الخميس 16 رجب 1427هـ - 10 أغسطس 2006م - العدد 13926

نبض الكلمة

قبل عبور بحر الظلمات

شريفة الشملان

      لابد بداية من الوقوف على فوائد الابتعاث للخارج، المتمثل بأشياء كثيرة منها المعرفة العلمية، ومنها بطرق التعليم الجامعي الحر والمعتمد على الطالب وما الأستاذ إلا موجه ومحفز، الامكانيات الجامعية المتعددة والحديثة التي تيسر للطالب فتح أبواب المعرفة من أوسعها (إلا ما تخفيه حكومات الدول الأجنبية عمداً عن عقول وأفكار طلبة من بلدان يعتبرونها لا تستحق العلم المتطور)، الولوج لعالم جديد ومعرفة جديدة وبيئة اجتماعية جديدة، التلاقح مع شباب من دول عديدة تنصهر في بوتقة الجامعات، والحصول على كم معرفي بنماذج كثيرة من شعوب العالم على اختلافها.

الابتعاث الذي نشرت اسماء مرشحيه جاء من الدولة بمعنى أن الجامعات التي تم اختيارها ستكون جامعات لها وزنها وثقلها المعرفي، ولن تكون جامعات تمنح شهادات لمجرد شغل أماكن وظيفية في دولة يعتبرونها من دول العالم الثالث، خاصة ان أغلب الدراسات علمية وبعضها يتعلق بالدراسات الطبية.

الابتعاث يتيح للمبتعث الاستقلالية وتدبير أمره الشخصي دون الاعتماد على أب أو أم.

كل ذاك فضل الابتعاث، لكننا وجلون، خاصة مع كبر عدد الدفعات، التي ستواجه مشاكل كثيرة ومتعددة خاصة في أمريكا وبصورة أخف قليلاً دول الغرب الأوروبي.

قبل العبور إلى تلك الدول بأعداد كبيرة من فلذات أكبادنا يجدر بنا أن نفكر جيداً بأمور عدة وان تتم مناقشة هذه الأمور مسبقاً من قبل وزارة التعليم العالي.

ان صغر سن الشباب (18 - 20) سنة لازال في عرقه هرمونات المراهقة، واندفاعها، هذا والاندفاع الذي يقوم مجتمعنا عادة بمراقبته ومحاسبته والسيطرة عليه (أليس مهماً ان أكون مع ذلك أو ضده، لكن هذا هو الواقع) يذهب إلى مجتمع واسع وعريض ومفتوح على مصراعيه لا يحاسبه إلا إذا أزعجه بصوت أو فعل. انعدام الرقابة الفجائي قد يربك الطالب ويؤثر عليه، وخاصة ان سن 18 هو سن الرشد في أمريكا وكل شيء متاح له وأمام ناظريه، وهو لم يعتد الأمر ويعرف كيف يتصرف حيال كل ذاك.

التحصيل العلمي والمعرفي، هذا التحصيل الذي يتمثل في المقررات الدراسية، وتم شحن عقل الطالب بها خلال فترة طويلة ومعقدة، الخوف من الغريب والتوجس منه، الحكم على مختلفي الملة والحض على كرههم والابتعاد عنهم. كل ذاك يجعله لا يتوازن على الأقل في سنته الأولى مع المجتمع الجديد، فهو إما يكفر بكل ما لقن أو يتصادم مع البيئة الجديدة، وبما أنه راشد فبدلاً من الجامعة سيدخل السجن.

اختلاف الثقافات، ما هو معروف لدينا ومسموح ممنوع لديهم وغير معترف به، والعكس صحيح، اختلاف الأنظمة المعمول بها المرورية مثالاً.

الفكرة التي أخذت عن السعوديين بعد أحداث أيلول (سبتمبر) جعلت البعض من الأمريكيين يبحثون عن الخطأ، لذا فسيكون على الأقل بعض هؤلاء الشباب عرضة لمساءلة وتوقيف ومحاكمة ربما وهم أبرياء، لمجرد الشك من تصرف أو كلمة، لابد أن نذكر ذاك الشاب الذي سأله ضابط الجمارك عن زجاجة بخاخ، فقال له انه عطر وبخ له قليلاً منه، فكان جزاؤه التوقيف. وكم هي طازجة قضية حميدان التركي وزوجته مع الخادمة، وما حصل لهما وما حدث لأبنائهما وهما ناضجان وفي مرحلة الدكتوراه.

لذا أتمنى قبل عبور بحر الظلمات بهؤلاء الشباب، أن تمسح ظلمتهم بتنويرهم بالمجتمع الذي سيكون مأواهم لأربع أو خمس سنوات، وان يعطون دورات مكثفة ليس باللغة فقط ولكن بالعادات المتبعة في أمريكا، كيفية التعامل مع رجال الأمن والجمارك، مع طبع كتيبات صغيرة تكون مراجع لهم مع استمرار الاتصال بهم وتبصيرهم أولاًبأول. ان يتعلموا كيف يستغلون أوقاتهم وكيف يتجنبون الشرور.. لسنا بحاجة لمشاكل جديدة وشباب يتهم، ولا نريد شباباً يذهبون بعروق صافية نقية ويعودون ملوثين..

أعرف ان الأمر صعب ومعقد قليلاً، وأن فتح جامعات جديدة ربما يكلف أقل من الابتعاث بهذا العدد، ولكن مادام الأمر حدث فلابد من تأهيل هؤلاء الفتية قبل ان يدخلوا البحر وهم مكتفون، ونقول لهم: هيا عوموا.