من هم في سن يقارب الستين، بالتأكيد لم يعاصروا بوعي ما حدث في عام 1948م، عندما استقل المهجرون اليهود بفلسطين كوطن لهم، لكنهم من دون شك، بعد سنوات ليست بالطويلة، كانوا قريبين عما حدث، وذلك العام ليس هو في الواقع عام النكبة الفلسطينية وحدها، وإنما بعده بزمن وجيز توالت الانقلابات العسكرية، في العالم العربي، بدءاً بسورية، ثم مصر، ثم العراق، وبالتالي فإن أبناء هذا الجيل - كبار السن أو متوسطيه في الحياة العربية البشرية الراهنة - قد تسجلت في ذاكرتهم كل معالم مسار الحياة العربية، وما تخللها من متغيرات.
- أحياناً - تلهينا المرحلة القائمة بما في أحداثها من سلبيات، أو إيجابيات، فنتصورها الزمن كله، ونعطي أحكامنا على نوعية ما فيها من تدرج للحدث، كما لو كان العمر كله..
الثورات كان لها بريق خاص.. بدءا من 1948م.
الحروب كانت لها معاناة خاصة..
المتغيرات الدولية في العلاقات عامة، أزهرت الذاكرة، كما لو كانت كل شيء..
أيضاً، المتغيرات العلمية، والثقافية، والسياحية، وما يخص الاتصالات، والنقل، هي الأخرى سجلت قفزات لامعة، في أذهاننا جميعاً..
لكن حين يلزم الإنسان العربي نفسه بالعودة إلى الذاكرة، منذ تاريخ أول هزيمة، أو بشكل أدق، منذ الإحساس عملياً بأنه متورط في لعبة عدوانية دولية، فإنه يستطلع كيف تطور تصوره لوضعه الخاص إقليمياً.. كيف تعرف على ذاته من خلال مؤثرات تكوين الذات في محيطه، سواء واقعه الخاص.. أو إمكاناته، وقدراته.. أو الواقع المحيط به سلباً وإيجاباً..
هل تم هذا التصور..؟..
لو تم، أما كان سيتم ترتيب رؤية طريق؛ لإنقاذ تلك الذات..
الانقلابات العسكرية أشغلتنا زمناً طويلاً، تصورنا أنها ستنقذنا من كل السلبيات؛ بما في ذلك الصمود في وجه إسرائيل، لكن ما حدث أثبت أن أسوأ فئات المجتمع، هم من تسيّد تلك الانقلابات، من أورثنا أبشع الهزائم؛ في حين استغلت إسرائيل أصداء مدفعيات الميكروفونات العربية؛ لتضاعف من قدرتها العسكرية..
المتغيرات الدولية، غابت مع الاتحاد السوفياتي، ولم تبرز دولة عربية واحدة يقال إنها تفوقت عسكرياً، أو اقتصادياً، بفعل التحالف معه..
تسيدت أمريكا الساحة الدولية، ولم تعز أي دولة عربية تفوقها بفعل الرعاية الأمريكية؛ التي كانت القطة المعروفة بأكل أبنائها..
لا أتقبل القول: إن إسرائيل تضاعفت قوتها، والعالم العربي تضاعف عجزه؛ لأن إسرائيل وجدت الحليف الممون، والمنافح، والمقاتل.. هذا صحيح، لكنه ليس سبباً كافياً؛ لأن تايوان لم تستطع أن تكون عائقاً لتطور الصين الكبرى، وكوريا الجنوبية، لم تعطل التطور العسكري لكوريا الشمالية.. ألمانيا دخلت عدة حروب، وتساوت جدران برلين مع ارتفاعات أرصفتها، ومع ذلك كله تعود ألمانيا، في كل مرة، إلى صدارة التفوق الأوروبي..
ليت المواطن العربي.. ينسى واقعه السياسي، والعسكري والعبث الدولي الراهن، ويلتفت إلى نفسه.. وإلى ذاته.. وإلى أرضه؛ ثم يقذف إلى غير رجعة ظلامية فكر التكفير، وزيف ديموقراطية أمريكا، ويؤسس من جديد لعالم غير معوق..
ليت أن المواطن السعودي - الذي عايش كل مراحل الانتكاسات العربية، والإفلاسات، والهزائم الاجتماعية، والاقتصادية - يدرك جيداً أهمية ما تملكه أرضه ومدنه، من ثروات مادية، وبشرية، ولكي يتأكد من ذلك، عليه أن يقارن بين مستويات المعيشة وتنوعها.. بين فوارق المرتبات؛ التي تبلغ أكثر من خمسة أضعاف ما هي عليه، في أي بلد عربي آخر.. هذا المواطن السعودي، هو الأفضل خليجياً - أيضاً - حيث بعض مدن الخليج المتعملقة اقتصادياً، أصبحت تهرب منها العائلات، بفعل الارتفاع المذهل لأجور السكن.. وهنا في المملكة توجد مشروعات تسهيل ملكية السكن..