من يراقب الوضع القائم بين رجال المرور الذين يترصّدون السيارات المخالفة لأنظمة السير، وبخاصة السيارت التي تتجاوز الحد المسموح به في السرعة؛ يلاحظ أن هناك ما يشبه اللعبة بين الطرفين. لعبة تدور بين رجل أو رجال المرور من جهة، وبين السائقين من الجهة الأخرى. فرجل المرور يبذل جهدا كبيرا في الترصّد للسائقين المسرعين ويضع لهم الكمائن السريّة في أماكن غير واضحة لكي يقعوا بها على حين غرّة منهم فيصطادهم فرحا بهذا المغنم الثمين. وفي المقابل شعر السائقون بهذه الحيلة فبادروا إلى تلافيها؛ فتجد أحدهم ما إن يرى سيارة المرور أو يقترب من الكباري والأنفاق حتى يخفض السرعة إلى الحد المقنن؛ فإذا تجاوز مكمن الخطر زاد السرعة.
ومما ينبغي ذكره أن هذا السلوك الخاطئ الصادر من السائقين يمثل تهورا لا يمكن قبوله. ولكن لو تأملنا جانبا من ذلك السلوك والسبب وراء تفاقمه، لوجدنا أنه قد يكون ردّة فعل على تصرّف رجال المرور ضدّهم؛ ذلك أن القضية في أذهان الطرفين ليست أكثر من مباراة في الصيد أو المطاردة بين طرفين. على أن التشبيه في عنوان المقالة يقصد به نظام اللعبة التي لا نهاية لها بصرف النظر عن أطرافها. ويمكن من باب التوضيح أن نقول إن رجل المرور يشبه الصائد الذي يريد اصطياد غزال في غابة، والغزال يهرب من الصيّاد حينما يراه. ولهذا فإن الصيّاد يمارس الحيل المختلفة من اختباء وراء الأشجار ومن وضع أقنعة تخفي معالمه ومن تمويه بالأمان لكي يستدرج الغزال ويستغل أي ثغرة أو غفلة منه ليوقع به. إن تهرب الغزال ومحاولته هو الآخر البحث عن طرق لتلافي الحيل المرصودة له، هو سلوك طبيعي ينتج عن وجود شعور غريزي يدفع الحيوان والإنسان لتلافي الخطر.
المشكلة أن السرعة هي الخطر وليس المرور، ولكن ذهن السائق يرى أن أفراد المرور يمثلون له الخطر من خلال سلوكهم الذي تنقصه المهنيّة في بعض الحالات لأنهم يتعاملون مع السائق المسرع أو المخطئ أو ممن نسي ربط حزام الأمان على أنه مجرم يستحق العقوبة، وليس على أنه شخص مخطىء يحتاج إلى تصحيح سلوكه.
ومما يمكن الإشارة إليه أنه لو كان هناك وضوح في الهدف لدى أفراد المرور بأن من أهدافهم توعية الناس إلى السلوك المروري الصحيح، إضافة إلى مساهمتهم في حماية أرواح الناس من الخطر من خلال تطبيقهم للنظام- لساهم ذلك في خلق علاقة إيجابية بينهم وبين السائقين. لكن الواقع الذي يعرفه بعض الناس من خلال احتكاكهم بالمرور هو أن البعض من رجال المرور يشعر أن هدفه الأساسي هو جزائي لمعاقبة السائقين المخالفين للنظام؛ ولهذا يرى في السائق المخالف شخصا عدوانيا أو مستهترا به. ومن هنا فإن علاقته بالسائق تتحوّل لا شعوريا إلى علاقة عداوة شخصية، ويظهر ذلك من مناداته للسائق بطريقة مهينة، ومن التحقيق معه بشكل استفزازي؛ وما يتبع ذلك من سجن وإذلال. وهذا السلوك ربما يدفع السائق إلى أخذ موقف سلبي مضاد للمرور.
جدير بالذكر أن التعامل مع السائقين يحتاج إلى وضوح في الهدف؛ بحيث يُعطى السائقون الثقة ويعلمون أن رجل المرور هو صديق لهم يسعى إلى حل مشكلاتهم ويساعدهم ويرشدهم للنظام؛ فيقدرون دوره ومهمته الكبيرة التي يقوم بها. وهذا لا يمكن أن يتحقق في ظل سياسة الاختباء ووضع الكمائن واستخدام سيارات مدنية للإيقاع بالسائقين. قد ينفع هذا الأسلوب في بث الرعب في نفوس الناس لدفعهم نحو التقيد بالنظام. ولكن ذلك التقيّد ينبغي ألاّ يخدعنا لأنه التزام مؤقت ناتج عن الخوف من العقوبة دون أن يتضمن وعيا بأهمية هذا النظام وضرورة احترامه. ولا أعتقد أن رجال الأمن بشكل عام يسعون إلى ترسيخ الرعب في نفوس الناس لحملهم على الانضباط ؛لأن الخوف لا يمثل قيمة حضارية تعزز في الناس احترام النظام والتقيد به نظرا لأن أثر الخوف دائما جزئي؛ تمامًا كما يفعل الأب الانفعالي المتسلط في تربية أولاده بالقوّة حتى إذا غاب، غابت معه القيم التي كان يتقيد بها أطفاله عند حضوره.
ولعله من المناسب لو ينال رجال المرور تدريبات فعّالة في التعامل مع الجمهور، وفي تنمية الشخصية، واكتساب مهارات الاتّصال البنّاء. ذلك أن المهارات المهنيّة الشخصيّة عند رجل المرور تساعده على تطبيق النظام بما فيه من عقوبة وصرامة، وفي الوقت نفسه تجنّبه الوقوع في معاداة الناس بما في ذلك تنمية السلوك السلبي عند المجتمع. إن ابتسامة صادقة على محيا رجل المرور قد تخجل السائق المخطىء وقد تجبره على الالتزام بالنظام؛ كما إن إلقاء التحية وتبادل عبارات الود مع السائقين سوف تعزز فيهم الشعور بأن رجل المرور يسعى إلى مصلحتهم والحفاظ على حياتهم. إن غايتنا البعيدة هي ترسيخ قيم احترام النظام والالتزام به عند الناس بحيث أن ممارسته تكون جزءًا من شخصياتهم وليست مجرد استجابة طارئة أملتها ظروف خارجية.
hujailan@alriyadh.com