ما الذي يفعله الناس الآن؟!.. إنهم يكتبون (مدوناتهم) ويؤرخون لعصر التكنولوجيا وزمن الحروب الجديدة، بدءاً بطلاب المدارس.. وانتهاءً بالرؤساء!
(محمود أحمدي نجاد) الرئيس الإيراني المثير لقلق القوى العظمى في العالم؛ بدأ في نشر أول تدوين له عبر مدونته الخاصة في التاسع من أغسطس.. حيث أطلّ على رواد التقنية وسط ضجيج الطائرات المحلقة فوق السماء اللبنانية.. ومن بين ركام الأبنية.. ليقول للجميع بأنه كان يثور غضباً بسبب التدخل الأمريكي في إيران منذ أن كان في المدرسة الابتدائية، وأنه بالرغم من أصوله المتواضعة كابن (حداد كادح) استطاع أن يكون من المتفوقين.. نجاد الذي كان مسهباً في التدوين الأول له وضع استطلاعاً يسأل فيه زوار المدونة إن كانوا يعتقدون بأن العدوان الإسرائيلي الأمريكي على لبنان هو بداية لحربٍ عالميةٍ ثالثة؟!
حرب لبنان التي كانت سبباً في أن تجعل الرئيس الإيراني يمتلك مساحةً في شبكة العنكبوت؛ سبقتها حرب العرق التي كانت على نحو ما محفزاً على ذيوع صيت المدونات وانتشارها.. حيث ظهرت في عام 2002 م مدونات مؤيدة للحرب من أشهرها (إنستابوندت)، وفي عام 2003 أصبحت وسيلة للتعبير عن المواقف السياسية المناوئة للحرب كمدونة السياسي الأمريكي (هوارد دوين)، كما كانت وسيلة من الوسائل التي يستخدمها معهد آدم سميث البريطاني.. على الجانب الآخر ظهرت مدونات لعراقيين وكان من أشهرها مدونة (Whereصs Raed) والتي طُبعت في كتاب وحظيت بانتشارٍ واسع.. بالإضافة إلى مدونات كان يكتبها جنود غربيون في العراق مما شكّل مفهوماً جديداً للمراسل الحربي، وفي عام 2004 م أصبحت المدونة ظاهرة عامة وذلك بانضمام مستخدمي (انترنت) إلى صفوف المدونين.. (محمد مروان مدّاح) تونسي ومدير مشاريع للويب كان من أوائل الذين أنشئوا مدوناتهم وذلك في صيف 2003م باللغة الانجليزية وفي يوليو 2005 كانت مدونته العربية.. يحدثنا عن ذلك قائلاً: «الذي دفعني إلى إنشاء مدوناتي (أزرق تحت الصفر) هو الرغبة في التعبير عن آرائي فيما أجده مهماً من أحداث عالمية وأخبار، نقل بعض المستجدات التقنية، كتابة أفكاري وخواطري ورواية تجاربي المختلفة.. مدونتي هي مرآة لكل مايدور في رأسي ولهذا أنا أكتب فيها عن العديد من المواضيع المختلفة بما فيها مساندة فلسطين ولبنان والعراق.. وأحاول من خلال مدونتي الانجليزية إيصال رأيي ووجهة النظر العربية إلى العالم وتحطيم الحواجز وسوء التفاهم بيننا وبين الغرب، أما العربية فالهدف منها التعبير عن وجهات نظري في القضايا العربية ومحاولة تحفيز نهضة ثقافية جديدة».
المدونة هي التعريب الأكثر قبولا لكلمة blog الإنجليزية التي هي نحت من كلمتي Web log بمعنى سجل الشبكة، وهي عبارة عن صفحة ويب تظهر عليها تدوينات (مدخلات) مؤرخة ومرتبة ترتيبا زمنيا تصاعديا، تصاحبها آلية لأرشفة المدخلات القديمة، ويكون لكل مدخل منها عنوان دائم لا يتغير منذ لحظة نشره يُمكّن القارئ من الرجوع إلى تدوينةٍ معينة في وقت لاحق عندما لا تعود متاحة في الصفحة الأولى للمدونة، ويتيح موفرو الخدمة آليات أشبه بواجهات البريد الإلكتروني على الويب تجعل أي شخص قادر على أن يحتفظ بمدونة ينشر من خلالها ما يريد بمجرد ملء نماذج وضغط أزرار، كما أن هناك خصائص مكملة تقوم على تقنيات XML (Atom وRSS) لنشر التحديثات، وخدمات أخرى للربط بين المدونات والأهم من ذلك كله هو التفاعل بين المدونين والقراء من خلال التعليق على مدخلات المدونة، وينظر إلى التدوين باعتباره وسيلة النشر للعامة التي أدت إلى زيادة دور الويب بالإضافة إلى كونه وسيلة للنشر والدعاية والترويج للمشروعات والحملات المختلفة.. ويمكن اعتبار التدوين كذلك إلى جانب البريد الإلكتروني أهم خدمتين ظهرتا على إنترنت على وجه الإطلاق.. المهندس المصري (سامي الطحاوي) صاحب مدونة (Who Walks Alone)ويُشارك حالياً في تخطيط وإدارة موقع تدوين (أول مجتمع عربي للمدونات) ومشروعات عربية أخرى يُساهم بها مع فريق من المهتمين بتطوير انترنت العربي يقول حول تجربته في التدوين: (بدأت التدوين قبل 3 سنوات باللغة الانجليزية وانتقلت للعربية منذ عامين، وكأغلب قدامى المدونين الذين اعرفهم كنت مشاركاً نشطاً في عدد من ساحات الحوار، تجربتي مع المنتديات كانت ثرية للغاية ولا يمكنني إنكار أهميتها لكن كتطور طبيعي انتقلت إلى عالم أكثر حرية واستقلالية، المدونة والمنتدى قائمان على تقنية واحدة قد تبدو مختلفة في الشكل النهائي لكنهما في الأساس وجهان لعملة واحدة، كلاهما يسمح بالتفاعل والحوار ولكن تتميز المدونات بانفراد الكاتب، المنتدى كيان اجتماعي معقد وله أصول وأعراف قد تقيد حريتي في الإبداع بينما المدونة هي سكني الخاص حيث ابتعد عن رقابة الأهل والسلطة..وأرى الآن أن المدونات هي مستقبل المواقع الحوارية والشخصية معاً, وليس هذا بالضرورة مستقبل انترنت عموماً.. في الأساس مدونتي هي منبر لأفكاري وهذا لا يقتصر على مجال معين فأنا أكتب في السياسة والتقنية وخواطري وتطوير الذات والخيول العربية التي لعائلتي تاريخ طويل فيها لكنني مع ضغط الاتجاه العام في الانترنت أميل إلى مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية.. وضحت رأيي في بعض نقاط الخلاف الساخنة فيما يتعلق بالحرب.. تحدثت عن موضوعات أعتقد أنها تهم كل من يمر بمدونتي ونشرت فكرتي عن الأحداث. هذا ما نفعله في حياتنا اليومية حين نتحدث عن أي شيء لكن التدوين منحني فرصة الكلام لجمهور أكبر وغالبا أكثر نضجا من عدد الأفراد المحدود الذي أراه يومياً».

ولأن من حق الجميع أن يُجربوا كل المفاتيح ليتذوقوا مخارج النور.. كان ل الكُتّاب أصابع (أخطبوطية) تُقربهم أكثر.. يقول الكاتب الأردني الساخر الأستاذ كامل النصيرات والذي يكتب في صحيفة (الأنباط الأردنية): «أنشأت مدونتي في شهر مارس الماضي.. والدافع لذلك بسيط للغاية أن علم المدونات بدأ يقتحم البيوت بالمجان ..فأنا أصل بثوان لمن يريد أن يقرأني.. ومقالتي اليومية في الصحيفة هي ذات المقالة التي أضعها بالمدونة كل يوم مع فارق بسيط ومهم ..رئيس تحرير الصحيفة قد يحذف جملة واثنتين أما في المدونة فأنا رئيس تحرير نفسي فلا أحذف شيئاً لأني منحاز تماماً لنفسي ...!! وبالتالي هي انعتاق من الرقابة.. وإذا لم يتذاك النظام الرسمي العربي على هذه المدونات بقوانين مفاجئة ستصبح هذه المدونات ديوان العرب الجديد!».. ويُضيف: «في البداية ..يجب أن تكون الكتابة إبداعية ولا يوجد سلطة للجمهور عليها ..وبعد أن تكون المقالة جاهزة للانطلاق تصبح حقّاً للقارئ ..وأهتم جدا بردود الفعل والتفاعل ..رغم أنني لا أملك في الوقت الراهن وقتاً كي أرد على تعليقات الزوار ..ولكني حريص على سماع آرائهم وراغب بها».
كل الأفكار المرتبة والمشوشة تحتضنها المدونات.. وكل الآراء المعتدلة والمتطرفة تُعلن عن نفسها بوضوحٍ بالغ.. وكل المعلومات المتخصصة والعامة تجيب عن أسئلة حيناً وتكمل الجمل المبتورة حيناً آخر.. (غادة خالد) فتاة سعودية تكتب الأدب.. أنشأت مدونة (Light) في بداية عام 2004 بقصد الخروج عن المألوف في المنتديات وتعمل حالياً على الاشتراك مع مجموعة في استصدار مجلة إلكترونية تقول: «يمكن تشبيه الفرق بين الكتابة في المنتديات والمدونة كالكتابة في جريدة محلية ثم الانتقال إلى جريدة توّزع عالمياً.. إذا استثنينا الرقابة في المنتديات والتي لا تبدو منطقية في أغلب الأحيان.. فإن الرقابة بأي شكل من الأشكال تظل موجودة خاصة معنا في السعودية بالإضافة إلى الرقابة الذاتية هناك رقابة من مدينة الملك عبدالعزيز التي تحجب المواقع والمنتديات في قرارات غريبة بعض الأحيان أنا لا أظنها محاولة للانعتاق من رقابة المنتديات - رغم أن البعض يفعل ذلك فعلاً - لأن القصد الأساسي منها كان تبادل الخبرات، الأفكار، الأهداف، الآراء، وإيجاد اهتمامات مشتركة مع الآخرين.. باختصار المدونة محاولة لقول ما لدينا وبطريقتنا الخاصة!» .
من الواضح أن سنابل الكلمات التي بدأت في المنتديات.. صارت تضيق ذرعاً بالريح المستبدة ليد الرقابة.. لذلك وحتى تصل قامة القمح لعلوٍ مناسب.. أصبحت (المدونة) أرضاً حرة نمتلكها دون مقايضة.. حول هذا تقول صاحبة مدونة (سراب.. وأحياناً أغدو تنهيدة) التي ظهرت للعلن في أغسطس عام 2004: «كان الدافع هو رغبتي في الحصول على زاوية خاصة بي.. أكتب على جدرانها وأرضها كيفما أشاء ومتى أشاء بعيداً عن التقيد بقوانين وحصار المنتديات (رغم أني لا أخرج عن القانون) أو ربما أردت الكتابة بعيداً عن تلصص عيون لا تتقن سوى المراقبة السلبية.. مدونتي هي مكان للفضفضة والرسم بالكلمات.. وأطمح لإيصال كلماتي للآخرين.. وإلى نشر روايتي الأولى قريباً».
أمواس الحروب كافية لجرح ممرات الروح وأردية البراءة.. ومحرضة لضمّادات الكلام التي تنتشر تقنياً في المدونات .. حول هذا يقول الكاتب الساخر كامل النصيرات: «الحدث الكبير لا يمكن لكاتب سياسي وسجين سياسي سابق أن يتجاوز عنه ..وقد وقفتُ مع حربنا الجديدة وأضحكتُ الناس على صغارهم وأبكيتهم على دمهم وشددتُ من معنويات المتردد ..وكنتُ سليطا على من أراد سرقة النصر من تفاصيل حربنا الجديدة»
في حين كان للشاب السعودي (أحمد س) صاحب (مدونة أحمد) التي أنشأها في مارس 2006 م هذا التعليق: «نحاول نشر المعلومات التي لا تنشر في الأخبار.. ونتابع تدوينات الأخوة في لبنان ونحاول المساهمة في إيصال صوتهم ونشر معلومات عن طرق مساعدة الشعب اللبناني الشقيق.. وأنا هنا.. كمتصل بالعالم عبر انترنت.. أحاول أن أساهم بما استطيع لإحداث أي تغيير إيجابي». ورغم العالم الافتراضي غير أن البشر لا تنبت على أكتافهم أجنحة ملائكة.. وبالتالي فإن تفاعل الزوار والقراء يهم المدونين باعتراف الجميع.. يقول المهندس (سامي الطحاوي) بشفافية بالغة: «لا أحب عبارة أنا أكتب لنفسي هذه.. لو كنت أكتب لنفسي فستبقى مقالاتي على حاسوبي أقرأها كما أشاء لا حاجة لموقع ولا تنسيق ولا اختيار عبارات!.. حتى عندما أكتب موضوعا تقنيا فأنا أحب أن أرى ثمرة مجهودي وأن أتأكد أن هناك من استفاد منه.. في كثير من الأحيان زوار مدونتي هم من يفيدونني ويقدمون لي المزيد».. وتؤيده (غادة خالد): «طبعاً تفاعل الزوار مهم.. ومهم جداً.. أي كاتب يقيس يعرف أن مقياس نجاحه هم القراء، التبادل الحاصل بين القاريء والكاتب يساعد في البحث عن أفكار جديدة بالإضافة إلى الخبرات والمعلومات هذا مفيد جداً للاثنين ففي بعض الأحيان تنشأ علاقة صداقة بينهما.. صداقة جميلة جداً» .إذاً.. عندما تقوم بزيارة متأنية لمدونات مختلفة.. ستجد نفسك تتصفح أفكار الناس.. رؤاهم.. وأحلامهم.. وربما تخرج بنظرية جديدة في علم الاجتماع.. فكل الاحتمالات مفتوحة !