لم يعد مستغرباً أن نسمع في الأغاني الجديدة شتائم «طيّبة» مع تشكلية منوّعة من مختلف أصناف السبّ للسيد -وأحيانًا السيدة - الموصوف بأنه «المحبوب». فقد صار بعض المغنين ينتقي الكلمات التي تحتوي على قدر من الشتائم، وأصبح المنتجون والمخرجون يركزون عليها أكثر من غيرها. والأمر وصل إلى المتلقّين من الشباب الذين يفضّلون هذا النوع من الأغاني ويحفظونها عن ظهر قلب ويرددونها من باب الإعجاب بها. وهذا ما يثير تساؤلا حول السرّ في هذه الأغاني الشتائميّة التي لقيت كل هذا الرواج وهذه الشعبيّة؛ فهل الأمر يتعلق بالأغاني نفسها وطريقة إخراجها أم يتعلق بذوق المتلقّي؟
تجدر الإشارة هنا أن الأغاني يمكن أن تؤدّى بإيقاع عاطفي ولحن حزين وإن كانت مخرجة بالصورة فإن المناظر الجميلة ترافق تلك الأغنية بشكل يختلف كليًا مع المضمون الذي تحمله كلمات تلك الأغنية التي تكثر فيها عبارات ذات إيقاع صخري من مثل: «اقلب وجهك»، أو «تقلّع»، أو «الشرهة عليّ اللي عطيتك وجه»، أو «فارق، الله لايردك». وهذه عبارات شعبية تحوّلت من لغة الشارع إلى لغة الأغنية، ومن دلالة السخط إلى دلالة الحب. وهذه نقلة طموحة لابد أن يأخذها النقاد بعين الاعتبار والتقدير.
ومن اللطيف كذلك أن نجد عبارات الأغنية تحمل مضمون التحدّي للسيد المحبوب وكأنها وعيد له بالمضاربة من مثل: «أنا أتحداه إذا يقدر يخليني»، والحقيقة أننا لا نعلم هل هذه الأغنية تصور التحدّي بعد أن انتهت المضاربة بين المحبوبين أم أن المحبوب سوف يتلقى التهديد بعد سماع الأغنية في القنوات؟ وهناك أمثلة أخرى للمبارزة من مثل كلمات تقول: «لا أنته وليّ عليّ، وثوبك ما هو ثوبي»، أو «كان فيك خير كلّمني». وينبغي ألا نصاب بالدهشة من تحوّل هذه العبارات إلى كلمات شعرية تغنّى، فضلا عن أن مضمونها متناقض تمامًا مع الفكرة التي تريد أن تقدمها الأغنية. فمثلا نسمع أغنية مثل: «من تكون إنته عشان أبكي عليك» ولا نعرف سبباً لهذا الكلام في موضوع يتعلق بالحب.
وليس عجيباً أن يصبح الحب بمثابة «الحبحب» بحيث يجد المحب أمامه عدداً هائلا من المحبيّن يتدحرجون كالحبحب، فينتقي أو تنتقي منهم واحدًا أو أكثر، كما تقول هذه الأغنية: «أنا مو ناقصه همّهْ، بداله عشرهْ ياعمّي». ومن يبحث عن هذا الصنف من الأغاني التي يبدع كاتبوها في إخراجها من أسوأ مكان في نفوسهم، فما عليه سوى تحريك الريموت كنترول على هذا الكم الهائل من القنوات التي تزخر بهذه الأغاني الرومانسية.
وإذا افترضنا أن الكلمات تتحدث عن «محبوب»، فإن أقل ما يتوجّبه الحديث عن هذا المحبوب هو الاحترام الناتج عن الحب باعتبار أن «الحب» عملية عاطفية وعقلية معاً نتجت بفعل عوامل بعضها خيالي وبعضها واقعي وأخذت قدرًا من الزمن تحوّل فيه المحبوب من شخص خارج الذات إلى شخص متّصل بالذات لدرجة يمكن اعتباره ممثلا لها في بعض الفلسفات. وإذا صح هذا الحب، فكيف يمكن أن ينقلب إلى كره؟ إن الذي ينقلب إلى كره قد يكون مجرد إعجاب أو ارتياح بسيط؛ أمّا الحب كما يقول فيلسوف الحب ابن حزم: «الحبّ لن ينقلب إلا إلى حبّ، وما عداه فهو الموت لأن الحب يهدر المعاتبة وبه يسقط الخلاف».
من هنا فمن المتوقع أنّ أصحاب الشتائم هم ممن يُسمّون الأشياء بغير أسمائها، فيطلقون الحبّ على أي شيء سواء أكان له طرف من الحقيقة المتمثلة في الإعجاب أو الود أم غير حقيقي يقصد به ممارسة الجنس. ولهذا فإنهم يريدون من الشخص الذي وقع في المصيدة أن يستجيب لطلباتهم الحسيّة اعتقادًا منهم أن وصفه بالحبيب سوف يجعله سهل الانقياد، وحينما لا يتحقق لهم هذا الهدف سرعان ما يتخلّون عنه ويرمونه بالشتائم ومختلف أصناف القبائح التي يحسنون انتقاءها.
ويبدو أن هذا الأسلوب بين الشباب الجدد صار سائدًا بحيث يمكن اعتباره يمثل ثقافة جديدة للحب في عرف هؤلاء؛ مع أن هذا الشيء المسمّى حباً في نظر غيرهم ليس أكثر من هجاء يكشف عن الجانب القبيح في الخيال. على أن هناك من يعتقد أن هؤلاء يمثلون جيل الحب (بفتح الحاء) على اعتبار أن تنقيم «الفصفص» سمة تغلب على سلوكهم، وليس مستغربًا أن يكون من له علاقة عاطفية بهم بمثابة القشرة التي ينفخونها من على شفائفهم المغبرة بلا مبالاة.
ومما يدل على انتشار ثقافة الهجاء ونشر القبح عن المحبوب أو المحبوبة - بعد أن يصبح قشرة - هو أن من يعجز عن نظم شعر الهجاء في محبوبته على شكل أغنية يلجأ إلى نشر فضيحتها وفق التقنية الحديثة؛ ومن ذلك كثرة القصص التي بدأنا نسمعها عن تصوير المحبوبة بالجوال في وضع مخلّ بالأخلاق ثم نشره بين الملأ كما تنشر الأغنية وتنتشر معها قصيدة هجاء المحبوب.
hujailan@alriyadh.com