ماذا بعد حرب لبنان، واستمرار الانتفاضة الفلسطينية، وتحديداً حماس حيث تقود إسرائيل حرباً مدمرة على كل الأرض الفلسطينية، بحيث حولت البلدين إلى محارق وهدم لكل ما تطاله أسلحتها المتطورة؟ وعلى ذات الإيقاع، هل محدودية الصواريخ التي ضربت المدن الإسرائيلية، إشارة إلى أن هذا السلاح يمكن امتلاكه بمختلف الوسائط، التصنيع، والاستيراد وفق إمكانات بسيطة، وأنه سلاح المستقبل الذي يستطيع أن يدمر مثلما تفعله طائرات ودبابات إسرائيل؟..
كل الطرق للموت لا تحتاج إلا إلى تقديرات خاطئة في السلوك السياسي، أو غطرسة من خلال ذراع القوة القاهرة، لكن الثمن ليس بسيطاً، حيث تم تدمير لبنان للمرة الثانية، وسويت معظم المنشآت الحيوية الفلسطينية بالأرض، وحتى فزع الإسرائيليين من أصوات صفارات الإنذار ومرأى الصواريخ وهي تصل إلى أعماق مدنهم، لغة أخرى لم يبتكرها السياسيون، وإنما العسكريون، وهم أي العسكريون، يحسنون رسم خططهم، لكنهم مفرغون من قيم الحياة، لأن بناء تعليمهم، وسلوكهم، ومبادئ تربيتهم تتصل دائماً بصور تنافي مبادئ الحياة، ولذلك هم الوسيلة والأداة لخطط وأفكار السياسيين، ولذلك فالمنطقة تعيش لأكثر من نصف قرن من خلال الطرفين العربي، والإسرائيلي على هذه العقلية التي لا تراعي كيف تتعايش، وأن للحياة معنى غير متطرف يضادها، ويرفض أبسط معاني الوجود وقيمه الإنسانية..
من خلال تجارب السنوات الماضية، ثبت أنه لا منتصر دائم، وحتى تقدُّم إسرائيل تقنياً واقتصادياً، فهي بدون أمريكا مجرد أرض غير مستقرة، ولا يمكنها أن تبقي على هاجس الحرب في حالة دائمة، وإلا خلفت مواطناً مريضاً يحب إفناء الآخر، ونفس الشيء مع العرب، فهم بحاجة لتوفير مداخيلهم البسيطة في مكافحة الفقر، وتأمين متطلبات الحياة، وبناء دول لديها القابلية على حل أزمات الداخل والخارج معاً، لكن هذا الحلم لا توفره أشكال الصراع الراهن، لأن كفاءة السلاح، ليست دائماً بقيمة ابتكار دواء، وتحسين مستوى للزراعة أو حماية وطن من كوارث طبيعية أو عسكرية..
السلام ليس ترفاً، أو إعلان توقيع منتصر على مهزوم، لأنه في لغة السياسة يعني ما تستطيع أن تجعل الواقع، ورؤى المستقبل أهم من حرب دائمة بأشكال مختلفة، وإذا كانت دول المنطقة عاجزة عن أن تجعل من فرص السلام حدوداً لإنهاء الصراع، فإن المسؤولية الأولى تقع على أمريكا، لأنها معنية بكل ما يجري، لأنه لا حياد في قضايا مستمرة التوالد وتتسبب في الحروب، وحين نقول أمريكا، فهي دللت إسرائيل بما فيه الكفاية، وعليها أن تدرك أن المناظر التي يشاهدها العربي والمسلم سوف لن تجعل الديموقراطية حلاً، إذا كان ما بناه لبنان بعد الحرب الأهلية، يذهب خلال أسبوعين فقط، بل إن صدامين، ومتطرفين من كل القوى سيولدون من جديد، وحتى قادة إسرائيل لن يكونوا أقل عنفاً وعدوانية من الطرف الآخر..