عند بحثي في ثقافات الشعوب، رأيت كم يؤثر الغناء والموسيقى في حياة الشعوب، وكيف يحفظ هذا الجزء الثري كثيراً من القيم والأفكار، بجانب حفظه للموروثات، كما يكون سجلاً للحوادث واليوميات، بجانب كل ذلك يحافظ على متلازمتين في اللغة، اللغة اليومية المعاشة مع اللغة الراقية.
عندما نعود للغناء العربي الأصيل نجد أنه حفظ لنا الكثير من القصائد، ونقلها من السجلات ومن الدواوين إلى أفواه الناس، ونقل معها المؤثرات، الجميلة من صور شعرية وأحاسيس، سواء أحاسيس البطولة والتضحية أو أحاسيس الظلم والجور، كما نقل مشاعر الكرامة والحب العفيف..
في مقابلة للشاعر نزار قباني أذكر أنه قال ما معناه إنه كان رافضاً أن تغنى قصائده، ويرى أنها قصائد مكانها المنابر الشعرية لا أفواه المطربين، لكن عندما غنت نجاة الصغيرة أغنيته (أيظن) .. أحس كيف تتحرك كلماتها، كيف نزل هو من منبره العالي إلى أفواه الناس. ومن ثم تداول الناس أكثر دواوينه..
عندما نعود لأغاني محمد عبدالوهاب القديمة المنتقاة من كتب الشعر القديمة، كيف قامت من رقدتها، وكيف تداولها الناس، وأحسوا بتلك المشاعر الجميلة..
مسرحية قيس وليلى التي ألفها أحمد شوقي وراح يغنيها محمد عبدالوهاب، في الوقت الذي لم يكن إلا المذياع سيد الساحة الإعلامية، كانت المسرحية تجذب المستمعين، وتعد رونقاً جديداً لقصة حب لا تموت..
(أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد وحق الفدا). تلك التي لو سمعت الآن لتداعت للكثيرين أيام سقوط فلسطين، ولجاشت مشاعرهم..
عندما نأخذ قصيدة نهج البردة، تلك الرائعة التي شدت بها سيدة الغناء العربي..
وعندما تدمع العين وهي تسمع شعراً كما الابتهال برسول الله يكتبها الشاعر محمد إقبال، أو نرى قصيدة الشاعر الفارس أبو فراس الحمداني:
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة
ولكن مثلي لا يُذاع له سر
تلك القصيدة التي علمت الشباب كيف يكون الشعر العذب، وكيف تكون المشاعر الجميلة النقية للشاعر عندما يكون فارساً.
الموشحات الأندلسية، جمالها ليس في شعرها فقط، ولكن في الغناء والتلحين لنأخذ تلك الأغنية الأندلسية ذات الإيقاع السريع:
(حامل الهوى تعب.. يستخفه الطرب.. تعجبين من سقمي.. صحتي هي العجب)
قد يكون الغناء من دواوين الشعر، شيء يزيل الغبار عن كلمات جميلة وينقلها للواقع، وقد يعمل على إسقاطها على الواقع المعاش.. من هنا قد يبدو لنا أن سؤالاً وجيهاً قد ينطلق:
أي سجل سيحتفظ به التاريخ لأيامنا هذه.. وأي أغان يمكن أن توضع مع أرشيف واقعنا لتنتقل للتراث..
قد لا نعاني من قلة الشعر الجميل الموجود على الساحة، والصالح للغناء، لكننا نعاني من فورة المال وفورة الإسفاف مقابل الجمال، ثورة الورق المزبرق، مقابل الجمال الأصيل، كم هو فرق بين الوردة بجمالها وعبقها، وغصنها المياس، وكم هو تعيس ومؤلم وخال من كل المؤثرات الورد الصناعي، وإن بدا لامعاً..
في إحدى الندوات اعترضت سيدة على إدراجي الشعر والموسيقى والغناء ضمن الثقافة، ورغبتي في نقاوتها والمحافظة عليها.. وطالبت بحذف الموسيقى والغناء باعتبارهما لا يتماشيان مع كثير من الثوابت!!
قد يكون صعباً أن نحذف التراث الغنائي والموسيقى من الثقافة العربية، لكن عندما يكون بمستوى (ألعن أبو الحب، لا بوجده) و(البرتقالة) فليته يحذف..