كان موقف المملكة واضحاً وصريحاً تجاه حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان فهي لا تلغي المقاومة ولكنها تتحفظ على المغامرات غير المحسوبة وغير المتفقة مع موقف الحكومة الرسمية.
نتائج هجمات إسرائيل على لبنان كانت مدمرة والذي دفع الثمن هم الشيوخ والنساء والأطفال، والمدنيون الأبرياء بشكل عام، ولبنان البريء الذي ينشد الاستقرار والسلام والوحدة الوطنية وخرج للتو من حرب أهلية وأعاد بناء نفسه، وعادت له الثقة، ثقة اللبنانيين، وثقة العالم. وفجأة تقوم القيامة على لبنان بسبب أسر جنديين إسرائيليين، ويستمر الهجوم الإسرائيلي لأكثر من شهر، وبعد التدمير الشامل، والقتل، والمجازر، وهدم الجسور والمستشفيات والمدارس، ومحاصرة لبنان من كل الاتجاهات براً وبحراً وجواً، وتشريد الآلاف من اللبنانيين، وبعد تيتم الأطفال، وزيادة عدد الأرامل والمقابر الجماعية بعد كل تلك المأساة والمعاناة، وبعد إعلان الانتصار، ها هو أمين عام حزب الله يعلن أنه لو علم بحجم الرد الإسرائيلي لما أقدم على خطف الجنديين الإسرائيليين.
هذا يعني أن ما أقدم عليه حزب الله كان مغامرة غير محسوبة وهذا يؤكد مصداقية موقف المملكة الشجاع الواضح، كما يعني هذا نهاية عصر الشعارات، والخطابات الثورية التي تستغل عواطف الشارع، وتقود الناس إلى التعلق بالأوهام، وتحلق بهم بعيداً عن الواقع، فإذا أفاقوا من أحلامهم وجدوا أنفسهم أمام مأساة جديدة.
إن العالم العربي بحاجة إلى أن ينتصر على نفسه قبل أن يفكر أو يزعم أنه انتصر على الأعداء. نحن أعداء أنفسنا لأننا ابتعدنا عن العلم، والعمل، والبناء، والتنمية الشاملة، إلى تبني الخطابات والشعارات التي لا يمكن أن تقود إلى الانتصار، ولو تسلح العرب بالعلم والعمل لكان لهم الانتصار بدون قتال، ودون آلام ودماء ودموع.
ويدخل في باب العلم (معرفة العدو) ومن الواضح من رد الفعل الإسرائيلي العنيف على أسر الجنديين اننا برغم الخبرة الطويلة ما زلنا نجهل العدو، وتصريح أمين عام حزب الله يعبر أيضاً عن هذا المعنى، ويعبر أيضاً أن نتائج الحرب الأخيرة كانت مدمرة، وكانت خاسرة بالنسبة للعرب بلغة الأرقام. كانت نتائج المغامرة خسائر بشرية ومادية حاولنا أن نعوض عنها بروح معنوية تستمد قوتها من إطالة عمر المقاومة.
العالم كله يعرف أن إسرائيل دولة خارجة على القانون وأنها دولة عسكرية متوترة وقلقة، وتاريخها صفحات من القتل والتدمير والمجازر، والعنف المبالغ فيه وردود الفعل المجنونة. العالم كله يعرف أن إسرائيل لا تقيم وزناً لهيئة الأمم المتحدة، ولا لمجلس الأمن وأنها عبارة عن آلة عسكرية مدمرة بلا رحمة. فهل يعرف العالم إسرائيل أكثر منا. كيف غاب عنا ونحن نتعامل مع دولة من هذا النوع كيف سيكون رد فعلها؟ وهل يجهلنا عدم وجود تكافؤ عسكري وأن لبنان بلا غطاء جوي، وأن الوحدة الوطنية والموقف الوطني الواحد هو أقوى من تأثير السلاح وأنه يسبق إطلاق السلاح أو الإقدام على المغامرات. وكيف يغيب عن ذهن المحاربين ان الذين يدعمونهم بالتصريحات هم الذين يستضيفون القواعد التي تنطلق منها القنابل التي تدمرمهم!!
إن الانتصار الحقيقي هو أن نحرر عقولنا قبل تحرير أراضينا، والعقول المستقلة تعرف سبل الانتصار ومعايير الانتصار، وتعرف متى وكيف وأين تنتصر.
العقول المتحررة تدرك متطلبات الانتصار ومعنى الانتصار وتحرص على الولاء للوطن قبل الولاء الحزبي، ولا تلجأ إلى خداع الشعوب.
العقول المتحررة هي التي لا تتعلق بالأوهام، ولا تحول الخسارة إلى انتصار، وتحرص على مخاطبة العقل العربي بكل مصداقية ووضوح قبل المعركة وليس بعدها.
إن الندم والاعتراف بالخطأ قد يعيد بناء البيوت والجسور المهدمة ولكنه لن يعيد المفقودين الذين دفعوا ثمن مغامرات أكد أصحابها أنها كانت غير مدروسة.
yalgoblan@alriyadh.com