جريدة الرياض

جريدة يومية تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية

الاربعاء 8 رجب 1427هـ - 2 أغسطس 2006م - العدد 13918

ماذا بعد قانا؟

يوسف القبلان

بينما العالم يتألم ويبكي ويندد بعد الجريمة البشعة التي ارتكبتها إسرائيل بعنوان (قانا 2) فقد تذكرت رأياً قاله مسؤول أوروبي قبل أكثر من سنة وهو أن هذه الدويلة المصطنعة الصغيرة هي سبب مشاكل العالم ومن المؤلم أن وزيرة خارجية أمريكا لم تقتنع بضرورة وقف إطلاق النار إلا بعد مجزرة قانا كأن القتلى المدنيين قبل قانا إرهابيون يجوز قتلهم.

ماذا يقول العالم بعد «قانا 2» غير التنديد والشجب والاستنكار، وإذا كانت المشاركة العاطفية واجبة فإنها غير كافية فالعالم أصبح مع الأسف يقول ولا يفعل ويعد ولا ينفذ فقد أطلقت أمريكا وعداً بإقامة الدولة الفلسطينية، ولم يتحقق هذا الوعد. وتطلع العالم إلى حل نهائي لقضية فلسطين يحقق العدل، والسلام، والأمن للجميع ولكن كل الاتفاقيات طمستها حركة بناء المستوطنات، والاغتيالات، وخارطة الطريق، واللجنة الرباعية وغيرها من الجهود الكلامية التي لم تحقق الهدف المطلوب.

إن أساس كل ما يجري الآن أمام أنظار العالم هو مشكلة الاحتلال، واستمرار الاحتلال يعني استمرار الأزمة وإذا أراد العالم إنهاء هذه الأزمة فإنه يجب أن يتجه إلى مناقشة أصل المشكلة وليس تفرعاتها ونتائجها وهوامشها.

قال العالم بعد قانا 2 الكثير ولكنه لم يفعل الا القليل ولو كان الفاعل غير إسرائيل لكنا الآن أمام قرار لمجلس الأمن لا يصدر فقط وإنما يتم الالزام بتنفيذه.

هذا مشهد لا يتفق مع سياسة محاربة الإرهاب إلا إذا كان للإرهاب مفاهيم وتعريفات مختلفة.

يصرخ رئيس وزراء لبنان ويقول: «احتراماً لأرواح الشهداء وإجلالاً لأشلاء قانا وعيونهم البريئة المدفونة تحت الأنقاض أطلق صرخة مدوية إلى جميع اللبنانيين والعرب وأناشد الضمير الإنساني في كل أنحاء العالم الوقوف معنا وقفة واحدة في وجه مجرمي الحرب الإسرائيليين».

هذه صرخة لبنان، ولكن العالم اليوم لا يملك غير التنديد والإدانة بل أن وزيرة خارجية بريطانيا ترفض حتى الإدانة.

كيف لعالم تضمه منظمة واحدة تسمى الأمم المتحدة ويوقع على ميثاقها الذي يحترم استقلال الدول، وحقوق الإنسان، أن يقابل هذا الخطر الإسرائيلي القائم منذ أكثر من خمسين سنة بالصمت، وكيف بعالم هذه مواقفه وأحواله أن يملك القدرة على التغيير، وكيف لعالم لا يملك أمام مجازر إسرائيل غير إصدار البيانات حتى أن أمين عام الأمم المتحدة طالب بإدانة مجزرة قانا بأشد العبارات. وماذا تفيد العبارات. هل ستعيد الأرواح، هل ستعيد الأرض، والكرامة، والحرية والاستقلال؟ هل ستوقف إرهاب إسرائيل وغطرستها وخروجها على القانون الدولي منذ إنشائها وحتى الآن دون عقاب.

ماذا بعد قانا 2؟ مندوب أمريكا في الأمم المتحدة يقول «سنرى ما إذا كنا نستطيع الاتفاق على بيان رئاسي أو بيان صحفي يعبر عن أسفنا العميق وتعازينا لأسر الضحايا».

شكراً لأسفكم العميق، ولكن الأهم هو إيقاف امداد إسرائيل بالدعم المعنوي والمادي وبالسلاح القاتل المستخدة في مجزرة قانا وغيرها من المجازر. شكراً لأسفكم ولكن الأسف لن يحل الأزمة، ولن يوقف العدوان، ولن يقيم الدولة الفلسطينية ولن يفرج عن المساجين وهم بالآلاف في سجون إسرائيل، ولن يوقف الاستيطان.

نعم ماذا بعد قانا ,2. هل سيعود العالم إلى طاولة المفاوضات مع وسيط غير محايد، هل ستكون (قانا 2) مفصلاً تاريخياً يحرك ضمير العالم ليقوم ولو مرة واحدة بتنفيذ خطة عادلة في الشرق الأوسط. هل تكون (قانا 2) فرصة للمجتمع الدولي لوقف إرهاب الدول كمنطلق وأساس لسياسة مكافحة الإرهاب. هل يستيقظ الضمير العالمي بعد قانا 2 ويسعى جدياً لاحترام حق الإنسان الفلسطيني واللبناني..

لقد أدان العالم وندد مجازر إسرائيلية سابقة مثل قانا 1، وجنين، ودير ياسين، وصبرا وشاتيلا، وغيرها، ولم يتغير أي شيء. وعاد العالم يسير بطريقة تكرس الاحتلال وتجرم المقاومة واستمر قتل الأبرياء وتقديم الوعود وطرح المبادرات والاتفاقيات ثم وجد العالم نفسه بحاجة إلى قانا أخرى لتذكيره بأن الوضع لم يتغير ولن يتغير مهما بلغت قوة لغة التنديد.

yalgoblan@alriyadh.com