بحث



السبت 4 رجب 1427هـ - 29 يوليو 2006م - العدد 13914

عودة الى ثقافة اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


رحلات مكوكية، أسلحة دمار شامل، استنساخ.. وربوت كل هذه بدأت بالأدب!

تقرير - نوف السبيعي:
    قبل أيام تحلّق الجميع حول الشاشات لمشاهدة المركبة الفضائية (ديسكفري) تنطلق بعيداً باتجاه الفضاء بعد تأجيل إطلاقها مرتين بسبب سوء الأحوال الجوية، (ناسا) كانت تعمل بجد على إنجاح هذه العملية لأن مستقبل إطلاق برنامج الرحلات المكوكية الذي تكلّف حتى الآن 100 مليار دولار مهددٌ بالتوقف في حالة الفشل ، ونحنُ كمتفرجين كنا نخشى أن نُفجع بتحطمٍ آخر يقتل الرواد السبعة كما حصل للمكوك (كولومبيا) عام 2003م.. لكن هذا لم يحدث لحسن الحظ!

لا أحد كان يتصور السفر إلى الكواكب أو اختراع أسلحة الدمار الشامل أو حتى (الروبوت).. وحده خيال الأدباء سبق أدوات العلماء عبر ما يُسمى ب (أدب الخيال العلمي).. عندها أصبحت الأحلام تتحقق!

جول فيرن رائد الخيال العلمي الذي ولد في فرنسا عام 1805 م ودرس القانون قدّم 19 اختراعاً خيالياً لم يكن يعرف أن 17 منها تحققت، وألّف كتباً عظيمة مثل (80 عاماً حول العالم) و(20 ألف فرسخ تحت سطح البحر) و(خمسة أسابيع في بالون) تميزت بالتشويق والإثارة وأُغرقت بالخيال والأحلام ووضعت احتمالات لامنطقية في وقتها لكنها جعلت العلماء والمفكرين يبدأون رحلة التجريب ؛ فالقصة التي كتبها عام 1864 م عن تخيل الصعود إلى القمر أصبحت واقعاً في عام 1969 م ، كما استوحى أحد مبتكري الغواصة التي تعمل بالطاقة النووية فكرته هذه من خيالات (فيرن) العلمية!

جول فيرن كان (رائداً) لكنه لم يكن (الأوحد).. فقد كثرت الأسماء المهتمة بهذا الفن مثل عظيموف وويلز وآرثر سي كلارك صاحب (أوديسا الفضاء).

هنا.. وعلى المستوى المحلي يبدو القاص والأكاديمي المتخصص في علوم الحاسب الآلي الأستاذ/ أشرف إحسان فقيه وحيداً وغريباً؛ فهو يكتب قصة الخيال العلمي منذ كان في السابعة عشرة، وصدرت له مؤخراً مجموعة بعنوان (نيّف وعشرون حياة) عن دار الحرف العربي ببيروت.. سألناه حول إمكانية اعتبار أدب الخيال العلمي أداة من أدوات التنبؤ بالمستقبل فأجاب: «بالتأكيد هو استشراف للمستقبل. قراءة سريعة لما كتبه جول فيرن وه. ج. ويلز قبل قرن كفيلة بإثبات ذلك. السؤال هو مَن يوجه مَن؟ أدباء الخيال العلمي أم العلماء؟ والجواب هو الاثنان معاً. قصص الاستنساخ كانت قبل أن تكون (دوللي). وعلى الورق فقد مشى الإنسان على القمر وطوّر (الإنترنت) قبل أن يكون هناك (كمبيوتر). رواية الخيال العلمي الجيدة تكون مبنية على معطيات علمية حقيقية في الغالب.. وتتكفل شطحة الخيال وتكنيك الكتابة بجعلها رائعة أدبية. هذه الرائعة ذاتها ربما تكون الشرارة التي تشعل فتيل الفكرة في ذهن العالِم والبحّاثة. كم من العلماء اليوم يسعون مثلاً لتحقيق حلم الرجل الخفي أو الانتقال الآني؟».

الكتّاب العرب اقتحموا هذا المجال منذ منتصف القرن العشرين على يد الكاتب (نهاد شريف) ثم جاء بعده (صلاح معاطي).. وعلى الرغم من أهمية هذا النوع من الأدب إلا إن استخفاف القارئ العربي يجعلنا ندرك لماذا نحن دائماً في آخر الركب.. حول هذا يقول القاص أشرف فقيه: «هناك نظرة دونية للفن بمجمله بدون استثناء خاص للخيال العلمي. حتى الاهتمام الشعبي المباغت بالرواية يمكن إرجاعه لشغف المجتمع بالطبيعة البَوحية الفضائحية للفن القصصي.. بغض النظر عن مستواه.

لعنة الماضوية تنطبق بدورها على كامل طيف إبداعاتنا.. الشعر.. الرواية. أستطيع القول بأن هذه اللعنة هي التي تمنع حتى الكتاب والنقاد من تناول الخيال العلمي لأنه لا يتفق وسمت (الأصالة) والواقعية الذي يقيمونه من حولهم.

بالنسبة لأدب الخيال العلمي فمعظم اللوم يقع على الناقد وعلى المؤسسة الثقافية. نسبة قرّاء الخيال العلمي على الصعيدين العربي والمحلي مرتفعة جداً لأنه منتشر بين الفتية والشباب النهمين لروايات (الجيب). هذه السمة الشبابية لهذا الجنس الأدبي مردّها لعدم تقديم أعمال ذات قوالب أكثر نضجاً. أقول قوالب لأن حتى محتوى كتيبات الجيب هو على درجة عالية من الأصالة والحرفية الفنية. يظل أدب الخيال العلمي مستورداً حتى مع وجود رواد من قبيل (القزويني) و(ابن الطفيل) في تراثنا. والسؤال هنا عن دور الترجمة الإبداعية.. أين أعمال (آسيموف) و(كلارك) و(هاينلاين) من المكتبة العربية؟.. أدب الخيال العلمي ليس وصفاً لمعارك بسيوف الليزر أو مسوخ فضائية خضراء! إنه استحضار للمعاناة البشرية عبر بوابة الخيال. (ويلز) نظّر للفكر الاشتراكي عبر (آلة الزمن) حين تخيل مستقبلاً ينقسم فيه البشر لسلالتين: عمّال ومرفهّون. تيمة السفر عبر الكواكب ماهي إلا تكرار لحلم البحث عن (العالم الجديد)».

ويضيف: «ثمة من يقول بأن القيمة العلمية غائبة عن هموم المواطن. وهو رأي صحيح لكنه يعود بالكُرة لملعب المؤسسات الثقافية والإعلام الثقافي ودورهما التنويري ليستكشفا الفرص الواعدة عوضاً عن دورانهما حول ذات الهموم القديمة.. تمجيد الأقلام النسوية.. الشجار حول تعريف الحداثة والتساؤل عن دور الشعر الشعبي في القرن الحادي والعشرين!».

هذه الرؤية الواقعية جداً أشبه بسياطٍ كالهجير.. لايمكن الفرار منها.. كما لايُجدي إنكار أننا شعبٌ يضع التسلية كأحد أهم أهدافه حتى في القراءة.. عن هذا تخبرنا (بدحاء الهويدي) معلمة رياضيات: «أدب الخيال العلمي فيه الكثير من التسلية والتشويق.. ونحن كعرب نلجأ إليه للهروب من الواقع المرير.. دون أن نقرأ بجديه وبعمق.. وفي الغرب يحدث العكس.. لذلك وصلوا إلى أفكار مدهشة اُستخدمت حتى في الإجرام!».

وكمن يبحث عن بوصلةٍ مفقودة.. يبقى (أدب الخيال العلمي) مابين الإيمان والشك.. لذلك فكل الآراء حوله تختلف في وطنٍ لم يتعلم الاتفاق بعد، تقول مسؤولة الإعلام والعلاقات العامة في القسم النسائي بمؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله لرعاية الموهوبين الأستاذة / أمل الصايغ: «اينشتاين يقول (الخيال أهم من المعرفة).. ومن هذا المنطلق تأتي أهمية هذا الأدب.. أنا من أشد المؤمنين بدوره في قراءة المستقبل سواء في العلوم أو الاختراعات أو النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية».

هذا التحليق الخيالي والخلاّق لا يمكن أن يعلو ويستمر إلا في بيئة ديموقراطية حره تتيح الفرصة الكاملة لأصحاب الخيال العلمي، في حين أن العقليات الوصيّة والراعية تُجبر الكتّاب على أن يضعوا سقفاً لخيالاتهم.. وهذا بالتأكيد يُفضي إلى نتيجةٍ واحدة وهو البقاء دائماً وأبداً في المقاعد الخلفية.. تقول (هند الناصر) قارئة مهتمة بالفلك: «كل العلوم والفنون لا يعلو شأنها إلا في المجتمعات المثقفة والمنفتحة.. التي تُقدّر هذه الجهود وتُشجعها.. لأنها في الأخير ستنعكس ايجاباً على بلادهم!».وباستثناء الاستنساخ الذي كتب عنه الأستاذ أشرف قبل ظهور (دوللي) العزيزة.. ولأن الأحلام حقٌ جماعي.. ترى هل لو كنا نصنع ونملكُ أسلحةً فتاكة لا شبيه لها هل ستصبح أمريكا وقتها قوةً عظمى؟ وهل ستلعب إسرائيل كما تفعل الآن على الأراضي اللبنانية؟ ولنكون أكثر واقعية ونسأل ما الذي كتب عنه أُدباؤنا ومن الممكن أن يحدث؟.. تجيبنا أمل ضاحكة: «قصة ضياع عبيد.. تم تصويرها وسوف تبث على قناة سبيس ون!».السخرية قد تكون زادنا.. وغواية الخيال لا يستجيب لها إلا المبدعون.. أما الأحلام الحبلى بالجنون ستكون يوماً ما أقرب من حقيقة!

لذلك وبعد أن تقرؤوا كثيراً.. جربوا أن تكتبوا عن أحلام شاهقة.. فلربما صنعها أحفادكم!


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية