
بجناحين عملاقين صيغا من وضاءته الفكرية وإشراقه الروحي وثقافته الموسوعية حلَّق العالم والأديب والباحث الكبير الراحل الدكتور أحمد مستجير في الفضاء سنوات وسنوات بلغ خلالها الذروة في كثير من المجالات وفروع العلم والثقافة المختلفة التي شهدت إسهاماته وجهوده الكبيرة كأستاذ جامعي وأكاديمي وأديب وناقد ومترجم وعضو في 12 هيئة وجمعية علمية وثقافية. وقد بلغ الدكتور مستجير - الذي فارق دنيانا في السادس عشر من أغسطس عن 72 عاماً في النمسا متأثراً بجلطة بالمخ فاجأته عقب تتبعه لمشاهد المذابح الإسرائيلية في لبنان - بلغ منزلةً رفيعةً في الميادين التي أبحر فيها بجهوده المتعمقة؛ خصوصاً في مجال الهندسة الوراثية والاستنساخ والعلوم التكنولوجية المتقدمة، وقد كان له الفضل الأكبر في جعل مصر مدرسة متميزة في استنساخ الحيوان، واستحق بجدارةً أن ينال أرقى صور التكريم، ويفوز بالأوسمة والجوائز الكبرى، منها جائزتا الدولة التشجيعية والتقديرية ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى (مرتين) وجائزة أفضل كتاب علمي مترجم وجائزة الإبداع العلمي وأخيراً جائزة مبارك في العلوم التكنولوجية المتقدمة في عام 2002 واشتهر د.مستجير بمواقفه الثابتة إزاء القضايا العلمية والثقافية الشائكة، حيث حارب بكل قوة مشروع الجينوم البشري وتجارب استنساخ الإنسان، وتصدى لمحاولات تجريف العقل وتخريب الروح، وعمل على تقليص المشكلات والعوائق التي يواجهها البحث العلمي في مصر، ودافع عن الريف والطبيعة الخضراء والفطرة الإنسانية الرائقة وحرية البحث العلمي في مجال تطوير الإنتاج الزراعي والحيواني. وقد حصل د.مستجير على البكالوريوس من كلية الزراعة جامعة القاهرة في عام 1954، والماجستير في عام 1958، والدكتوراه من اسكتلندا في عام 1963، وعمل كعميد لكلية الزراعة ما بين عامي 1986 و1995، وكان توجهه إلى دراسة «الزراعة» بمحض اختياره، فهي الدراسة التي لاءمت طبيعته الميّالة إلى الخيال واللون الأخضر والفن والجمال والشاعرية، وله عشرات الدراسات والكتب والبحوث والمترجمات بالغة الأهمية في أكثر من مجال من مجالات العلم والأدب، منها مجموعة من الدواوين الشعرية، ومؤلفات يتناول فيها إيقاعات وعروض الشعر العربي من خلال مداخل رياضية مثل «مدخل رياضي إلي عروض الشعر العربي» و«الأدلة الرقمية لبحور الشعر العربي»، وبعض المترجمات الأدبية والفكاهية مثل «أفكار تافهة لرجل كسول»، و«ثلاثة رجال في قارب»، وانضم د.مستجير إلى عضوية 12 جمعية وهيئة علمية؛ منها: مجمع اللغة العربية، واتحاد الكتّاب، ولجنة المعجم العربي الزراعي، والجمعية المصرية للعلوم الوراثية، وغيرها.
من بين ما رآه د.أحمد مستجير أن التقدم الكبير في مشروع الجينوم البشري يحمل خطورة بالغةً بالنسبة لشعوب العالم كلها؛ وخصوصاً العالم الثالث، فبإزاحة الستار عن أسرار الجنيات البشرية، تثار قضايا فلسفية وفكرية واجتماعية ودينية وأخلاقية لمعالجة حياة الإنسان الجديد، ومن المؤسف حقاً - كما رأى د.مستجير - في هذه الآونة أن القائمين على العلم هم مالكو القوة، وهذا سيجعلهم ينحرفون نحو نتائج مضللة تثبت تفوقهم وتخلف شعوب العالم الثالث، فقد نهض مشروع الجينوم البشري في الأساس على الجنس الآري، فضلاً عن بعض الأجناس الأخرى، ووجد الباحثون أن الفروق ضعيفة جداً بين الشعوب (تكاد لا تتجاوز واحداً من عشرة في المائة بين الجنس والآخر)، ورغم ضآلة هذه الفروق في تكرارات الجينات بين الجنس والآخر، فإن علماء الغرب يحاولون تضخيم الفروق، ليثبتوا تخلف الأجناس الأخرى بالفطرة! وكان د.مستجير يعتقد أن وضع خريطة شبه كاملة للجينات الوراثية للإنسان، هو أخطر الاكتشافات التي ستؤرخ للقرن الحادي والعشرين، وهو كشف يمكن مقارنته باختراع المطبعة أو بتفجير الذرة في أوروبا أو بالنزول على القمر. ومع ذلك فإنه أكد مراراً أن على مصر وغيرها من دول العالم النامية أن تستمر في معارضة الانضمام إلى مشروع كشف الجينوم البشري، لأن المشاركة تعني التكاليف الباهظة بدون داعٍ، فعلى هذه الدول النامية أن تحقق الاستفادة العلمية فقط من المشروع، وتتعرف على نتائجه وتطبيقاته، وتبحث عن الجينات المَرَضِيّة على سبيل المثال لتواجه مشكلاتها. وقد لخص د.مستجير موقفه المعارض من استنساخ الإنسان بقوله: «البشر جميعاً، وليس فقط أغلبية العلماء، يكادون يقفون ضد فكرة استنساخ الإنسان». وقد سعى د.مستجير كثيراً إلى مواجهة المشكلات التي تواجه البحث العلمي في مصر، خصوصاً مشكلة «تمويل الأبحاث العلمية»، حيث إن ميزانية الدولة لا تكفي لتمويل كافة الأبحاث، في حين أن القطاع الخاص يمول الأبحاث التي تؤدي إلى تطبيقات ونتائج مادية سريعة فقط، ورأى د.مستجير أن الحل يكمن في التبرعات الخالصة غير الهادفة إلى الاستثمار أو الربح من أجل دعم البحث العلمي في مصر. كما ناهض د.مستجير فكرة توحيد المصطلحات باللغة العربية في أي علم من العلوم، ورأى أنه يجب أن تكون هناك مرونة كافية، بحيث ينحت كل أستاذ أو خبير متخصص المصطلحات العربية بالصورة التي يراها مناسبة، ومع مرور الوقت فإن المصطلحات الأكثر دقة وقابلية للاستيعاب هي التي ستسود وتنتشر في عالمنا العربي، وأشار إلى أنه لابد أن تكون في جامعاتنا ومكتباتنا ذخيرة حية أو ترسانة ضخمة من الموسوعات والمعاجم والمؤلفات والمترجمات باللغة العربية، فالقاعدة الصحيحة تقول إن الدراسة لدينا يجب أن تتم باللغة العربية.