نسمع دائماً في مجالسنا أن الشعوب العربية لا تناسبها الأساليب الديمقراطية في الحكم وإدارة شؤونها، وان أي مساع بهذا الخصوص ستفشل.. ويعزون ذلك إلى الطبيعة القبلية والتقليدية التي ما زالت تسود المجتمعات العربية، وضعف الوعي لدى المواطن العربي الذي يعاني من الأمية الأبجدية فضلاً عن الأمية السياسية. وبالتالي فإن أية ممارسة ديمقراطية ستتحول إلى فوضى، وفي أحسن الأحوال إلى عشائرية وجهوية مقيتة. وان اعطاء مزيد من الحريات هو بمثابة اعطاء الفرصة لكل التناقضات لكي تظهر على السطح وتتحول في أسوأ الأحوال إلى مناوشات وحروب صغيرة بين الأهل.
هذا يعني في نظرهم ان الشعوب العربية لم تبلغ سن الرشد، وان فرض الوصاية عليها هو الضمان الوحيد لحاضرها ومستقبلها. وعلى المستوى المحلي يتمثلون بالتجارب العربية المخفقة في مجال الديمقراطية للتخويف من بعض الممارسات الديمقراطية وهذا مثال فاسد لأن الديمقراطية لم تمارس بشكل صحيح في الدول العربية في الخمسين سنة الأخيرة اللهم إذا استثنينا تلك التجارب البرلمانية الخجولة في الأردن والكويت واليمن.
صحيح ان الديمقراطية تجربة انسانية ترعرعت ونضجت في الغرب، لكنها نتيجة تجارب إنسانية عالمية. ولذلك نجحت خارج منبتها الأوروبي في أمريكا الجنوبية وآسيا وافريقيا، وأصبحت الصيغة المناسبة للممارسة السياسية في كثير من المجتمعات، وكأن نبوءة «فوكوياما» في «نهاية التاريخ» قد تحققت على ذلك الشكل، مع أن التاريخ لا ينتهي وشوق الإنسان وتطله للتغيير لا ينتهي أيضاً. وليست التجربة الهندية عنا ببعيد فبالرغم من التعدد اللغوي والديني والإثني إلا انها نجحت في تطبيق ديمقراطية سليمة أدت إلى نجاح اقتصادي أذهل العالم كمثال يحتذى لدول العالم الثالث ومنها الدول العربية.
إن ما حدث في الانتخابات البلدية في المملكة من نجاح يبدد جميع تلك المخاوف؛ فقد أظهرت النتائج في معظم إن لم نقل كل المناطق ان النعرات القبلية لم تظهر وان العاطفة الدينية لم تعم العيون عن رؤية الحقائق، وان العقول قبل الأموال، وان الأموال لا يمكن أن تشتري إرادة الشعوب دائماً، حيث رأينا تراجع مرشحي القبائل والدعاة ورجال الأعمال أمام التكنوقراط والخدماتيين والبراجماتيين، بل ان أحد رجال الأعمال الكبار في مدينة الرياض أنفق عشرات الملايين في حملة انتخابية قوية، وملأت صوره الشوارع والميادين، ومع ذلك حل ثانياً في دائرته الانتخابية وبفارق كبير جداً يصل إلى عشرين ألف ناخب عن المرشح الأول، وفي مدينة بريدة المعروفة بالمحافظة الشديدة كان التخوف من أن يسيطر أصحاب اتجاه معين على مقاعدها ولكن جاءت النتائج متوازنة وواقعية لصالح أصحاب الجهود الخدماتية معبّرة عن وعي انتخابي رائد.
إذاً فإن ما كان البعض يتخوف منه لم يحدث؛ فلا الجهلة فازوا ولا القبيلة سيطرت ولا المال عزز موقع أصحابه، وهذا دليل آخر على أن الناس يعرفون ماذا يريدون وأين مصلحتهم ومع من تكون. بل إن الأجواء التي حصلت فيها الانتخابات كانت صحية جداً فلم يحدث ما يعكر صفوها من مناوشات وتعديات وخلافها.
إن نجاح الانتخابات الجزئية لاختيار أعضاء مجالس المناطق يمسح الصورة السلبية التي ارتسمت في مخيلاتنا عن الديمقراطية ويطرد المخاوف التي طالما سيطرت على عقولنا وكبلت إرادتنا عن المساهمة في خدمة الوطن.
على أن أي نظام يتم نقله من مجتمع لآخر لا يبقى كما هو بل يخضع لتعديلات سياسية واجتماعية وثقافية وهي أمور حتمية يمكن ممارستها لبيئة هذا النظام على ألا يتعدى إلى إلغاء جوهر العملية الديمقراطية.
٭ باحث اجتماعي
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له