تترقب الأوساط الإعلامية والقضائية والسياسية في الجزائر باهتمام بالغ النتائج الرسمية الأولية لعملية تطبيق المراسيم التنفيذية لميثاق السلم والمصالحة الوطنية التي انتهت آجالها القانونية في 31 أغسطس/اب المنصرم ومعها «المهلة» التي منحتها السلطات العمومية، للمسلحين الذين ما يزالون في الجبال قصد الاستسلام والتخلّي عن العمل المسلح مقابل الاستفادة من العفو والتدابير التخفيفية، وهي النتائج والأرقام التي انتهت من صياغتها ولم يكشف عنها الى الآن، لجنة متابعة تنفيذ تدابير ميثاق السلم والمصالحة التي أمر بوتفليقة بتشكليها منذ قرابة الشهرين، ووضع على رأسها رجل ثقته ورئيس حكومته، عبد العزيز بلخادم.
وتتجه الأنظار نحو اجتماع مجلس الوزراء الذي سيترأسه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يوم الاثنين، وهو الاجتماع الأول الذي يعقده بوتفليقة منذ التاسع من يوليو الماضي، قبل خلوده للراحة مجددا، وهي الفترة التي احتدم فيها النقاش حول مرحلة ما بعد انقضاء مهلة ال 6 أشهر التي يمنحها ميثاق المصالحة للإرهابيين، وهل سيتم تمديدها أم لا ؟ وتقاسم النقاش الذي نشط الساحة السياسية فريقان، احدهما يطالب باحترام الآجال القانونية للميثاق، وآخر يرى أن المصالحة في بعدها الذي يريد تحقيقه الرئيس بوتفليقة شخصيا لا يمكن ربطها بأجل، وأنها غير محددة بزمان أو مكان وأنه من غير المعقول غلق أبواب التوبة أمام المسلحين بعد 31 اغسطس.
ومن جانبهم، وفي محاولة منهم التخفيف من وطأة النقاش، أوعز القضاة، ممن حرروا على مستوى العدالة قرارات الإفراج عن النشطاء السابقين في صفوف الجماعات المسلحة الذين استفادوا من تدابير العفو، أن الرئيس بوتفليقة هو الوحيد الذي يملك، حسب ما خوّلته إحدى مواد الميثاق نفسه، صلاحية اتخاذ أية إجراءات يراها كفيلة لتحقيق المصالحة الوطنية في البلاد، ما يجعل اجتماع مجلس الوزراء المقبل أكثر من مهم بحيث سيكون فيه للرئيس بوتفليقة الكلمة الفيصل التي تنهي مسلسل التخمينات والتكهنات التي سبقت وتلت انتهاء الآجال القانونية لتدابير المصالحة الوطنية .
ولا يستبعد المراقبون، أن يتجه الرئيس الجزائري نحو خيار «ترسيم التمديد» لتحقيق مزيد من الانتصار لمشروعه المصالحتي ومنح الإرهابيين «المغرر بهم» وقتا إضافيا، لتطليق العنف المسلح والعودة إلى جادة الطريق، خاصة وأن وزيره للداخلية، نورالدين يزيد زرهوني، وهو من وزراء العيار الثقيل، ومن أقوى رجالاته، صرح قبل أقل من أسبوع على هامش حفل افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان بغرفتيه، أن نتائج ميثاق السلم «إيجابية لكنها غير كافية» وأن «الدولة ستظل رحيمة بأبنائها» وأنه «من غير الممكن أن نرفض استسلام الإرهابي وندفعه للعودة إلى الجبل »، وهو نفس المنطق الذي دافع عنه رئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم، وهو من أشرس المدافعين عن خيار المصالحة، عندما قال في تصريحات صحفية اكثر من مرة بأن «التوبة لا تحتاج إلى وقت ومن أراد الالتحاق بالمصالحة فله ذلك».
ومن المنتظر أن تكشف أولى الأرقام الرسمية لنتائج عمل لجنة متابعة تنفيذ تدابير المصالحة للستة أشهر الماضية، التي رفض رئيسها عبد العزيز بلخادم الكشف عن محتواها للصحافة والرأي العام الجزائريين مالم يطلع عليها الرئيس بوتفليقة أولا، من المنتظر أن تميط اللثام بدقة عن عدد ملفات الأشخاص الذين استفادوا من الإفراج وإبطال المتابعات القضائية، وقائمة الأفراد الذين سلموا أنفسهم وأسلحتهم للسلطات وكذا عدد الإرهابيين الذين لا يزالون ينشطون في الجبال، وعدد الملفات الخاصة بإعادة إدماج العمال الذين تم فصلهم من مناصبهم بقرارات إدارية خلال العشرية السوداء لتعاطفهم مع جبهة الإنقاذ المحلة، وعمل سفارات الجزائر والقنصليات العامة بالخارج وما قامت به للتكفل بملفات الأشخاص الذين سلموا أنفسهم .
وكان وزير التشغيل والتضامن الوطني، جمال ولد عباس، كشف نهاية الأسبوع في رقم رسمي هو الأول من نوعه «يسرّبه» الوزير من تقرر لجنة المتابعة، أن هذه الأخيرة وافقت على تعويض 6950 ملفاً من ملفات ضحايا المأساة الوطنية المودعة على مستوى مصالح قطاعه، فيما كشف وزير الداخلية الجزائري قبل أسبوع أن قوات الأمن تمكنت في ظرف سنة من القضاء وأسر ما يزيد عن 500 إرهابي دون أن يوضح إن كان هؤلاء الإرهابيون معنيين بالعفو أم لا .
وكان مجلس الحكومة صادق في 21 فبراير 2006 على النصوص التطبيقية لميثاق السلم والمصالحة بالتأكيد على إبطال المتابعة القضائية ضد المتورطين في الإرهاب والعفو عن المساجين غير المتورطين في المجازر الجماعية والمتفجرات في الأماكن العمومية والاغتصاب، ولقد حددت التدابير مهلة 6 أشهر لغلق أبواب التوبة لكل الأشخاص الذين يمثلون طوعا أمام السلطات ويسلمون ما لديهم من أسلحة.