الثقافة.. أم الوعي أولاً؟!
في طور كل إنسان ثلاث مراحل، تبدأ من التعليم للتعرف على محيطه الخاص وجغرافيته الأكبر، ثم الوعي الذي ينبثق عنه السلوك الخاص تجاه الذات والآخرين أي التحكم بالعواطف وتمييزها عن اشتراطات العقل، وتختتم بالثقافة بمعانيها الشاملة،
أي ليس شرطاً أن تكون مفكراً، أو روائياً، أو عالم أجناس أو فيلسوفاً، وإنما قارئ جيد ترفد ثقافتك مجمل اختصاصاتك، حيث تستطيع التعبير، أو الكتابة عن مجال معرفي، أو هندسي، أو كيميائي بمصطلحات ترفدها ثروة ثقافية وقاموس لغوي بمفردات متعددة..
وإذا كانت الحاجة للوعي، بالنسبة لشعوب العالم الثالث أكثر ضرورة واتفاقاً مع ظروفها، ومتطلباتها، فإنها وسيلة التقويم العام للسلوكيات، والرادع الأقل خطورة بتجاوز المعقول إلى التهور، ونحن بالوطن العربي لم نعرف هذه الوسطية بين التعليم والثقافة، حتى نكون على أقل التقديرات (واعين) بما نفكر به، وخطوات التقدم، أو الارتداد، ومن هنا أعلينا صورتنا القومية إلى حدود الشوفينية، وتطرفنا باشتراكياتنا، ووحدتنا إلى حد عدم قدرتنا على التمييز بين الشعارات والتطبيق العملي، ثم جاء الهياج من بعض الإسلاميين الذي يريد محاربة العالم لإعلاء الراية الإسلامية، دون التقيد بإدراك قوانا المادية والعسكرية، ووعينا بالعالم الذي تتنوع فيه أديان وثقافات وعلوم لا تتطابق مع مبادئنا، ولاطروحاتنا، ومع كل هذا ثروات ومعارف وقوائم مختلفة بالتأثير على البشر وطبعهم بمنتجاتهم، وأنماط سلوكهم..
هناك من دعا إلى جعل الإعلام وسيلة مخاطبة وتأثير على العالم باعتبار أن صدام الثقافات، والهويات، إن صح التعبير، هو الذي جعل العرب والمسلمين، في نظر المجاميع البشرية مشوشاً وغير موضوعي، وهذا المنحى من التفكير لا يدرك أن العالم مرتبط بهيمنة سياسية واقتصادية، وأنه لا يسود بين الشعوب عالم المثُل، لأننا لو اخترنا أمريكا وحدها في جبروت إعلامها وإنتاجها السينمائي وابتكاراتها اليومية التي تصل للعالم بأقصر الطرق، وكذلك أوروبا بتاريخها وقدراتها المتنامية، فإن كل العالم ظل مختزلاً بثقافة القارتين، ولعل إدراك آسيا بأن التحدي بينها وبين الغرب ليس ثقافياً، ولا معرفياً، وإنما اقتصادي، وعلمي جعلها تدخل السباق من بواباته الضيقة، إلى أن اصبحت السلعة الآسيوية في معترك السوق لتكون ميدان التنافس، والاعتراف بآسيا وقدراتها التي لا تحد..
الوطن العربي يعيش حالة انفراد بوعيه وسلوكه، أي انه لا استطاع أن يقلد الغرب، أو يأخذ بهوية الشرق، فضاعت بوصلته في المحيط الكوني، وهنا كثرت الفتاوى، وكثر المشرعون، وفلاسفة الاعتدال والتطرف، لكن القاعدة العامة احتاجت إلى اطار فكري واضح، وقيادات، تفصل ما بين طموحاتها وترفها الشخصي، والتفكير بوضع (الطوبة) الأولى في بناء هياكل الدولة بكل مطالبها المتقدمة حتى تصل إلى نقطة الانطلاق..