دعونا نتحرر من بعض الوهم، وننظر إلى حقائق الأمور بمنظار يتسع لرؤيتنا لأنفسنا والعالم، ونصل إلى طرق التقاطع بيننا وبين الغرب الذي أصبح أهم هدف للمتطرفين، وفيما إذا كانت عملية مطار هيثرو في لندن نجحت، وضج العالم للخسائر وجرّم الإسلام عقيدة وإنساناً، وجرّت المشكلة تعبئة عنصرية ضد مسلمي المهاجر، فهل كسبنا التحدي، واستطعنا بنقل المعركة إلى داخل تلك الدول أن نغيّر السلوكيات، وأنماط التفكير والعداوات؟
فمثلاً أعلنت بريطانيا مسئوليتها عن توطين اليهود بفلسطين ودعمهم وحمايتهم، وهي المتسبب في طرد الفلسطينيين، وأنها بدأت تراجع تاريخ مراحل استعمارها، وحان الوقت للاعتراف بالجرائم، والقيام بتعويض الفلسطينيين عن كل ما تعلق بأضرارهم المادية، والبشرية، وأنها ستعلن بقوة ما تملك فرض دولة فلسطينية بحدود عام 1967، وعودة اللاجئين، ودعم صندوق دولي يقوم بإعمار كل ما تهدم، وفرض غرامات بواسطة المجتمع الدولي على إسرائيل وتجريمها بكل ما قامت به؟
ثم جاء رد الفعل الأمريكي أكثر ايجابية وتطوراً، بأن عداءها للمسلمين والعرب كان أكبر خطيئة بتاريخها، وانجزت انسحاباً من العراق، وأفغانستان، وأجبرت إسرائيل الخروج من لبنان والقيام بدفع فواتير الخسائر بما في ذلك الاشعاعات التي تسبب بها سلاح الاحتلال للعراق، وأعلنت عزلتها الخاصة، وانسحابها من السياسات التي أدخلتها مع العالم بتناقضات ضخمت عداواتها، ووضعتها في حالة حرب مستمرة مع معظم المناطق المتوترة..
مثل هذا الوهم لن يتحقق من خلال حرب منظمات، ولا حتى جيوش نظامية دورها تحريض الجماهير، وبعدها تعلن الهزيمة، لأن ميدان المعارك صراع عقول يرتفع رصيدها العلمي، وثقافتها الشعبية، وعقارها الصناعي والزراعي كل يوم، ويتطور نظامها وفقاً لارتفاع وعي شعوبها، وبالتالي لا تهتم بالعواطف أو أمزجة الشعوب المتخلفة، لأن أدوارها تُرسم وفق خطط تقوم على تلبية مصالحها كهدف واستراتيجية طويلة أو قصيرة..
في الوقت ذاته هناك تقديرات تحدد نسب الخسائر للنجاح، فمثلاً الحرب على الإرهاب ليست ناجحة لعقم أسبابها، فأمريكا تحتل العراق وأفغانستان، وتبارك مع بريطانيا حرب إسرائيل على لبنان، ومناظر الدماء وحالات القهر عوامل تفجير بذاتها، ولذلك استوطن المتشددون العراق، وعادوا مرة ثانية إلى أفغانستان، وانفتحت بؤرتان جديدتان في كل من الصومال ولبنان، وقد يتلوها تنامي تيارات تدعمها حكومات ونظم تستفيد من حالات الانفصام القائمة بين الغرب والعالم الإسلامي، وهي مشكلة، إذا لم تعالج بمسئولية تلغي التحديات، فالبديل ساحات معارك بوسائل متجددة، لأن من يعتقد بشرعية الموت وقيمته العليا، لا يهمه قيم الآخرين ومبادئهم، وبالتالي فإن الحوار السياسي، هو البوابة للحوار الحضاري، لا العكس..