• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1053 أيام

في الغربة لا بد من الالتزام بتعاليم الإسلام


أ.د.محمد بن أحمد الصالح

    ينبغي أن نعمل على تنمية العمل الجماعي، والأخذ بروح الفريق لأن الفرد القادر على الحلول والخوض في المسائل أسطورة لا مجال لها في عالم الواقع، لقد استبدل الكثير من الناس العمل بروح الجماعة والحوار، بالفردية التي ذمها الله في آيات كثيرة. فالعاملون بروح الجماعة يجمعون بين النقاء والطهر والترفع عمّا لا يليق وتظهر فيهم روح العفو والتسامح ويلتزمون بالاستجابة لله وإقامة الصلاة والتشاور، والتكافل الاجتماعي، والبذل في سبيل الله والانتصار للحق، أو بعبارة أخرى يجمعون بين قوة الصلة بالله وقوة الترابط الاجتماعي، ويدفعون بها عدواً ظالماً.

وسنرى أن الحوار يدور هادئاً فهو حوار فكر، وفكر قوى الرأي، والآراء الروافد تصب في نهر كبير هو المصلحة العامة، وكل منا يتعين عليه أن يحترم الرأي والرأي الآخر دون استنقاص لصاحبه أو نيل من منزلته، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} (الحجرات: 11). والجميع يحفظ سورة الحجرات ويتعين عليه أن يطبق كل ما فيها من القيم والمُثل العُليا وأدب التعامل والحوار، وحينما يطرح الموضوع يكون المتحاورون درسوه من قبل، فالعلم خزانة ومفاتيحها السؤال، فإنه يؤجر في السؤال أربعة: العالم والسائل والسامع والمحب لهما.

وينبغي أن نعلم مفهوم العصبية والفرق بينها وبين الولاء الوطني، وبيان الفرق بين العصبية بمعنى المنعة والشوكة، وبين التعصب الممقوت الذي نهانا عنه نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوما، قيل: انصره إذا كان مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم فذلك نصره)، ودعا المسلم إلى التعاضد والتناصر في قوله عليه السلام: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، وقال عليه السلام: (من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله أقدامه على الصراط يوم تزل الأقدام). وقال عليه السلام: (ما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتهك فيه عرضه أو ينتقص من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) وفي حياتنا اليومية كثير من الأمثلة على النصرة العادلة والنصرة الظالمة، والخشية من أن يتراجع الحق أمام العصبية الإقليمية أو الطائفية والجور في الحكم والكيل بمكيالين، وفي هذا أذكر ما أخرجه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد قال: كتب أبي الدرداء إلى سلمان الفارسي رضي الله عنهما أن هلم إلى الأرض المقدسة فكتب سلمان أن الأرض لا تقدس أحد إنما يقدس الإنسان عمله، وقد بلغني أنك جُعلت طبيباً تداوي، فإن كنت تبرئ فنعم ما صنعت، وإن كنت متطبباً فاحذر أن تقتل فتدخل النار، فكان أبي الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم انصرفا عنه نظر إليهما، فقال: متطبب والله ارجعا إلي فأعيدا عليّ قضيتكما، وهذا يؤيده قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: انكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها). في الآونة الأخيرة انصرف الكثير عن الربط بين العمل العقلي والعمل اليدوي، ومازالت النظرة إلى الحرف اليدوية دون النظرة إلى العمل الفكري أو العقلي، ولا ينطبق هذا على كل الآفاق فإن الجهد اليدوي إذا سبقه مستوى علمي وتقني ارتفع بمكانته في المجتمع، وأقرب نموذج لذلك الجراحة والتخصصات الدقيقة، إن الجراح عالم يجمع بين العلم والتقنية والفن والهندسة الطبية، وهي عالم واسع بعيد المدى في كثير من الفروع، ولست عن هذا أتحدث إنما الحديث عن الأسس التقنية التي نستطيع بتوسيع ورفع قاعدته أن نرفع من قيمة العمل اليدوي في كافة مرافق الحياة، وأقول هنا قولاً لا تنقصه الصراحة إذا نظرت إلى المصنع الياباني، وجدت الجميع من أصول واحدة جميع الأعمال من باب المصنع إلى مكتب المدير ومجلس الإدارة الكل يابانيون وهم يفتخرون بذلك، ويعتبرونه من أسباب التجانس القوية في نهضتهم وإذا عدنا إلى حضارتنا الإسلامية وجدنا هذا التقدير للعمل اليدوي وجهدها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكل الإنسان قط خير له من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده). وقال عليه السلام: (من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له)، وقوله: (ما من نبي إلا رعى الغنم، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، كنت أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة) ومارس عليه السلام السلام التجارة، وعندما هاجر عليه السلام إلى المدينة شارك في بناء المسجد، في حفر الخندق، وشارك بفكره ويده في الجهاد، وكان في خدمة أهله يرقع ثوبه ويغسله ويخسف نعله، ويحلب شاته، وفي الجملة كان عليه السلام في حاجة أهله.

وفرق كبير بين القول والعمل بأن يكون موقفنا حديثاً عن العمل دون ممارسة للعمل، وينبغي أن نعتقد أن العمل شرف لصاحبه وخدمة لوطنه، وقربه إلى ربه، ولنبدأ بسؤال بسيط يمكن أن يسأله لنفسه أي فتى وفتاة انظر حولك واستعرض ما تستخدمه في حياتك اليومية: القلم الذي تكتب به، الورقة التي أمامك، المصباح الذي تستضئ به، والنظارة التي تضبط بها إبصارك، والمواد التي تصنع منها منزل، الملابس التي ترتديها، وعندما تذهب إلى المسجد انظر حولك ثانية، واستعرض مكبر الصوت الذي يستخدمه المؤذن والإمام، المواد المستخدمة في البناء، الألوان المستخدمة في كتابة آيات القرآن وطلاء المسجد، ما ترتديه أنت وما يرتديه الناس، المواد التي صنع وطبع بها الكتب، وانظر كذلك في المدرسة والجامعة، والمصنع، وإذا أصاب الإنسان منا مرض فالدواء والأدوات والمختبرات وغرفة العمليات.. إلخ، ووسيلة انتقالك بين بيتك وعملك، وما الآلات المستخدمة في تعبيد الطرق وفي شبكات المياه والهاتف والكهرباء، واسأل نفسك ما نصيب الإسلام والمسلمين من هذا الإنتاج وما نصيب غيرهم، اعتقد أن في هذا الكفاية لنعرف مكاننا في دنيا الناس، وأننا نستهلك ولا ننتج الحضارة، نأخذ إنتاج الآخرين ونلعنهم، ولا نكتفي بهذا بل يميل بعضنا على بعض إرهاباً فكرياً وتصنيفاً، وتكفيراً وإدارنة كأننا عندما قعدنا عن الإنتاج العملي بحثنا لأنفسنا عن وسيلة أخرى نثبت بها ذواتنا فلم نجد إلا أن يستطيل بعضنا على بعض، وأود أن يتحمل معي الاخوة والأخوات الكلمات التالية وهي: أن قدرة غير قليل من جهود الشباب ضائع وغير موجّه، أكاد أقول إن نصيباً من الجهود لا يخرج عن لغو فكري تضيع به الأوقات وتهدر الطاقات وأحياناً تورث الأحقاد والعداوات حتى الذين يعملون تحت رايات الإسلام بل لعلهم أولى من غيرهم عليهم أن يراجعوا جهودهم، ويجعلوها في حاجات الإسلام في هذا القرن الخامس عشر الهجري والحادي والعشرين الميلادي الذي نعيشه، وحاجات الأوطان التي نحمل معاً وجميعاً مسؤولية السير بها إلى غدها المشرق إن شاء الله، كيف يكون عطا الشباب إلى المستوى الأفضل، وكيف يكون قبل هذا إعداده إلى العطاء على مستوى أفضل، هناك مستوى من القدرة ينبغي أن يتوفر في الشباب يأتي بعده التخصص، تماماً كما يتوفر مستوى من اللياقة البدنية في الرياضي، ومستوى من القدرة العقلية ثم تحديداً لموقع العمل والإنتاج.

إن العلاج الأساس لهذا كله هو إعادة توجيه التحدي الحضاري أن يضع هذا الجيل لنفسه هدفاً حضارياً إبداعياً يسعى إليه، ويسهم في صناعة الحياة على هدى وبصيرة بالعلم والبحث والتخطيط. وتحديد الأهداف الجماعية في ضوء التخطيط العام ثم تحديد أهداف الأفراد في إطار الجماعة، وإذا قبلنا مبدأ إعادة التحدي الحضاري كان علينا أن نخطط لبناء الجيل الذي يحمل هذه الأمانة وهذا أمر ليس باليسير، ولكنه ليس بالمستحيل، وإذا كان هناك حل غير هذا لبناء الحياة فأرجو أن نتعاون على الوصول إليه حول مائدة الحوار علينا أن نحب العمل والجهد، وأن نستمد السعادة من المعاناة، هذا سبيل الرقي والتقدم.

وصفوة القول: إننا نستهدف التفاعل الإيجابي مع البيئة والإبداع فيها، وبناء الأجيال التي تستطيع أن تحافظ على التراث الأصيل، وأن تضيف إليه الجديد إثراء له وتوسعاً لآفاقه بمعنى أن نستفيد من الماضي، ونعيش الحاضر، ونستشرف المستقبل. إن آباءنا هم الذين سعوا إلى نيل العلم وضاعفوا الجهد، وتعلموا لغات غير العربية في مواطنها، وهم الذين ربطوا بين المناطق الحضارية من حولهم فقامت حضاراتهم على الأصالة والربط والإبداع، ولكل عصر إبداعه ولكل إبداع هندسته الاجتماعية، هل يقودنا هذا إلى ضرورة إعادة النظر في النظام التعليمي والإعداد العملي للحياة أنها ضرورة وحتم لا يملك الذي يسعى إلى بناء مستقبله أن يتجاهلها أو يتجنبها، وإذا كانت هذه آفاق في الهندسة الاجتماعية فإنها دائماً بحاجة إلى عنصر أساسي هو القدوة الصالحة، والقدوة ليس لها في المجتمع مسار واحد هو من أدنى إلى أعلى، إلا أن القدوة سلوك حميد يشع من حوله نور فحسب، ان القدوة في مواقع القيادة أعمق أثر ولكن لنذكر دائماً احترام الإنسان لنفسه للآخرين، وقدرته على الوقوف بصلابة أمام الانحرافات.

وأن يتذكر الواحد منا أن يعرف أين ثبت لا أين نبت، ونتذكر قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون} (البقرة: 30). {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} (الإسراء: 70).

ونعود إلى ما ينصحنا به المصطفى عليه السلام: ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر فيهن كالقبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر سبعين رجلاً من الصدر الأول يعملون مثل عملكم)، وقال عليه السلام: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس).

آن لنا أن نؤكد في أذهان شبابنا أن نعيش عهد الفريق العلمي المتخصص، أقول الفريق لننزع من النفوس حب التفرد والأنانية، والعلمي لنؤكد المنهجية العلمية القائمة على الوصول للبحث، جمعاً للمعلومات ملاحظة وتجربة وإعادة تجربة ومقارنة، وصعوداً بالجزئيات للمستوى الأعم من قراءة النتائج، وأقول المتخصص ليبذل كل فرد من أبنائنا وبناتنا تحديد دائرة يعمل فيها ويتعمق ويتسع، والرباط قوي بين التخصص والإبداع.

إن الجمع بين وحدة المعرفة، والتخصص، ومنهجية البحث العلمي، وروح الفريق ركائز أربع يقوم عليها صرح البحث العلمي.

نحن مطالبون بتوفير الجو العلمي الملائم لهذا ابتداء من البيت والمدرسة وأن يتعلم الجيل الجديد كيف يتعلم، وكيف يبحث، لقد أصبح استخدام الحاسبات جزءاً من ضرورات العصر إنه ألف باء الجديدة وبدونها يصبح الشعب في مستوى من الأمية على أن يتجاوزها، وأبرز ما فيها اختصار الوقت لخزن المعرفة واستعادتها، وإجراء كثير من العمليات التي تستهلك الكثير من الجهد والوقت، سرعة الوصول إلى النتائج المطلوبة ليفرغ العقل الإنساني لإبداع جديد، ولا مكان في البحث العلمي للباحث المنعزل غير المتصل بتيار تخصصه، والحوار فيه مع العاملين فيه، وهو حوار أصبح من المتعارف عليه أنه لا تغني فيه القراءة والاتصال البريدي، ولكنه يحتاج إلى المواجهة والحوار المباشر، وهو ما تنظمه المؤتمرات العالمية بفروعها ولجانها المتخصصة، وندوات العمل المحدودة العدد والمشروعات المشتركة وأصبح على الدولة أو المؤسسة أن توفر للباحث المشاركة في ذلك، وأن يكون جزءاً من دورة الحياة العلمية العالمية، ويستتبع هذا التنظيم المكتبات ووسائل الاتصال الحديثة، وتدفق المعلومات والسيطرة على لغات عالمية متقدمة في الفرع الذي يعمل فيه.

المسؤولية أساس في الحياة والدين يقول تعالى: {وقفوهم إنهم مسؤولون}، هذه المسؤولية فردية وجماعية، فردية لأن الإسلام يؤكد قيمة الفرد، ويجعله ذات مكرمة: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}، ومحاسب على عمله: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً٭ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً٭ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}، وحسابه يوم القيامة على هذا الأساس يقول تعالى: {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً٭ لقد أحصاهم وعدهم عداً٭وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً} هنا أيضاً مسئولية جماعية، لأن الإسلام دين الجماعة الذي أوجب الصلاة في اليوم خمس مرات، وجعل صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة كما فرض صلاة الجمعة، وفرض صلاة العيدين، وفرض الحج في العمر مرة، ونحن نعرف منزلة الترابط الاجتماعي وتوجيه الله سبحانه وتعالى لنا: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون}.

وإذا كان الأمر كذلك فمن حق كل رجل وكل امرأة، ومن واجبه أن يعرف مكانه على خريطة العمل في الحياة ومساره على هذه الخريطة فهي متطورة نامية وأقسامها وتخصصاتها وأهدافها إنما تحددها أعمالنا وخطتنا وقدرتنا على توظيف الطاقات المادية والبشرية، ومدى التزامنا بالأساس الأخلاقي الذي يعين على الوصول إلى ذلك الشباب أحد اثنين: إما شاب تحمله الحياة أو شاب يحمل الحياة، وأنت تبدأ حياتك بأن يرعاك غيرك من الوالدين والدولة بما توفر من خدمات ومرافق، ثم يأتي دورك بأن تنتج وتسهم في صناعة الحياة، لك أن تقولها في صيغة أخرى شاب مستهلك وآخر منتج، وحمل المسؤولية في ذاته خير وكرامة، ونقرأ معاً قوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون٭ فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم}، ولكنه سبحانه وتعالى وعدنا بالعون وعلمنا أن نتوجه إليه سائلين: {إياك نعبد وإياك نستعين}، {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}.

علينا أن نسير بنور الوحي ونور العقل ولك أن تقول الكتاب والسنّة والاجتهاد، مثل لو نظرت إلى ما يمكن أن تستفيده من دروس هجرة المصطفى عليه السلام من مكة إلى المدينة، وما اجتمع فيها من قوة الإيمان والإبداع في التخطيط، والدقة في التنظيم، ومن ثم العمل على تنظيم المجتمع الإسلامي في المدينة للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وتدوين وثيقة المدينة، ومشاركته عليه السلام أصحابه في بناء المسجد، وفي حفر الخندق، وفي بذله الجهد والرأفة والرحمة والرفق بالناس والتماسه العذر للمخطئ وعفوه عن المسيئ وطلب الرأي من الصحابة، وقبوله لمشورتهم وصدق الله حيث يقول: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}، وقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم}.

وإذن فالتوازن والترابط بين الإيمان والتخطيط العلمي الدقيق هو أهم مقومات النجاح في أي عمل يدعو إليه التصرف الحكيم، ولا ننسى أن نعمل ما في وسعنا لحسن التعامل مع أهل البلاد التي نقيم فيها، وذلك بالصدق والأمانة، واحترام الغير، وأن ندعو إلى ديننا بسلوكنا عاملين بكتاب ربنا {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}، وقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}. والبر أقرى أنواع الإكرام والاحترام، والقسط قمة العدل والانصاف.

ويتعين أن نظهر من السماحة، ولين الجانب، وحُسن الصحبة، والتقيد بما تحتمه سمة الدخول من احترام جميع الأنظمة والقوانين، ومراعاة الظروف والأحوال والعمل على جلب المصالح، ودفع المفاسد والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والبعد كل البعد عن الكذب والتحايل، والتزوير، أو التلفيق أو التضليل، وأن نجعل من أنفسنا وسلوكنا مرآة صادقة لديننا وبلادنا.

فالقرآن يعلمنا الوفاء بالعقود والوفاء بالعهود {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً}.

ويعلمنا أن الحياة دون إيمان وعمل خسران، وأن الأمرين يحتاجان إلى جناحين من حق وصبر، وبهذا يحدث التغيير في المجتمع، وما التاريخ أنه رصد المتغيرات، وما الحضارة أنها صياغة المتغيرات، وبغير الرصد والصياغة تكون حياة الإنسان كحياة النمل والنحل لا تاريخ لها.

وهناك سؤال لا نملك إلا أن نجيب عليه لماذا اختار الله بلادنا بالذات لتكون مهد الإسلام واختارنا لحمل الأمانة، لا عقلاً ولا منطقاً نستطيع أن نتصور أن الله اختار أسوأ أرض وشعب لحمل أكرم رسالة وأعظم رسول، وإذا تعمقنا في قوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}، نحس أن {حيث} هذه تشمل الأرض والرسالة والرسول والناس.

إن بلادنا إن لم تكن مجرد أكوام من الرمال ولا مجرد قافلة تجاره، ورعاه يتتبعون مواضع الكلأ حياتهم حروب وأسواق وتجارة، فقد كشفت بلادنا عن حضارة عظيمة حملها أبناؤها للناس...






التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات