنا إلى المربع الأول، فقد حسبت أن مقالك الأول قد أوجد لنا الفرصة للابتعاد عن هذا الجدل البيزنطي لكي ننتقل إلى حوار بناء يرتبط بما يدور في أرض الواقع وليس بناء على ما يدور في أذهان ومتخيلات كثير من المهووسين بموضوع الصراع الديني والحضاري والذين يريدون جر السياسة الحكومية لتتبنى مواقف أيديولوجية قد تؤدي إلى عزلة دولية أو انغلاق ثقافي عن حركة العولمة والتنمية الاقتصادية والعلمية في العالم.
ثم أردف قائلاً: ولكن كان لدي تعليق مهم على ما أشرت إليه من تقاعس الجهات الرسمية (السفارات.. الملحقيات الثقافية.. الجامعات أو المؤسسات التي تبتعث الطلاب) في متابعة الطلاب ودعمهم ومحاولة حل مشكلاتهم القانونية أو التعليمية التي قد يتعرضون لها في الخارج، فقد ذكرت أن هناك تقصيراً في حق الطالب المبتعث حميدان التركي، وكان هناك مجال لحل مشكلته لو تم التدخل مبكراً وتم تقديم الاستشارة القانونية المناسبة والنصيحة له بمغادرة الولايات المتحدة، ولكنك أغفلت موضوعاً مهماً وهو دور الطالب نفسه، فالمبتعث وبخاصة للدراسات العليا يفترض أن يكون واعياً ومسؤولاً عن قراراته وقادراً على اتخاذ القرار المناسب. صحيح أن من واجب الحكومة المتابعة والدعم وتقديم الخدمات القانونية الممكنة، ولكن فكرة رعاية الدولة للمواطن واعتماده عليها في كل شي هي فكرة جميلة وربما مقبولة من قبل القيادة العليا لهذا البلد الكريم، ولكن هذه المعادلة يجب أن تصحح، فهي من جهة تحمل أجهزة الدولة مسؤوليات لا تستطيع تحملها مهما بلغت من كفاءة وتوفر لها من امكانيات، وهي من جهة أخرى تعلم الناس الاتكالية وعدم تحمل المسؤولية ومحاولة البحث عن شماعة لأخطائهم أو تجاوزاتهم. صحيح أن الدولة يجب أن تسعى لحماية المواطنين إذا سافروا إلى الخارج وخصوصاً إذا تعرضوا لاعتداء أو ظلم أو سرقة أو مساءلة، ولكن تدخلها يبقى محدوداً ضمن الأطر الدبلوماسية والقانونية وأحياناً يستخدم النفوذ والعلاقات الشخصية ولكن تبقى المسؤولية مسؤولية فردية نابعة من استقلالية قرار الفرد وشرط معرفته والتزامه بالأنظمة والقوانين التي تقرها الدول قبل حصوله على تأشيرة البلد التي يريد المغادرة إليها.
قلت له: أعتقد أن هذا الكلام جيد ولكن لا جديد فيه.. احسب أن الجميع يدركون أن المواطن مسؤول عن قراراته وعليه الالتزام بالتعليمات والقوانين والأنظمة إذا سافر إلى بلد آخر، وفي الظروف العادية هناك مخالفات وقع فيها سعوديون في الخارج وتم معاقبتهم وفق قوانين تلك البلاد، ولم تؤثر في اهتمام الرأي العام المحلي، ولكن في قضية الأستاذ حميدان التركي فالأمر مختلف. فهناك شعور وشبه اقتناع عند شريحة واسعة من المواطنين ان القضية فيها ظلم وجور، فالأجهزة الامنية تعسفت في التعامل مع الطالب، واجراءات المحاكمة فيها لبس وغموض، والتهم بالنسبة لنا - حتى وإن صحت - لا تستدعي هذا الحكم الجائر. وفي نفس الوقت لا أحد يعرف بالتفصيل ماذا كان دور الملحقية الثقافية في واشنطن، ولا السفارة السعودية، الا في الفترة الأخيرة عندما صدر بيان من السفارة بتكليف فريق قانوني لاستئناف الحكم، وتسوية قضية زوجته وعودتهم بإذن الله قريباً.
قال: الجميع وفي مقدمتهم قيادة البلاد مهتمون بقضية التركي وعائلته، وقد صرح سمو وزير الخارجية في مؤتمر صحفي بحضور الامين العام للأمم المتحدة بأن المملكة تعتبر الحكم جائراً، وأن الدولة تسعى للتدخل في هذا الأمر، وأنا لا أنفي أنه قد يكون هناك قصور في البداية في التعامل مع القضية سواء من قبل السفارة أو الملحقية أو غيرها من الجهات الحكومية في الداخل والخارج، ولكن ما لا تعرفه أنت ولا كثير من الذين تناولوا هذه القضية وغيرها في الصحف أن السفارات السعودية والملحقيات الثقافية في الخارج تصلها بشكل مستمر قضايا كثيرة ومعقدة لسعوديين يرتكبون مخالفات بعضها كبير وبعضها تافه ولكنها مؤثرة وتقوم تلك السفارات والملحقيات بالتدخل والدعم لحل تلك المشكلات وبعضها يتم حله بشكل سريع وبعضها الآخر يتعثر معالجته، وغالباً ما تفضل الدولة عدم نشر تلك القضايا أو تسليط الضوء عليها إعلامياً ما أمكن، وذلك لقطع الطريق من جهة على بعض الجهات المغرضة من استخدامها لتكريس نظرة سلبية عن السعوديين، ومن جهة أخرى لحفظ خصوصيات الناس واحترام حقوقهم الأدبية.
ثم أردف قائلاً: إذا عدنا إلى موضوع الأستاذ حميدان التركي فربما لا يعرف كثير من القراء والمطلعين على القضية أن الطالب ابتعث لدراسة الماجستير والدكتوراه من جامعة الامام محمد بن سعود عام 1413ه أي قبل أربعة عشر عاماً، وكانت المدة المقررة لابتعاثه 7 سنوات، وبعد انتهاء البعثة تم تمديدها من قبل جامعته لأكثر من ثلاثة أعوام، وبعد أن أكمل عشر سنوات ولم ينه الطالب دراسته العليا، رفضت جامعته تمديد البعثة له وطلب منه عن طريق الملحقية الثقافية العودة إلى البلاد، وكان لدى الملحقية والجامعة قناعة بأن الطالب غير متفرغ لدراسته وأنه مشغول بالعمل التجاري من خلال المكتبة التي يملكها أو يشرف عليها. وعلى الرغم من ذلك بادرت الملحقية بتسديد التزامات الطالب المالية مع الجامعة التي يدرس فيها وكذلك تسوية أموره القانونية من حيث تمديد تأشيرة الدراسة، وذلك بعدما بدأت السلطات الأمنية تلاحق الطالب في قضايا الهجرة أولاً ثم في قضية الخادمة.
قلت: ولكن القضية التي حوكم فيها الاستاذ حميدان لاعلاقة لها بهذه التفاصيل عن البعثة والتي قد تحدث لطلاب آخرين.
قال: أعرف ذلك ولكن ما أريد أن أقوله أن الملحقية التي هي من مسؤوليتها متابعة الطالب من الناحية التعليمية والأكاديمية كانت تتابع الطالب وتعمل على تهيئة السبل أمامه لينهي الهدف الذي جاء من أجله وصرف من أجله مبالغ طائلة وهو إنهاء برنامجه الدراسي والعودة بالشهادة الأكاديمية المطلوبة لجامعته، وهي في نفس الوقت لم تكن مقتنعة بأسباب تأخره في البرنامج لمدة عشر سنوات دراسية، ولا بإصراره على البقاء بعد انتهاء بعثته الدراسية رسمياً. ولهذا كانت العلاقة بين الطالب والملحقية شبه مقطوعة من الناحية الرسمية.
ثم أردف قائلاً: ومن هذا المدخل أقول إن مسؤولية الفرد في مثل هذه الظروف أكبر وتحمله لمسؤولية قراراته يجب أن تكون أكبر. وهذا الأمر ليس مقصوراً على قضية المبتعث حميدان التركي ولكن على قضايا عدد كبير من المواطنين الذين تجد السفارات والملحقيات الثقافية صعوبة في انهائها بالشكل الصحيح بسبب أن العلاقة كانت مضطربة، فالمواطن في كثير من القضايا يتملص من تعليمات السفارات والملحقيات والأجهزة الحكومية الأخرى وتوجيهاتها، فإذا ما وقع في مشكلة أو قضية بدأ يبحث عمن ينقذه وفي أحيان كثيرة يلوم السفارة أو الملحقية وغيرها بأنها لم تنبهه لمثل هذا الأمر أو أنها قصرت في دعمه ومساعدته.
قلت: إن هناك اليوم أكثر من عشرة آلاف طالب سعودي في الولايات المتحدة لوحدها وبرنامج الابتعاث الجديد سيقذف بعدد كبير آخر من الطلاب الذين ينتظرون فرصة هنا أو هناك، وهناك طلاب آخرون يدرسون على حسابهم الخاص قد لا تعرف الملحقية أو السفارة عنهم شيئاً إلا إذا وقعت مشكلة أو قضية فجاء يستنجد ويبحث عن حل ومساعدة.
الاجراءات والقوانين أصبحت أكثر تعقيداً وصعوبة أمام الطلاب المبتعثين أو المواطنين السعوديين الذي يسافرون إلى الخارج، إذن هل يمكن أن نستمر في التعامل مع الأمر بنفس الآليات والإجراءات السابقة وبنفس المؤسسات التي تشرف على هذا النظام؟ ألا يمكن التفكير بآليات جديدة وإشراف جديد ومؤسسات أخرى مختلفة تشرف وتنظم وتتابع قضايا السعوديين في الخارج، تعرفهم بمسؤولياتهم وتحاسبهم إذا قصروا فيها وتوفر سرعة الدعم والمساندة وتقديم الخدمات القانونية وغيرها إذا احتاجوا إليها.
في تقديري أن الموضوع يستحق مزيداً من الحوار والاهتمام.
1
اذا سافرت الى الخارج وقابلت سعودي تحسه اخوك من قلبك وقريب لك
شعور جميل ولله وطيب ووتحس بقيمة الوطن الي رحلت عنه أتمنى نشر
المزيد من الوعي في كل مطار في المملكه الى اي مسافر بكتاب فيه أرشادات
لكي يعكس احلى صوره لبلده ووطنه ودينه وشعبه...واشكر الدكتور أحمد على
مقاله الرائع...
05:32 صباحاً 2006/09/19
ابلغ عن هذه المشاركة
2
اخي الكاتب في الداخل يعاني الطلاب والتعليم( المر) وما انحلت مشاكلهم تبي اللي في الخارج تنحل مشاكله..
07:28 صباحاً 2006/09/19
ابلغ عن هذه المشاركة
3
مع احترامي الكبير لكلام المسؤول إلا أنه لم يأت بجديد والحوار معه مليئ بالعموميات وملابسات قضية الطالب لم يتطرق لها بكونه مسؤول.
يظل المواطن مواطن بمعنى أن دولته ستبذل له الغالي والنفيس في سبيل إخراجه لاأن نجعل خطأه بتأخره في الدراسة شماعة نعلق عليها مواقفنا.
عموما دائما مع الأسف هذه هي النظرة لمسؤولي وزارةالخارجية لدينا.. نظرة سلبية ودائما المواطن في الخارج هو المخطئ وعبارة السعوديون "يفشلون في الخارج" دائما على ألسنتهم!!
08:14 صباحاً 2006/09/19
ابلغ عن هذه المشاركة
4
يذكرني صاحبك (المسئول) بالمسئولين البريطانيين وتعاملهم مع قضية المربية الانجليزية اللي ازعجها الطفل الرضيع الامريكي الذي تتولى رعايته فامسكت به بذراعيها من تحت ابطيه وهزته بقوة حتى خلعت رقبته ومات.
هل تعلم ما كان حكم المحكمة الامريكية عليها؟؟؟
براءة... لماذا ؟؟ لان مسئولينهم الانجليز التفتوا على المواطنين حقينهم وقالوا لهم مثل مقالة صاحبك...
09:42 صباحاً 2006/09/19
ابلغ عن هذه المشاركة
5
جاء في ثناياالمقال طلب دراسة وضع آليه جديده لرعاية السعوديين في الخارج
فقضية التركي وسعودي الامارات مثال صارخ للدعوه والحاجه الماسة لوضع الآليه الجديدة وللمعلوميه فالمطلوب رعاية السعوديين في الخارج متل رعاية الدول المجاورة لرعاياها لا كرعاية الممرضات البلغاريات في ليبيا والله الموفق
10:05 صباحاً 2006/09/19
ابلغ عن هذه المشاركة
6
من المؤسف ان يكون الوطن غاليا والمواطن رخيصا... من المؤسف ونحن في ذكرى يومنا الوطني ان يكون الوطن بعيدا عن همومنا ومشاكلنا مع من ظلمونا بقوانينهم وحيلهم واحتيالاتهم... من المؤسف ان يكون السعودي ظالما دائما في نظر المسئولين(( الوطنيين )).. اتمنى ان لايقول حميدان التركي وكل السجناء والمظلومين السعوديين في خارج الوطن مثل ماقال العراقي الذي هاجر خوفا من صدام... ارسل لصديقة يقول : علاقتي مع الوطن أشبه بعلاقة رجل بزوجة تخونه وهو يعرف أنها تخونه.. المؤلم أنه لا يستطيع أن يكف عن حبها، ولا عن إقناعها بألا تخونه. وطني يخونني كثيرا.. يا صديقي.
11:46 صباحاً 2006/09/19
ابلغ عن هذه المشاركة
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له