حفلات الزار الإعلامي
والانتماء للوطن!!.
لو كان لي من الأمر شيء في وزارة الثقافة والإعلام.. جهة تعزيز مشاعر الانتماء الوطني لإبقاء جذوة هذه المشاعر على الدوام في كامل تألّقها.. وذلك لتجاوز حالة الألفة التي قد تُدخل هذه الأحاسيس أحياناً في خانة العادية.. لوجّهتُ على الفور بإعادة بث كل حلقات برنامج الاتجاه المعاكس على كل أقنية التليفزيون الوطني!!.
عفواً.. لا ترفعوا حواجبكم.. فليس في الأمر ما يُدهش.. حتى وإن كانت استراتيجية هذا البرنامج الذي يُعدّه ويُقدّمه الدكتور فيصل القاسم تقوم في الأساس على الردح بكل ما هو سعودي.. وبمناسبة وبلا مناسبة.. إلى الحدّ الذي بات فيه الجميع يتوقع أن هذا البرنامج لو تناول مثلا مشكلة ما في إحدى جمهوريات الموز.. لخرج عليهم فيصل القاسم قائلا :
(يا أخي السعودية فش فيها موز.. لكنها تضخ الكثير من البترول لتضرب أسعار الموز هناك!!).
هذا الرجل الذي يضع الكلام أحيانا في أفواه بعض من يُحاورهم ممن يقتربون معه من أحقاده، ويلقنهم ما يجب أن يقولوه أحيانا أخرى.. لا يتوانى عن جرّ اسم هذا الوطن جهة كل ما يعتقد أنه يؤذيه.. في حين أن كل ما فعله في شتائمه التي فشل في استبطانها.. هو أنه زاد من تعزيز مشاعر انتماء الناس هنا تجاه بلادهم.. ذلك لأن الشتيمة حينما تتجرّد من الوقائع.. وتتعرى منها تماماً.. فإنها تتحوّل بالنتيجة إلى هدف مضاد.. قطعا هو ليس ما يُفتش عنه فيصل القاسم أو يتمناه.
على سبيل المثال.. في لقائه ما قبل الأخير مع النائب اللبناني وئام وهاب.. يتحدث القاسم عن نزع سلاح حزب الله فيقول : (يا أخي شو بدنا بسلاح المقاومي.. ما لسعوديي اشترت قبل يومين طائرات ب 11 مليار دولار) - وفيصل القاسم بالمناسبة يمتلك أرقاماً لا تمتلكها حتى وزارة المال السعودية.. يُخصصها دائما لنضاله القومي والعروبي ضد بلدان عربية بعينها!! - لكن وحينما لم تشف إجابة النائب غليله.. رد عليه القاسم باستدراج بائس قائلا : (وبس)؟.. وكأن جرعة النيل من السعوديين في تلك الحلقة كانت في تقديره أدنى مما يُريد!.
والشيء الذي لا يفتر القاسم عن ترديده في كل حلقات برنامجه.. هو أنه يلتزم الحياد.. وأنه لا يتبنى حتى شتائمه.. تلك التي يُطلقها بالمجان.. حينما يُصرّ على أن يُردف كل جملة ردح ب (يقول آخر.. ويُضيف آخر.. وإلى آخر ما هنالك!!) أما من هو هذا الآخر الذي يقول ويُضيف ما توسوس به نفس فيصل؟ فلا أحد يعرفه إلا هو بالتأكيد!!.. مثلما أن أحدا لا يعرف أين كان هذا الحياد.. وأين اختفى حينما كان مجلس الشعب السوري ينعقد في أعقاب وفاة الراحل حافظ الأسد رحمه الله العام 2000م.. ليُعيد صياغة أحد مواد الدستور بما يتفق مع سن الرئيس الجديد.. لكن الدكتور فيصل القاسم ابن جبل العرب حمل حقائبه وكاميراته في مشهد هروبي مثير، وطار إلى القاهرة.. ليُسجل حلقة خاصة مع الشاعر علي عنتر والملحّن حلمي بكر عن أغنية (بابا بابا بابا أُبّح!!) وتردّي حال الأغنية الشبابية.. إلى درجة أن أحدهم توهّم لبعض الوقت أن من كان يُقدّم تلك الحلقة في تلك الأجواء الساخنة.. إنما هو شقيقه (مجد القاسم) المغني، وليس الدكتور فيصل القاسم حامل مفاتيح الهمّ العربي!!.
وفيما يبدو لي أن الرجل كان قد حاول أن يُغطي شتائمه بترديد شعار الحيادية بنفس الطريقة التي يُغطي فيها صلعة رأسه ببعض خصلات شعر صدغيه متوهما أن كل من يُشاهده لا بد وأن يُسلّم بما يقوله.. لأنه رجل الحياد الوحيد في طول الوطن وعرضه، ولأنه أيضا الوحيد القادر على كشف المستور بصفته العروبية التي تُجرّد الآخرين من عروبتهم ووطنيتهم طالما أنها لا تلتقي مع مفاهيمه.. بل مراميه وأهدافه.
وهذا (الزار) الإعلامي الذي يُعدّ جديدا على الواقع العربي.. والذي يضع الحياد كشعار على الطاولة في متناول اليد.. وكذريعة لتبرير مفردات من وزن (القتلة والعراعير والسرّاق) لا كغطاء مهني حقيقي.. بخلاف ما روّج له وضاح خنفر - وأعتقد أنه لا يزال يشغل منصب المدير التنفيذي للقناة إياها - في إحدى ندوات مهرجان أصيلة مؤخراً.. هو نوع من الإعلام الديماغوجي الذي يُحاول أن يتملق الجماهير.. لتلتبس فيه الأمور حدّ الاختلاط حيث تبدو المسافة بين صدام حسين وأسامة بن لادن والزرقاوي وشافيز وحسن نصر الله وجورج غالوي وكاسترو ونجاد مسافة واحدة.. تماما كما لو كانوا يقفون معا في صف مدرسي شديد الانضباط.. وهي معادلة لا يستطيع أيّ إعلام سواء كان موجها أو غير موجه.. أن ينتظمها دون أن يبدو تناقضه مع نفسه.. إلا أن هذا البرنامج على وجه التحديد استطاع أن يجمعها ضمن سياق واحد في وعاء ضخم من الشتائم والسباب أصبحت هي كل ما يستخدمه من حقائق اللغة للتنفيس عن الاحتقان.