الاثنين 18 شعبان 1427هـ - 11 سبتمبر 2006م - العدد 13958

حول العالم

الصين تطرح بيضها

فهد عامر الأحمدي

    لم أذهب - إلى الآن - إلى المغرب العربي ولكن أحد الأصدقاء أخبرني عن وجود جالية صينية صغيرة في مدنها الرئيسية.. وفي المقابل شاهدت جاليات صينية كبيرة في لندن ونيويورك ومونتريال - بل وحتى في كوالالمبور ودبي - إلا أن وجودهم في هذه المدن بدا لي طبيعيا لثراء هذه المدن - من جهة - ومهارة الصينيين في تصيد الفرص التجارية من جهة أخرى.. أما أن يتواجدوا في دول متوسطة الحال كالمغرب (لا تتفوق على بلدهم الأصلي من حيث دخل الفرد أو التجارة الخارجية) فهذا أمر يثير الحيرة - والريبة أيضا..

وفي الحقيقة سبق أن اتهمت الصين بتشجيع أبنائها على الاستيطان في الخارج وإنشاء مدن صينية موالية لها في دول مختلفة. وهذا الاتهام ليس جديدا او طارئا بل تناقله الآسيويون أنفسهم منذ سبعمائة عام أو أكثر - ومازالوا يتداولونه حتى اليوم - . وحين وصل المستعمرون البيض إلى شرق آسيا اكتشفوا ان الصينيين سبقوهم إلى تلك المنطقة وحققوا فيها نجاحا عظيما. وفي عام 1621 قال الرحالة البريطاني توماس هيربرت ان الصينيين في تلك الاصقاع يذكرونه ب«يهود اوروبا» حيث يحتكرون حرفا لايجيدها غيرهم ويسيطرون على المجالات الاقتصادية المهمة ويقومون بدور الممولين والمرابين والسماسرة وتجار الجملة.. وهذه الأيام يقدر عدد الجاليات الصينية في جنوب شرق آسيا - وحدها - بخمسين مليون نسمة. ورغم انهم لايشكلون سوى 10٪ من السكان إلا انهم يسيطرون على قطاعات رئيسية تفوق نسبتهم بكثير. فالجاليات الصينية في ماليزيا واندونيسيا والفليبين وتايلند تملك زمام الاقتصاد وتتركز في ايديها اسباب الازدهار التجاري والصناعي بنسب تصل إلى 90٪.. وبسبب هذا التميز لا يحظى الصينيون بمودة الشعوب المحلية ويشيع بينهم المثل الساخر «لا يهتم الصينيين بمن يقود البقرة (ويقصدون الدولة) طالما يحلبونها في النهاية»!!

ونجاح الشتات الصيني لايقتصر على قارة آسيا فقط، بل امتد منذ قرنين إلى استراليا واوروبا والامريكتين. فجميع المدن الكبرى هناك لا تخلو من أحياء صينية متكاملة (أو تشاينا تاون) تضم جالية صينية نشطة.. وكان الصينيون زمن الاستعمار الأوروبي أول من أرسلوا أبناءهم إلى جامعات عريقة كأكسفورد وكامبردج وهارفارد أتاحت لهم فرص الاستيطان وتولي مناصب مهمة في الدول الغربية نفسها!

.. واليوم مع ارتفاع نسبة الصادرات الصينية للخارج - وتخلي بكين عن النهج الاشتراكي المغلق - بدأ المد الصيني يصل حتى للقارة الافريقية بصفتيه الرسمية والشعبية. فالقارة الأفريقية السمراء - بمشاكلها الحياتية والاقتصادية البائسة - لم تعد موقع جذب للاستثمارات الغربية.. وفي المقابل وجدت الصين في هذه القارة سوقا كبيرا لبضائعها الرخيصة - تناسب المداخيل الضعيفة لسكان القارة من جهة وتوفر للشركات الصينية الخامات الأولية من جهه أخرى.. وحاليا غدت البضائع الصينية الأكثر رواجا في أسواق أثيوبيا والسودان والصومال وأوغندا وساحل العاج. وبتطور أرقام التبادل بين الطرفين بدأت نواة أحياء صينية (أو تشاينا تاون) تظهر في دول أفريقية كثيرة كنيجيريا وجنوب افريقيا والمغرب العربي (حيث تشاهد بوضوح في سوق درب عمر في الدار البيضاء)!!

- السؤال الذي أصبح طرحه مقبولا هذه الأيام:

هل يمر العالم بمؤامرة صامتة تنتهي بغزو صيني لكوكب الأرض!!؟

.. سواء كان الأمر مقصودا أم لا ؛ يبدو أن الصين انتهت من مرحلة «وضع البيض» في دول كثيرة حول العالم..

fahmadi@alriyadh.com