بحث



الخميس 9 رجب 1427هـ - 3 أغسطس 2006م - العدد 13919

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


كل هذا الموت، كل تلك الأمكنة

فاطمة المحسن
    كانت أقرب الى منام متكرر، رحلة العبور من مكان الى آخر،لحظات الاستنفار وقرار المغادرة المفاجئ. مر السيناريو بخاطري ويدي تقفل الحقيبة، تركت أصص الزهور الى هجير بيروت،وصوت جارتي يستعجلني كي أدرك ماتبقى من الوقت. كنت أحصي المرات التي تشبه هذه المرة، مذ مغادرتي بغداد على عجل قبل ربع قرن. القوافل التي تتزاحم على الحدود، والطرق المحفوفة بالمخاطر.

بيروت الضاحكة اجتزت شوارعها في اليوم الأول للحرب وكأني أودع عزيزا،وبما يشبه التصميم، عزمت على تجاهل إشاعة القصف. كنت أسمع هدير الطائرات وأتخيل انها ستلقي القنابل في مكان إفتراضي،فما من فضاء يصلح للهدم في بيروت الناهضة بعمرانها. هي أصغر من أن تقصف وأجمل من تطوى صفحتها على عجل. خفتت حركة الشوارع،وتباطأت الحافلات عن حمل البشر، ولكن الحرب بقيت مجرد إشاعة لايود الناس تصديقها.

الفتيات يسرعن الخطى في شارع الحمرا،ويتلفت الباعة بين مصمم على غلق محله او البقاء منتظرا مجيء زبون اضطرته الحاجة.هكذا لبنان يؤخذ على حين فجأة، حيث في أقصى الجنوب تشهق عمارات وأبنية جديدة قبل اسبوع من الحرب لاغير. توقفت رافعات الوقت ودوت صفارات الإنذار في المستعمرات الاسرائيلية التي تقع على مرمى البصر. الشابة التي استضافتنا في بلدة الخيام غاوية ضحك،كانت تشرح لنا أسرار أسماء القرى التي مررنا بها، ثم أشارت الى شريط من البناء وراء تلة قريبة: هذا لهم، تقول، عندما يعطس الأعداء نسمع صوتهم. كان الجنوب هكذا قاب قوسين من الحرب أو السلام. لم تكن التلال الفاصلة التي تحتلها الرادارات وشبكات الرصد توحي بمواقع قتالية، ولكن الهواء الذي يتنفسه الناس ينذر بالخوف،الصور المعلقة والأناشيد والشعارات. على امتداد الشريط الحدودي والى أقصى نقطة تشهق فوق الأعمدة أعلام الثورة الإيرانية ورسوم الخميني وخامنئي، وكأن إيران نذرت الجنوب اللبناني أضحية للحظاتها الحرجة.

ليس بمقدور الغريب سوى الرهان على السلام،فما من قوم مثل اللبنانيين تغويهم الحياة، فطوال رحلة العودة من سفرة صداقية، كانت الجنوبيات يرقصن ويهزجن بما يشبه اللوثة،أجسادهن تتمايل مع ايقاعات الأغاني الصاخبة،وأصواتهن تعلو وتهبط مع نسيمات البحر والروابي المزهرة.أشحت بوجهي الى النافذة ولم أفسر مللي من الفرح والصخب سوى بمزاجي العراقي السوداوي. أين توارت الصبيات المرحات هذه الايام؟ وأين ذهبت رانيا المضيفة الجميلة التي تركت بيت أمها قرب بقايا معتقل الخيام؟. كانت الأم قد صنعت أطيب المعجنات لإفطار الصباح، وخصتني بذكرياتها عن الحرب والاحتلال والتحرير، ولم تكن تلك سوى حكايا ابتعدت عن الخاطر،مثل قصص الأقوام الغابرة،فابنتها أشادت بيتها على إطلالة جميلة في السلطانية، ولكنها تركت أعمدته دون طلاء، وعندما سألتها أجابتني: ننتظر السلام،كل هذا البناء يمكن ان يقوض بثانية.

هل قوض بناء بيتها وهل قصفت شجرة التوت التي لم أذق طعما لفاكهة تشبه فاكهتها؟

كان الجنوبيون يبنون مواطنتهم على الحد الفاصل بين الموت والحياة،وسوى الفقر والتهميش لم يكن لهم نصيب عدا بندقية يشيدون فيها كيانهم. ومع أن الجنوب أصبح الرافد الأساسي لثقافة لبنان الحديثة،غير ان الثقافة مثل البندقية خيار المهمشين من البشر. هم يعيشون بين فاصلة في مواطنة مؤجلة، فإسرائيل طردتهم من أماكنهم الى بيروت، وبيروت لم تكن كريمة معهم، فتدافعوا الى إشادة أحياء الضاحية الجنوبية، الوجه القبيح للعاصمة الأنيقة المترفة. بيوت متلاصقة وأزقة قذرة لاتكلف الدولة نفسها رفع الأزبال عنها أو ردم حفرة أو إشادة مدرسة ومركز صحي. هكذا الأمر دائما حين تساوي الحياة الموت، وحين يصبح خيار الحرب بديلا عن بؤس يتضاعف كل يوم،ويحفر إخدوده نقمة في نفوس الشباب.

الطائرات الاسرائيلية تدك الجنوب والضاحية، والآف العوائل تتدافع نحو الحدود والمناطق الآمنة،وعندما تنتهي الحرب سيكون وجه لبنان الديمغرافي قد تشكّل على نحو مختلف، وهنا سيصاغ سؤال الحرب والسلام على نحو آخر.

لبنان الكيان الصغير يقف دائما خارج التوقعات،فهو قد فاجأ العالم حين أعاد بناء نفسه بعد حربه الأهلية،مثلما يفاجئ العالم اليوم بحربه الجديدة مع اسرائيل. وأيا كانت الخيارات التي أرغم عليها أو أرادها حزب الله طوعا،فسيبقى التحدي الأكبر لإسرائيل في المنطقة، التحدي الحضاري والعسكري معا. فاسرائيل كانت تجابه في معاركها أنظمة وكيانات مكتملة،وعبرها استطاعت أن تؤجل استحقاقات الحرب مع الناس، وهي اليوم تجابه عبر لبنان جماهير وكيانات هلامية،كلما أمعنت في القسوة عليها، زادتها صلابة وتحديا.

أي معاين للحرب الاخيرة يدرك انها معركة أرغم عليها لبنان، أو اختطفها حزب واحد، فهذا البلد قبل أسبوع من الحرب فقط، كان يزهر باستثماراته وسواحله ومقاهيه ومسارحه وروابيه الجميلة التي تمتد من الجنوب الى الشمال، ولم يكن عمران الجنوب يقل عن عمران الشمال.

الجنوب اللبناني اليوم في فم العاصفة، وعندما تهدأ المدافع سيتجه بسفينة لبنان الى حيث يبقيها كيانا حضاريا يؤرق اسرائيل، أو يمضي بها الى ممر الاخطار،حيث تتحول سارية يعلق عليها المتخاصمون الاغراب أعلام معاركهم المؤجلة.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية