السبت 11 رجب 1427هـ - 5 أغسطس 2006م - العدد 13921

برقيتان.. لهما المدلول الأبعد حضارياً

    البرقيتان اللتان تصدرتا صحف يوم أمس، ليست قيمتهما في أنهما تقدمان لنا نموذج التعاون، أو التعاطف، أو التماثل، بين الرجل الأول والرجل الثاني في المملكة.. هما - محلياً - حدث عادي أفرزته المناسبة. وقد قال سمو الأمير سلطان، في برقية التهنئة التي بعثها إلى خادم الحرمين الشريفين؛ بمناسبة مرور العام الأول، على توليه مقاليد الحكم: «وعدت فوفيت، وبنيت خلال هذا العام ما يتطلب سنوات طويلة لتشييده». وقال أيضاً: «وضعتم الأسس الراسخة - بإذن الله - لنقل المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة صناعياً»..

وقد أكد خادم الحرمين في برقية الرد: «أنه سيبذل كل الجهد لخدمة الدين، وتحقيق الأمن، والاستقرار، والرخاء..»

هذان النصان المتبادلان.. بين رجلين يتحملان مسؤوليات كبيرة، ليس محلياً فقط، ولا عربياً فقط، ولكن - أيضاً - على مستوى عالمي دقيق المخاطر؛ حيث لم يمر العالم العربي بمرحلة مخاطر مخيفة مثلما هو عليه الحال الآن..

ومدلول البرقيتين؛ لكي يكون مفهوماً بعمق، ومطروحاً بموضوعية ووعي؛ فلابد أن يقارن الواقع السعودي الراهن، وعبر تاريخ المائة عام، بما هي عليه حال الشعوب العربية الأخرى..

نحن نشكو من حالات قصور محدودة ووقتية، وغيرنا - وهم كثر - يشكون من حالات إعاقات متردية، غير وقتية، وربما في بعضها ما هو مستعص على الحلول..

نحن في المملكة - في مجتمعنا المعاصر - عايش الآباء مرحلة البدايات.. متى فتحت المدرسة الابتدائية، متى عرفنا الأسفلت، متى تعاملنا مع بنك، متى سافرنا إلى الخارج..

في غابات بيوت الطين، بأحياء دخنة، وسلام، ومصدة، والشميسي، كان هناك منزل من بلوك، متواضع، قرب تقاطع شارعي الريس والشميسي، لكنه كان في منتهى الشهرة، ومعلماً في الوصف لطريق ما؛ لانفراده بالسور والطلاء..

معظم الذين يركبون سيارات المرسيدس، هذه الأيام، متجهين إلى أعمالهم، كان بعضهم يذهبون حفاة إلى مدارسهم، أو إلى غرفة المطوع - الكتاتيب -، هل تدرون وقتها كيف كان حال العالم العربي؟..

لقد زرت معرضاً فنياً في بيروت - التي تحترق الآن، للمرة الثالثة - وفيه وجدت صوراً للشاطئ الغربي، في حي المريسة، حيث الكلية الإنجيلية السورية عام 1897م، ولم يكن وقتها الملك عبدالعزيز قد أعاد توحيد المملكة.. في خليج الزيتون مواقع فنادق ومقاه، أقيمت داخل الماء عام 1873م، ولوحة أخرى عن جامعة القديس يوسف عام 1900م..

وقتها كانت بغداد تحدث تعليمها الجامعي، وينتشر في أنديتها الحوار السياسي، وتزدهر الطباعة.. أيضاً كانت جامعة فؤاد في القاهرة قد افتتحت قبل ذلك التاريخ، وصدرت أيضاً جريدة الأهرام، ونشط الحوار الثقافي في أكثر من مجال، وأسس طلعت حرب لنمو اقتصادي حديث.. وتونس كانت تتفرنس في تجديد مؤسساتها..

لماذا كان الاستقرار هنا، والصراعات هناك؟.. لماذا أصبح النمو المضطرد هنا، الذي تنبأ له الأمير سلطان، بأن يجعل المملكة في مصاف الدول المتقدمة صناعياً؟..

لسنا ملائكة.. ولكننا نواجه مشكلاتنا واحتياجاتنا، بغير أن يهدم بعضنا بعضاً، وأعتقد أننا الآن في حالة وعي حقيقي، بضرورة أن نركض جادين نحو مواقع «الدول المتقدمة صناعياً».

في العالم العربي، لو تأملنا السيرة الذاتية لأبطال الأحداث المؤثرة، على الحياة الاجتماعية العامة؛ لوجدنا مواقع صراع ليست بين أفكار ورؤى؛ وإنما بين أشخاص في مواقع المسؤولية الأولى.. من يباركون بعضهم لبعض، ويعضدون بعضهم بعضاً.. هنا، يختلفون - تماماً - في نوعيتهم، عما كان بين غيرهم من علاقات ترصد وتدمير..

صدام حسين كيف رسم نهاية أحمد حسن البكر؟.. عبدالناصر كيف أنهى وجود عبدالحكيم عامر؟.. القذافي كيف أنسى الناس شخصاً اسمه عبدالسلام جلود؟.. كيف لم يستطع لبنان احتمال وجود شخصية استقطاب عامة، مثل رفيق الحريري..؟ وكيف من قبل كانت نهايات حسني الزعيم، والشيشكلي..؟ عبدالكريم قاسم، كيف قضى نائبه عليه..؟ ومن قتل النائب فيما بعد؛ بإسقاط طائرته.. وكيف وضع هواري بومدين زعيمه بن بيلا في السجن..؟

الاستقرار هنا هو الحياة، والنمو، وسبيل الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة صناعياً..