السبت 11 رجب 1427هـ - 5 أغسطس 2006م - العدد 13921

اتحاد للمعماريين العرب

د. مشاري عبدالله النعيم

    (1)

تثيرني فكرة المؤسسات المهنية العربية خصوصاً في مجال العمارة (بحكم التخصص) وقد دعيت في الربيع الماضي من قبل «هيئة المعماريين العرب» في بيروت إلى ندوة حول التعليم المعماري في الوطن العربي وكانت هي المرة الأولى التي إعرف فيها أن هناك ما يسمى بهيئة المعماريين العرب، واكتشفت أن الهيئة هي إحدى مؤسسات اتحاد المهندسين العرب الذي بدأ منذ العام 1963م في العاصمة السورية. يجب أن أنوه هنا أن المملكة ليست عضواً في الاتحاد العربي للمهندسين حتى الآن وهو ما يعني انها ليست عضواً في هيئة المعماريين العرب (لأن العضوية بالدول) ولا أعلم لماذا لسنا حريصين على العضويات المهنية فالمملكة ليست عضواً في الاتحاد الدولي للمعماريين UIA التابع (على حد علمي) لليونسكو، رغم اننا نقوم بدعم العديد من الهيئات الدولية مالياً. انا اتحدث هنا عن التخصص الذي اعمل فيه، ولا اعلم كثيراً عن الهيئات المهنية الأخرى، إذ أن المفارقة المحزنة هي حتى تلك الهيئات التي بدأنا الارتباط بها مثل (المجلس العالمي لخبراء الآثار) Icomos التابع لليونسكو كذلك، وقد كنا اسسنا لجنة سعودية للمجلس، لم نستطع الاستمرار في القيام بما يفترض علينا القيام به كي تستمر هذه العلاقة والارتباط فقد تلقيت مؤخراً خطاباً يفيد بأن عضويتنا في المجلس سوف تسحب وان اللجنة السعودية سوف تلغى وفي هذا خسارة كبيرة. خلال الأعوام الماضية كنت اشعر بعزلة مهنية ولم أعرف سببها إلا عندما بدأت بالمشاركة في أنشطة معمارية مهنية واكاديمية متعددة قربتني من تلك المؤسسات التي لا يشارك فيها سعوديون الا نادراً وقلت لماذا نحن بالذات الذين لا نكترث، فلا يوجد هنا ما يمنع وليس هناك «محرمات سياسية» على سبيل المثال تجعلنا نقف هذا الموقف السلبي، الا انني عدت وقلت اننا كسولون، وليس لدينا اهداف مهنية واضحة كما ان مؤسساتنا المهنية المحلية ضعيفة وتغلب عليها المصالح الشخصية.

(2)

الهيئات العربية المهنية لا يعتمد عليها كثيراً فهيئة المعماريين العرب مثلاً كانت «هيئة نائمة» حتى تولاها المعماري اللبناني رهيف فياض وأحياها وها هي تعقد لقاءاتها السنوية في مدن عربية متعددة سيكون احدها في حلب في نوفمبر المقبل.. اما الاتحاد العربي للمهندسين فلم يفعل شيئاً طوال الأربعة عقود ونيف الماضية ولم يقدم لنا إلا شعارات سياسية. فقد نجح بجدارة في «تسييس الهندسة» وافقدها معناها التقني والتنموي، والذي يبدو لي ان مسألة الاعتماد على مؤسسات رسمية مهنية لن يجدي نفعاً وقد كان هذا هو ما حصل فعلاً في كثيراً من الدول عندما ظهرت مؤسسات مهنية مستقلة (مثل المعهد الامريكي للمعماريين AIA والمعهد الملكي للمعماريين البريطانيين RIBA منذ منتصف القرن التاسع عشر)، فقد كان لهذه المؤسسات «المستقلة» دور كبير في تنظيم المهنة المعمارية بل وساهمت مساهمات فاعلة في إعادة صياغة المناهج التعليمية ودفعها الى مجالات مهنية ضرورية يحتاج لها السوق.

(3)

في الحقيقية انني صرت اسأل نفسي كيف يمكن ان نبني مؤسسة مهنية لها تأثيرها وليست مجرد شكل وتذكرت انني دعوت لتأسيس هيئة للمعماريين السعوديين وكتبت عدة مقالات في هذه الصفحة بالذات كما انني قمت بنشر عدة مقالات قبل خمسة اعوام لتأسيس جمعية للمعماريين والمخططين الخليجيين (صفحة العمران والتنمية)، ولم يهتم أحد أبداً. قلت في نفسي مراراً اننا «حالة مجتمعية نادرة» فعدم الاكتراث هذا يعني غياب «فادح» للفكر التنظيمي الذي تحتاج له كل المهن تقريباً فبدونه تصبح المسألة فوضى. ووجود مؤسسات مهنية تقوم بالتنظيم مسألة بديهية يجب ان يسعى لها اصحاب المهن. اذن ما الذي يجعل ابناء هذه المنطقة على وجه الخصوص لا يكترثون بقيمة العمل المهني المنظم. صرت احلل الوضع وأستخلص النتائج لكن في النهاية اعيتني الحيلة فإما ان أكتفي باليأس أو أن أستمر في تبني هذه الفكرة إلى ما لا نهاية فلن تكون الخسارة كبيرة على اي حال (على المستوى الشخصي) اذا لم يكتب للفكرة النجاح. الامر الذي يستحق ان اركز عليه هنا هو ان بناء الوعي التنظيمي يظل مهمة «تعليمية» خالصة، وانا اؤكد هنا ان المنهج الاكاديمي لكليات الهندسة والعمارة في المملكة لا يصنع هذا الوعي بأي شكل من الأشكال، فمسألة اننا نقوم بتخريج «مهنيين» يجب ان يكونوا جاهزين للتعامل مع السوق مباشرة مفقودة من القاموس الأكاديمي في أغلب الجامعات السعودية.

(4)

في الفترة الاخيرة قام بعض الزملاء المهتمين بالعمل الاكاديمي في مجال العمارة بتأسيس مركز لدراسات العمارة العربية مقره الشبكة العنكبوتية ونجحوا خلال الاعوام الثلاثة الماضية في عقد مؤتمرات دولية احتضنتها مؤسسة اكاديمية عربية ولقت نجاحاً باهراً حتى ان كثيراً من المؤسسات المهنية العالمية صارت تنشر اخبار تلك اللقاءات، وهم الآن بصدد نشر كتاب حول العمارة العربية في القرن العشرين، وأعتقد أن المشروع يمكن ان ينجح ويشكل نقطة تحول اساسية في العمل المهني المنظم في المنطقة العربية. فوجود مؤسسات حرة مستقلة تدفع المهتمين من ذوي الكفاءة للعمل سيكون مثالاً مهماً يكشف المؤسسات المحلية المهترئة التي لم تقدم اي انجازات رغم امكاناتها الكبيرة. لقد اوحت لنا هذه الفكرة بإمكانية تأسيس اتحاد للمعماريين العرب على الشبكة العنكبوتية، ليمثل اتحادا مهنيا حرا «غير مسيس» يهدف إلى الارتقاء بالعمارة وعلومها وتطبيقاتها ويوجه اسهاماتها الاقتصادية في الوطن العربي. الفكرة ما زالت في مهدها لكنها تستحق الاعتناء والمثابرة، لأنها ببساطة ستؤكد إذا ما كنا قادرين على «الالتزام» أم اننا تعودنا على «الكلام» فقط.

(5)

تبدأ فكرة اتحاد المعماريين العرب «العنكبوتي» بطرح مواثيق مهنية حاولنا ان نستخلصها من العمق التراثي العربي المتمثلة في رؤية ابن خلدون للعمران البشري فها هو يصف ما احتوته مقدمته بالتالي: «انحصر الكلام في هذا الكتاب في ستة فصول. الأول العمران البشري على الجملة وقسطه من الأرض. والثاني في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية. والثالث في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية. والرابع في العمران الحضري والبلدان والامصار. والخامس في البضائع والمعاش والكسب ووجوهه. والسادس في العلوم وأكتسابها وتعلمها». ويبدو لي أن كل فصل من المقدمة يمكن أن يكون مجالاً من مجالات الميثاق المهني للمعماريين العرب،. فالفصل الأول يمثل الميثاق الثقافي، والفصل الثاني يمثل الميثاق الاجتماعي، أما الفصل الثالث فيمثل الميثاق التنظيمي، والفصل الرابع يمثل الميثاق المهني، والخامس يمثل الميثاق الاقتصادي أما الفصل الأخير فيمثل الميثاق التعليمي. ووجدنا أن المواثيق الستة يمكن أن تكون بداية حقيقية لبناء تصور لاتحاد المعماريين العرب بحيث يتحول الاتحاد مع الوقت إلى مؤسسة ثقافية (مهنية) تعليمية مهمة ووضعنا في اعتبارنا أن الاتحاد يجب أن يكون مفتوحا على كل المهتمين العرب سواء كانوا مهنيين (يحملون شهادات في العمارة والتخطيط والعمارة الداخلية) أو كانوا من النقاد (المهتمين بتاريخ الفنون) حيث يتكامل الجانب النقدي والمهني الذي تعاني من فقدانه العمارة العربية المعاصرة. ومع ذلك فقد كان ضروريا ان نضيف ميثاقين آخرين هما الميثاق الاخلاقي والميثاق التقني، حتى يكتمل الفكر التنظيمي والاقتصادي للإتحاد.

(6)

الفكرة في بدايتها واعتقد ان اكتمال بناء المواثيق الثمانية والبدء في تفعيل نشاط اتحاد مهني بهذا الحجم سوف يعتمد كثيرا على دعم المؤسسات المهنية والفكرية والاكاديمية العربية إذ أن بناء شراكات مع تلك الهيئات والمؤسسات سيكون مسألة اساسية. كما أنني اعتقد أن ثقافتنا العربية كفيلة بمدنا بالكثير من الافكار.. فميثاق المعماريين العرب يجب أن يكون عربياً خالصاً وأن تستمد افكاره من عمق حضارتنا العربية الأصيلة.. هناك الكثير من الافكار التي تستحق أن نبني عليها بنياننا المهني والفكري الجديد. يطرح ابن خلدون رؤية أخلاقية «مهنية» يجب ان نضعها في حسابنا فيقول: «اما فساد اهلها (المدينة) على الخصوص فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لون اخر من الوانها فلذلك يكثر الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهة ومن غير وجهة وتتصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له، فتجدهم اجرياء على الكذب والمغامرة والغش والخلابة والفجور في الايمان والربا في البياعات، ثم تجدهم (لكثرة الشهوات والملاذ الناشئه عن الترف) أبصر بطرق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبدواعيه واطرح الحشمة في الخوض فيه، حتى بين الأقارب وذوي الأرحام والمحارم الذين تقتضي البداوة الحياة منهم في الإقذاع بذلك، وتجدهم أيضا ابصر بالمكروالخديعة، يدفعون بذلك ما عساه ينالهم من القهر وما يتوقعونه من العقاب على تلك القبائح، حتى يصير ذلك عادة وخلقا لأكثرهم إلا من عصمه الله». فالقاعدة الخلدونية هنا تؤكد أن العمل المهني يحتاج إلى تنظيم إذ أن المجتمعات الانسانية (والمجتمع المعماري العربي الذي يفترض أن يمثله الاتحاد أحد أمثلتها) تتطلب التنظيم وسيادة القانون وتبني اتحاد المعماريين العرب «لميثاق أخلاقي» يكون جزءاً من ميثاق الاتحاد هو خطوة أولى ضرورية ومهمة لأن المجتمعات المعمارية العربية المحلية تفتقر لمثل هذا الميثاق.

(7)

لا أعتقد أنني أحلم هنا، فالتقنية المعاصرة يمكن أن تحقق الكثير وأن تقلص كل المعوقات التي أحالت اتحاد المهندسين العرب إلى «كومة سياسية بالية» وجعلت من هيئة المعماريين العرب مجرد مؤسسة ذات اجتهاد فردي. اتحاد المعماريين العنكبوتي سيكون حرا طليقا وستبنيه سواعد الشباب الفتية المتحمسة لأنه من أجلهم. يستطيعون من خلال التعامل مع المؤسسات المهنية الاقليمية والعالمية المشابهة... ربما نحتاج أن ننتظر قليلاً حتى تصبح هذه المؤسسة حقيقة إلا أنني لا أجد ما يمنع من ذلك أبدا.