جريدة الرياض اليومية
الأحد 5 رجب 1427هـ - 30 يوليو 2006م - العدد 13915



مدارات إعلامية
حليم

ماضي الماضي
يبدو اننا نخاف من الاحياء لان بامكانهم مقاضاتنا ان نحن اظهرناهم خلاف مايحبون حتى ولو كان واقعهم خلاف ذلك.

حرصت على مشاهدة فيلم حليم ليس لان انشد من الفيلم التعرف على حياة الفنان الراحل عبدالحليم حافظ ولكن لانني وددت ان اعرف كيف استطاع مخرج الفيلم ان ينجو به ان كان قدنجا وهو كما نعلم آخر اعمال الفنان الراحل احمد زكي وقد اداه وهو يعاني من مرض السرطان ومن المعروف انه توفي قبل ان ينجز الفيلم وبالتالي فلقد تمت الاستعانة بابنه هيثم احمد زكي لانجاز الكثير من مشاهد الفيلم والتي ولاشك اعيدت كتابتها لتوافق الفترة العمرية للابن بدلاً من الفترة العمرية للاب فالفيلم وفقت احداثه لتلائم ظروف احمد زكي وابنه وليس عبدالحليم ومسيرة حياته خلال مراحل عمره.

لانستطيع ان نقول ان الفيلم روائي فهو في الحقيقة اقرب الى التسجيلي منه الى اي مسمى آخر حيث اقتصرت مشاهد احمد زكي على تجسيد آخر سنوات حياة عبدالحليم واتى فيها كالراوي لقصة حياته لتسهيل مهمة ادائه نظراً لظروفه حيث ان مشاهد اللقاء بينه وبين جمال سليمان لو جمعت لكونت برنامجاً حوارياً مدته لاتقل عن 45 دقيقة ويمكن تسجيلها في ساعتين كحد اقصى يضاف لها مشاهد مرض عبدالحليم وهي مشاهد مرض احمد وكامل مشاهده مع منى زكي.

اما جميع مشاهد الفيلم التي تؤرخ لحياة عبدالحليم فلقد ادها الابن هيثم وهي التي ضمت الشخصيات الحقيقية للاحداث من شعراء وملحنين وادباء وكتاب وصحفيين.

و لان الفيلم تعرض لكل هذه الظروف فأعتقد انه انقذ وقدم للسينما كفيلم عادي جداً لايقارن بأفلام احمد زكي التي جسد فيها شخصيات هامة مثل طه حسين وجمال عبدالناصر وانور السادات.

ولهذا اتوقع ان يحقق المسلسل الذي ينتج عن عبدالحليم والذي سيقوم ببطولته ممثل يشابهه في الشكل تم اختيارة عبر مسابقة خاصة اقيمت للبحث عن بطل للمسلسل نجاحاً لم يتمكن فيلم حليم من تحقيقه.

فيلم حليم من انتاج نفس الشركة التي انتجت فيلم عمارة يعقوبيان ومع ذلك ففيلم حليم لايوجد به اي مشهد خادش للحياء على عكس عمارة يعقوبيان ويبدو ان السر ان عمارة يعقوبيان يتحدث عن شخصيات غير حقيقية او قد تكون حقيقية وغير معروفة ولهذا فلامانع من ان نصورها كما نريد بينما فيلم حليم يقدم شخصيات حقيقية ومعروفة بأسمائها وتاريخها مثل كمال الطويل وبليغ حمدي ومحمد عبدالوهاب وعبدالرحمن الابنودي وصلاح جاهين ومجدي العمروسي وسعاد حسني واحسان عبدالقدوس وعلي ومصطفى امين وآخرين ولان الفيلم اشبه بالتسجيلي من الفيلم الروائي فلقد كانت اسماء تلك الشخصيات تكتب على الشاشة عند ظهورهم وهو مالايمكن حدوثه في فيلم روائي.

لقد اظهر الفيلم كل هذه الشخصيات بمن فيهم عبدالحليم كشخصيات نقية لا صراع بينها بل ان الفيلم اغفل شخصية مثير للجدل في حياة عبدالحليم كفريد الاطرش ولم يتم التطرق لها لا من قريب ولا من بعيد.

نحن لسنا امناء على التاريخ فعندما نكتب عن الاحياء نظهرهم باجمل مظهر لاننا نخشى مقاضاتهم لنا بينما عندما نكتب عن الاموات نكتب وليس علينا حسيب اورقيب وننسب اليهم مانريد وقد نشوههم ولنا في الكثير من الاعمال التي قدمت عن تاريخنا الاسلامي الكثير من العبر فلقد شوهنا سيرة الكثير من الشخصيات الاسلامية وقدماناها بل وكتبنا عنها بغير ماعرف عنها فلقد صورنا الخليفة هارون الرشيد رحمه الله على انه كان يعيش حياة البذخ والترف والغناء والسهر والرقص وحياة الجواري رغم ان التاريخ الحقيقي يقول انه كان يحج عاماً ويغزو عام آخر ولقد شاهدت في احد المسلسلات التاريخية مشهداً يطلب فيه احد القضاة من خادمة الخمر ويبرر هذا بأن من حقه ان يعيش حياته كما يريد بعد ان ادى واجباته (بئس النص والتنفيذ).

في فيلم حليم تقمص الفنان عزت ابو عوف شخصية الموسيقار محمد عبدالوهاب بجودة عالية واجزم انه لو كان عبدالوهاب حياً لما قدمت الشخصية بهذه الدقة حيث ان الجمهور كان يتفاعل مع اجادة عزت ابوعوف لشخصية عبدالوهاب كمقلد محترف والمقلد المحترف يثير فينا الضحك فكان الجمهور يضحك على مشاهدة محمد عبدالوهاب ليس لانه شخصية مضحكة ولكن لان عزت ابو عوف كان يجيد تقليده وهذا بالطبع امر رغم جودته الا ان له انعكاس سلبي على احداث الفيلم وكأننا لانقدم الشخصية بل نسخر منها فخرجت شخصية عبدالوهاب كوميدية رغم انها شخصية محورية ورزينة في الطبيعة وفي علاقتها بعبدالحليم حافظ.

ان فيلم حليم ومسلسله القادم يطرح امامنا سؤالاً هاماً وهو هل نحن في حاجة الى تقديم تاريخ نجوم مثل ام كلثوم وعبدالحليم وفريد واسمهان وغيرهم وهل المطلوب منا ان نظهرهم كنماذج فريدة جانبها مضيىء دائماً رغم انهم بشر ولهم حياتهم الخاصة التي لايجوز لنا التدخل فيها او التعرض لها فمايهمنا من كل انسان هو عطاءة لا حياته الشخصيه ولو تعمقنا في حياة النجوم لوجدنا العجب ولهذا فكثير من المؤلفات تلقى الضوء على جوانب فيها الكثير من الخصوصية لمسيرة حياتهم سواء كانت حقيقية او بهدف التشهير بهم.

هذه شخصيات عصرية وعطاؤها موجود فما الدعي لتوثيقه عبر اعمال مرئية هل لان السينما والتلفزيون تبحث عن المثير؟ بهذا سنجد الكثير من الاعمال التي تؤرخ لحياة الكثير من الشخصيات التي لم تدخل التاريخ من باب العلوم او السياسة ولكن من باب الفنون وهي شخصيات ولاشك محيطها يمتليء بالكثير من المحظورات فإن قدمناها كما قدمنا سيرة حياة ام كلثوم او عبدالحليم فلقد جانبنا الصواب لاننا بهذا نكوزن قد ابرزنا الجانب الايجابي فقط بل ومنحناه جرعات اكثر مما كان عليه الواقع وتركنا جوانب الاثارة في حياتهم والتي قد تكون سلبية وهو مايبحث عنه الجمهور وهو مايمكن ان يحقق لتلك الاعمال النجاح.

اما ان اردنا البعد عن خصوصيات تلك الشخصيات لان التطرق لها قد يفتح امام طارقيها ابوباً للخلاف لن تكون عواقبها الا وخيمة فنحن بهذا قدمنا طرحاً منقوصاً وهو مايمكن ان نقدمه عبر اعمال تسجيلية لاروائية تستند الى الحقائق .

يقول وحيد حامد كاتب سينايو عمارة يعقوبيان لقد اتصل به صاحب البار الذي جرت بعض احداث الفيلم فيه يقول (لقد شوهت سمعة باري) ويرد وحيد (هو البار له سمعة) فإذا كان صاحب البار يشتكي فمابالك بالبشر ان كانوا احياء او ورثتهم ان كانوا لهم امينون او من ارثهم عايشين .

انني اعتقد انه اذا كان لمثل هذه الشخصيات حق علينا فليكن من باب تقديم سيرة حياتهم عبر افلام تسجيلية لا افلام ومسلسلات روائية لانها ستفتقد للكثير من المصداقية.

الغريب في فيلم حليم وعمارة يعقوبيان الحديث عنهما على اساس انهما اضخم انتاج سينمائي تعرفة السينما المصرية والحقيقة لم اراهم فيهما اي شيء من الضخامة ولهذا فإن كانت الارقام الانتاجية حقيقية فلقد ذهبت كأجور للممثلين وليست للمحتوى الانتاجي.

السينما الامريكية لديها التوازن في الانتاج فالضخامة الانتاجية عندها تبدأ من محتوى الفيلم وضخامة تكلفة تنفيذ مشاهده وتأتي بعد ذلك اجور النجوم ولهذا فالضخامة في الانتاج تكاملية وليست ضخامة اجور حيث ان الاجر يتضخم للممثل كلما كانت ادواره صعبة للغاية وهذا مالانجده في السينما العربية.

ان حقق فيلم حليم ايرادات كبيرة فهذا لان الناس تود مشاهده احمد زكي في آخر ايام حياته وتود ان تستذكر عبدالحليم ولكنها لن تستمع بعمل روائي وهذا النجاح المادي ان تحقق لفيلم بكل هذه الظروف فهو ولاشك سيفتح شهية المنتجين لتقديم الكثير من الشخصيات العصرية ولكنها ستدور في فلك الجانب الايجابي الذي يظهر تلك الشخصيات وكأنها هي المحرك الاول والاخير للاحداث السياسية وكأن النصر ان اتى فهو من اغنية او فيلم وكأن الهزائم لاتأتي الا لان هؤلاء النجوم لم يكونوا شركاء في صنع الاحداث.

ويبقى السؤال متى نكون امناء على تاريخنا؟

اعتقد اننا نحتاج الى جمعية للامانة التاريخية يمر عليها نص اي فيلم او مسلسل يصور جانب حياة اي شخصيات عرفت لتقول رأيها فيه فنحن نعيش الايام كما كتبها لنا الله ولكننا نكتب التاريخ كما نريد نحن.


رابط الخبر : http://www.alriyadh.com/2006/07/30/article175501.html

هذا الخبر من موقع جريدة الرياض اليومية www.alriyadh.com
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية