نجا ميناء جبيل اللبناني من الرومان والحملة الصليبية وجيوش الاسكندر الاكبر لكنه الآن يواجه خطرا من نوعية مخاطر القرن الحادي والعشرين جلبته الحرب الى شواطئه.. التلوث النفطي.
فقد سببت بقعة نفط من جراء قصف اسرائيل لمحطة للكهرباء الشهر الماضي خلال حربها على لبنان مدا اسود على امتداد 140 كيلومترا من الساحل.
قليلة هي الأماكن التي تضررت بدرجة اكبر من جبيل التي يعود تاريخها الى سبعة آلاف عام وتقع على بعد 35 كيلومترا شمالي بيروت.
يرتطم النفط السميك الأسود بالحائط الحجري العتيق للميناء تحت ظل برج للمراقبة يرجع تاريخه الى القرن الثالث عشر. العمال يستخدمون حفارا ميكانيكيا لرفع النفط من المياه ويلقونه في صهاريج بلاستيكية على الأرض المحاذية لرصيف الميناء.
من هنا ينقل الى بيروت ليخلط بالحصى والحجر لصناعة مواد للبناء. معظمه سيستخدم في إصلاح الطرق التي دمرها القصف الاسرائيلي خلال الحرب التي انتهت بهدنة دعمتها الأمم المتحدة في 14 اغسطس آب.
وقال نبيل سعد من مجلس بلدة جبيل «منذ بدأنا رفعنا اكثر من 100 طن من النفط من هذه المياه. ما زال امامنا عمل يستغرق عدة ايام أخرى».
على بعد اكثر من كيلومتر بقليل على الشاطيء يزيل نحو 100 متطوع الرمال التي تحولت الى اللون الاسود من على الشواطيء التي كانت بيضاء ذات يوم.
كانت الغارات الجوية الاسرائيلية على خزانات الوقود في محطة كهرباء الجية جنوبي بيروت في 13 و15 يوليو تموز قد أدت الى تسرب ما يقدر بما بين عشرة آلاف وخمسة عشر الف طن من الوقود الثقيل الى البحر المتوسط وفقا لتقديرات الأمم المتحدة والتقديرات اللبنانية.
ويقول معنيون بشؤون البيئة إن هذه البقعة قد تضر بالدلافين واسماك التونة والسلاحف البحرية ضخمة الرأس.
تخرج السلاحف الصغيرة من البيض الذي يفقس على الساحل اللبناني كل صيف ثم تزحف فيما بعد نحو البحر. ويخشى نشطاء من أنها حين تصل هناك سيموت بعضها في المد الاسود المميت.
كان الحصار الجوي والبحري الذي فرضته اسرائيل على لبنان منذ بداية الصراع الذي استمر لاكثر من شهر قد عقد عملية التنظيف في باديء الأمر مما جعل من الصعوبة بمكان تقييم حجم البقعة.
وهذا الأسبوع أعطت اسرائيل لخبراء البيئة التابعين للأمم المتحدة تصريحا للقيام بمسح جوي للتسرب الذي وصفه يعقوب الصراف وزير البيئة اللبناني بأنه اكبر كارثة بيئية في تاريخ لبنان.
وقارن برنامج الأمم المتحدة للبيئة بين هذا التسرب وكارثة وقعت عام 1999 قبالة ساحل فرنسا حين سربت الناقلة ايريكا ما يقدر بثلاثة عشر الف طن من النفط الى البحر.
وقال ريك ستاينر الاستاذ بجامعة الاسكا والذي يقدم المشورة للحكومة اللبنانية بشأن التسرب النفطي «نعتقد أنها نحو 15 الف طن وهو تسرب كبير بالمقاييس العالمية».
ستاينر الذي ساهم بجهود خلال أزمات بعض أسوأ بقع النفط في العالم ومن بينها كارثة ايكسون فالديز عام 1989 في الاسكا قال للصحفيين إن البقعة الموجودة في لبنان واحدة من أسوأ ما رأى.
وقال ستاينر «كنت على الساحل هنا في بيروت هذا الأسبوع. كل ما عليه من بطلينوس ولافقاريات وطحالب واسماك وسلطعون وبلح البحر كان ميتا».
ومما يعقد عملية التنظيف أن البقعة بقعة وقود ثقيل.
وقال ستاينر «إنها تتحرك بطرق تختلف عن النفط الخام فهي اكثر سمكا ولا تتبخر بنفس السهولة».
ويقول بعض المعنيين بشؤون البيئة إن التسرب امتد شمالا ليصل الى سوريا بل إنه حتى وصل الى شرق تركيا.
وبعد أن أعطت اسرائيل التصريح قال برنامج الأمم المتحدة للبيئة إنه يجب القيام بطلعات مراقبة جوية بأسرع وقت ممكن. ووافقت الأمم المتحدة على خطة عمل للتعامل مع التسرب لكنها تقول إنها تحتاج الى جمع 50 مليون يورو (64,18 مليون دولار) لسداد النفقات.
وفي جبيل الذي كان ذات يوم ميناء فينيقيا وواحدا من أنشط مراكز التجارة في شرق البحر المتوسط ساهمت البقعة في الإضرار بصناعة السياحة التي ألحقت بها الحرب أضرارا بالغة بالفعل. فالمقاهي والفنادق المطلة على البحر خاوية. والأسرة التي كان مرتادو الشاطيء يستلقون عليها تحت الشمس ملقاة دون أحد ليستخدمها بجوار المياه التي غطاها النفط.
وعلى بعد 48 كيلومترا الى الشمال في جزيرة قبالة الساحل هي محمية طبيعية نظف معنيون بشؤون البيئة الرمال في محاولة لإنقاذ السلاحف التي ينتظر أن تفقس في اي يوم.
وقالت منال نادر مديرة معهد البيئة بجامعة بالاماند بشمال لبنان «هناك 16 عشا للسلاحف في المحمية... نأمل أن يؤدي تحركنا الى نجاتها».
ويقول بعض المعنيين بشؤون البيئة اللبنانيين إنه يجب أن تسدد اسرائيل نفقات عملية التنظيف غير أن قلة هي التي تعتقد أن هذا سيحدث.
في الوقت نفسه يسعى سكان جبيل جاهدين لإزالة الفوضى.
وقال ستاينر «المكان ضرب بعنف... رؤية هذا الميناء الفينيقي... هذا الموقع الأثري المهم مغطى بالنفط السام تجعل القلب ينفطر حقا».